نقاط على الحروف
أستاذ في القانون الدولي والعلوم السياسية
أتذكرون إيران الشاه قبل 1979 وكيف كانت سيدة أعراب الخليج والأعراب بشكل عام، وللأسف؟ يبدو أنها لم تكن شيعية حينها، فلما كانت تتبع أميركا وصهيون كانت حبيبة الأعراب، ولما صارت إيران الإسلامية تغير واقع الحال وأصبحت كذلك.
أم أنكم لا تقرأون الكتب ولا تمرون على التاريخ؟ لقد كان يُمجَّد الشاه ويُحمل على الفرسان والأكتاف من المطارات إلى قصور الأعراب، وكان الزعماء يبجلونه ويقبّلون يديه ويتمنون عليه أن يأخذ مالهم... وثار الشعب الإيراني بعقيدة الفداء، ولمن لا يعرف، كانت ديمقراطية الصهيو-أميركي تدوس الناس بدبابات الشاه، وكانوا يقولون: أحد أحد، الله ورسوله وآل بيته، حتى حققوا الانتصار، وكنسوا سفارة الكيان اللقيط وأودعوها سفارة لفلسطين، فصاروا طائفة وأعداء بأوامر أميركية.
واااااعجبي.
والآن، وبعد فشل النتن ياهو في تحقيق أهدافه المعلنة وإسقاطه لترامب في فخ إيران، فقد تبلورت قضايا استراتيجية في كل المنطقة، واستمر "النتن ياهو" محاولًا جر ترامب لقصف منشآت النفط والطاقة والبنى التحتية الإيرانية ومحاولة إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن الاتفاق، لكنه عجز عن إقناعه في ذلك، حيث اكتشف الأخير الورطة التي أوقعه فيها النتن ياهو، ولذلك بدا الأخير يقسو عليه بالألفاظ والأداء، ويستمتع بالتنكيل به، وتبنى رواية معادية للنتن ياهو مفادها أنه يحاول إفشال الاتفاق. لذلك عمدت أميركا إلى تقديم تنازل لإيران بأن لا تدك "إسرائيل" ردًا على هجومه الأخير على الضاحية الجنوبية برفع الحصار فورًا، وأصبح النتن ياهو في مأزق القط المحشور، ليس أمامه إلا السقوط والمحاكمة والاعتراف بفشله والاندثار من الحياة السياسية، أو ارتكاب مغامرات غير محسوبة النتائج قد يقدم عليها للدفاع عن نفسه.
وبالرغم من الاعتراف بقوة أميركا العسكرية والاقتصادية وقدرتها على الهيمنة على أجزاء كبيرة في العالم، يكفي أن يتذكروا بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وأين هي الآن.
وتجاوزت أميركا القانون الدولي والأعراف والأسس التي قامت عليها منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، التي ورثت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية. وبرأيي المتواضع، أن هذه تمثل الحرب العالمية الثالثة التي ستكون شرارتها هذا العدوان الأميركي على جمهورية إيران الإسلامية.
وهذه المواجهة ليست عسكرية فحسب، بل هي اقتصادية وفكرية ومبدئية. فهذا وزير الدفاع الأميركي السابق ماتيوس الذي قال: "نحن نواجه لأول مرة الإسلام بوجهه الحق منذ القرن الثامن عشر، ويجب علينا مهاجمة إيران حتى ننهي الوليد قبل انتشار إسلام محمد وآل محمد". ومنذ عقود قال كيسنجر لـ"الديلي سكيب" الأميركية: "لقد أبلغنا الجيش الأميركي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في المنطقة، وذلك لأهميتها الاستراتيجية لنا لوجود البترول والغاز، ولم يبق إلا مهاجمة إيران، وعندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتهما فلن يكون إلا الحرب الكبرى، وعلى "إسرائيل" أن تقاتل بكل قوتها واحتلال دول عربية، وإن طبول الحرب تدق في المنطقة، ومن لا يسمعها فهو أصم".
لقد غاب عن أعداء إيران أهمية وأثر إغلاق مضيق هرمز، فبالرغم من إثارة موضوع إغلاق المضيق التي أثيرت قبل العدوان على إيران، إلا أنه لم يجر نقاش جدي للأمر. وطالما تناولنا موضوع مضيق هرمز، فقد أثار إعجابي سؤال أحد البرلمانيين الإيرانيين في استجوابه للحكومة: لماذا غفلت عن سيطرتها القانونية على المضيق؟ وبالمناسبة، فقد غدا مضيق هرمز معبرًا إيرانيًا للأبد وبموجب نصوص القانون الدولي النافذ، وهو ما تعمدت قنوات الأعراب تجاهله، إما متعمدة أو عن جهل، وقامت باستضافة "خبراء"، وبعضهم غير قانونيين، وسوقت الأمر على أنه مخالف للقانون الدولي، كما حصار أميركا البحري لأعالي البحار في المياه الدولية، والمخالف علنًا لكل القوانين والاتفاقيات الدولية.
وقد أثرتُ ذلك في عدة لقاءات تلفزيونية مع عدة قنوات، وباستعراض المادة 25 من القانون البحري الدولي، وحتى بعد هذا الاتفاق وتصديقه، فإنه حسب المادة 52:
"بطلان أي معاهدة أو اتفاق تم توقيعه تحت الإكراه".
هذا المبدأ ليس موجودًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فحسب، بل هو قاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي العام المنصوص عليها في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، وهذا من النظام العام، أي لا يجوز الاتفاق عليه في أي اتفاق أو معاهدة، وإن تم فيعتبر ساقطًا قانونيًا، فتصلح الاتفاقية ويسقط الشرط قانونيًا.
وهذا نص القانون البحري الدولي:
* المادة 25 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تنظم حقوق حماية الدولة الساحلية وتحدد الإجراءات السيادية التي يمكن للدولة اتخاذها في مياهها الإقليمية لحماية أمنها الداخلي ضد السفن الأجنبية، وهذا يحتاج إلى بحث مطول.
مادة 25/1: إجراءات المنع: يحق للدولة الساحلية اتخاذ الخطوات اللازمة في بحرها الإقليمي لمنع أي مرور "غير بريء".
مادة 25/2: حماية المياه الداخلية: في حالة السفن المتجهة إلى المياه الداخلية أو مرفق مينائي، يحق للدولة الساحلية اتخاذ التدابير الضرورية لمنع أي خرق للشروط التي تخضع لها هذه السفن لدخول تلك المياه.
مادة 25/3: الوقف المؤقت للمرور: يحق للدولة الساحلية أن توقف مؤقتًا وبشكل تمييزي المرور البريء للسفن الأجنبية في مناطق محددة من بحرها الإقليمي إذا كان هذا الوقف ضروريًا لحماية أمنها أو لإجراء مناورات بالأسلحة، ويصبح هذا الوقف ساري المفعول فقط بعد نشره وتعميمه على النحو الواجب.
وهذا يؤشر إلى أن عودة إيران الإسلامية إلى موقعها في المنطقة يعني تسييد إيران في المنطقة وتقزيم دور الكيان اللقيط، وتراجع نفوذ كازيات النفط والغاز، وأفول دور أعراب الصهينة ومحاولاتهم لاسترضاء الكيان والتذلل له ومخافته، كما بعض الدول المتضخمة. ولن تعود تلك الناطحات ساحة خلفية للموساد للعب في الساحة الخلفية لإيران التي تملك النفط والغاز والقوة الجيو-سكانية وقدرات علمية تكنولوجية إسلامية، وتفرض نفسها في المعادلات الدولية.
وما النصر إلا من عند الله.