نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
لم تتوانَ "إسرائيل" عن قصف سفينة التجسس الأميركية "ليبرتي"، في الثامن من حزيران/يونيو 1967، وذلك في خضم حرب الأيام الستة. وقد صدر في العام 2001 كتاب بعنوان "كتلة الأسرار"، للكاتب جيمس بامفورد، يكشف هذا اللغز الذي استمر حتى وقت صدور الكتاب، حيث أوضح الكاتب سبب استهداف السفينة، ما أدى إلى مقتل 34 جنديًا أميركيًا وإصابة 141 آخرين.
يقول الكاتب في كتابه، الذي أحدث ضجةً في حينه وأثار غضبًا في الأوساط الاستخبارية الغربية، إن هذه السفينة كانت الشاهد الوحيد على حجم جرائم الحرب التي ارتكبها "الجيش الإسرائيلي" في سيناء. ويذكر، على سبيل المثال، أن السفينة اقتربت من شواطئ العريش، حيث شاهد طاقمها، خلف المنارة، كيف كان "الجيش الإسرائيلي" يُعدم الأسرى المصريين بدم بارد.
كذلك، هناك ما عُرف بـ"فضيحة لافون" عام 1954، حين خططت "إسرائيل" لتنفيذ تفجيرات في مراكز حيوية في مصر، واستهداف دبلوماسيين بريطانيين، بهدف تأخير جلاء بريطانيا، وتقويض ثقة المجتمع الدولي بالنظام المصري الجديد بعد الثورة. بل إن "إسرائيل" تركت المنفذين اليهود يواجهون السجن والإعدام بعد اعتقالهم، في سبيل إنكار مسؤوليتها عن تلك الفضيحة.
فهذا الكيان لا يرعوي عن ارتكاب أي جريمة في سبيل تحقيق ما يعتبره أهدافًا مقدسة. فلا أخلاق سياسية تردعه، ولا شرف عسكري يقيده، ولا يعترف بالقانون الدولي أو بالمؤسسات الدولية. وبالتالي، فإن تقدير أن الكيان هو المسؤول عن قصف موقع التغويز في دمياط المصرية هو التقدير الأكثر وجاهة، إلا أن البحث يبقى قائمًا في الأسباب التي قد يتأخر الكشف عنها عقودًا، كما حدث مع لغز "ليبرتي".
ولكن حين ننظر إلى نتائج العدوان على إيران، الذي وصل إلى طريق مسدود، نجد أن استخدام القوة القصوى فشل في حرب الاثني عشر يومًا، ثم فشل استخدام المزيد من القوة القصوى في حرب الأربعين يومًا، ثم فشلت محاولات فتح مضيق هرمز، وفشلت حماية القواعد الأميركية، كما فشلت حماية حلفاء تلك القواعد. بل يتبدى الفشل بصورة أوضح مع كل محاولة أميركية لإفراغ مذكرة "الاستسلام الأميركي" من مضمونها.
كما أن الوقت لا يعمل لصالح أميركا أو "إسرائيل"، ولا سيما خلال المئة يوم المقبلة، مع اقتراب موعد الانتخابات، وهو ما يجعل حالة اللاحرب واللاسلم أشبه بثقب أسود سيبتلع أصوات ناخبي ترمب ونتنياهو. أما الدخول في حرب شاملة، فلا يستطيع أي مسؤول سياسي أو عسكري تقديم ضمانات لصاحب القرار بشأن نتائجها، أو أنها ستحقق الأهداف المعلنة أو الخفية. حتى إن ضربةً نووية ليست مأمونة العواقب، كما أنها ليست مضمونة النتائج.
لذا، فإن إقحام أطراف أخرى في هذا الصراع سيبدو السبيل الأفضل لمحاولة الوصول إلى نتائج مختلفة عن الفشل المزمن. ولكن ما هي هذه الأطراف القادرة على تغيير موازين القوى ميدانيًا؟ فدول الخليج ليس بمقدورها إحداث هذا التغيير، إذ إنها لا تمتلك جيوشًا قادرة على خوض حروب طويلة أو قصيرة، ولا سيما مع دولة بحجم إيران وقدراتها.
وهنا يثور التساؤل مجددًا حول تحذيرات نتنياهو مما سمّاه "الحلف السني"، الذي قال إنه في طور التشكيل، وهل كانت تلك التصريحات تمهيدًا لمحاولة توريط أطرافه في الحرب على إيران؟ وهذه الأطراف هي التي تمتلك جيوشًا قادرة على خوض الحروب، وهي مصر وتركيا وباكستان، بالإضافة إلى السعودية، التي يقتصر دورها في هذا الحلف، بعيدًا عن التمويل، على إضفاء الطابع المذهبي على الحرب.
واستهداف مصر ثم اتهام إيران ليس أمرًا مستحيلًا، ولا سيما إذا تكرر. فالسعودية، ومن دون سابق إنذار أو أي دليل، اتهمت العراق باستهداف منشآتها النفطية، وشاركت في العدوان عليه تحت غطاء أميركي، رغم أن أنصار الله في اليمن أعلنوا مسؤوليتهم عن استهداف تلك المنشآت، في إطار المعادلة اليمنية الجديدة: القصف بالقصف، والحصار بالحصار.
وقد لاحظنا تضامنًا شعبيًا مصريًا مع إيران أثناء العدوان عليها، بينما، بعد استهداف موقع التغويز في دمياط، بدأ البعض يشير بأصابع الاتهام إلى إيران، رغم استبعاد العقل الجمعي المصري لهذا الاحتمال. لكن التركيز على هذا الاتهام، ثم تكرار الفعل، قد يضع الأمر في دائرة الشك، قبل أن يتحول إلى يقين لدى شريحة من الرأي العام، وهو ما قد يجعل دخول مصر في الحرب مستساغًا على المستوى الشعبي، بل ومشروعًا.
إن تورط السعودية في مواجهة العراق لا يدع مجالًا كبيرًا لاستبعاد فكرة توريط أطراف أخرى، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار النفوذ السعودي المدعوم بقبضة أميركية. لذا، فإن أقصر الطرق لتفادي هذا السيناريو الفادح بآثاره على المنطقة بأسرها، والذي يسعى إليه كل من ترامب ونتنياهو، هو كشف الحقيقة، لا ادعاؤها أو تزييفها، فالكيان خبير في استخدام استراتيجية العلم الزائف، وهو المستفيد الأكبر من هذا الاستهداف، اقتصاديًا وسياسيًا.