اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عراقجي بحث مع عاصم منير وهاكان فيدان هاتفيًا المستجدات الإقليمية

خاص العهد

سردية
خاص العهد

سردية "لا يدفعون".. الكهرباء أداة لمعاقبة الضاحية والجنوب والبقاع

75

تتكرر منذ سنوات عبارة تكاد تُقدّم بوصفها حقيقة محسومة: الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع لا يدفعون فواتير الكهرباء. وبفعل التكرار، تحولت هذه المقولة إلى سردية جاهزة تُستدعى كلما أُريد تفسير العجز المالي في ملف الكهرباء أو ارتفاع الهدر على الشبكة أو التفاوت في ساعات التغذية بين المناطق، أو لتنميط خروج بيئة معيّنة عن الدولة حتى في شبكة الكهرباء.

لكن هذه السردية لم تُرفق حتى الآن بجدول علني يبيّن مقدار الطاقة التي تحصل عليها كل منطقة، وما يفوتر منها، وما تجبيه المؤسسة فعليًا. ومع غياب هذه الأرقام، يتحول الاتهام من توصيف مالي قابل للتحقق إلى حكم سياسي وجغرافي يطال مئات آلاف المواطنين دفعة واحدة.

وقد أعلنت "كهرباء لبنان" أخيرًا أنها ستخفض ساعات التغذية في المناطق التي ترتفع فيها نسب الهدر غير الفني وتنخفض فيها الجباية. إلا أنها لم تنشر بالتوازي خريطة مفصلة للهدر والجباية، ولا الأرقام التي اعتمدتها لتحديد المناطق التي ستعاقب بخفض التغذية. بذلك يصبح القرار قابلًا للاستخدام الانتقائي، فيما تبقى المناطق المتهمة معروفة مسبقًا في الخطاب السياسي والإعلامي: الضاحية والجنوب والبقاع.

ثلاثة أرقام تحسم النقاش

الخبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق غسان بيضون يصف اتهام مناطق بعينها بأنه "كلام اعتباطي وعشوائي وغير مستند إلى معلومات دقيقة أو إحصاءات"، ويضع أمام "كهرباء لبنان" اختبارًا واضحًا لإثبات روايتها.

على المؤسسة أن تنشر شهريًا ثلاثة أرقام لكل منطقة: كمية الطاقة التي وضعتها على الشبكة، وكمية الطاقة التي أصدرت فواتير بها، وقيمة الفواتير التي جبتها فعليًا. عندها فقط يمكن تحديد أين يقع الخلل.

فالفرق بين الطاقة الموضوعة على الشبكة والطاقة المفوترة يكشف حجم الهدر، سواء أكان تقنيًا بسبب تقادم الشبكة أم غير تقني بسبب الاستمداد غير الشرعي. أما الفرق بين الفواتير الصادرة والمبالغ المحصلة فيكشف مستوى الجباية. ومن دون الفصل بين المؤشرين، يصبح من السهل وصف منطقة بأنها "لا تدفع"، بينما قد تكون المشكلة أن قسمًا من الطاقة المستهلكة فيها لم يمر عبر العدادات ولم يُفوتر أصلًا.

ويشدد بيضون على أن هناك فرقًا بين مواطن تصدر له فاتورة ولا يسددها، وبين طاقة تستهلك من دون أن تصدر بها أي فاتورة. وبحسب معلوماته، تُجبى الفواتير التي تصدر في مختلف المناطق بنسب مرتفعة، فيما تكمن المشكلة الأساسية في الطاقة التي لا تدخل في الفوترة نتيجة التعديات على الشبكة.

هذا التمييز جوهري، لأن خلط الفوترة بالجباية ينقل المسؤولية من المخالف الفعلي إلى مجتمع كامل. وبدل تحديد الأشخاص والمؤسسات التي تستمد الكهرباء بصورة غير شرعية، يصبح جميع سكان المنطقة متهمين بعدم الدفع، بمن فيهم المشتركون الذين يملكون عدادات ويسددون فواتيرهم.

السرقة ليست هوية جغرافية

يرفض بيضون حصر التعديات بالضاحية والجنوب والبقاع أو ربطها بطائفة وبيئة سياسية محددتين. فالتعديات موجودة في مناطق لبنانية مختلفة، كما أنها ليست محصورة بالمواطنين الفقراء.

ويشير إلى سوابق كُشف فيها عن مصانع ومنتجعات ومحطات خاصة تستمد الكهرباء بطريقة غير شرعية، وقد يوازي استهلاك معمل واحد استهلاك قرية كاملة. كما يمكن أن يستفيد بعض أصحاب المولدات من خطوط قريبة، فيأخذون الطاقة من الشبكة العامة ثم يبيعونها إلى المواطنين على أنها طاقة منتجة من مولداتهم.

لذلك لا تكفي حملات إزالة التعديات الصغيرة أو الصور التي تظهر أسلاكًا معلقة في الأحياء الفقيرة. المطلوب كشف كبار المستهلكين أيضًا، ومقارنة الطاقة التي تصل إلى المصانع والمنتجعات والمؤسسات الخاصة بما يسجل على عداداتها ويدخل في فواتيرها.

أما تخفيض ساعات التغذية عن منطقة كاملة بسبب ارتفاع الهدر فيها، فيحوّل العجز عن ضبط الشبكة إلى عقوبة جماعية. فما ذنب المواطن الذي يسدد فاتورته إذا كان شخص آخر يعتدي على الخط؟ وبأي حق يُحرم من الكهرباء بدل أن تلاحق المؤسسة المخالف وتزيل التعدي عنه؟

ويزداد الظلم حين يُطلب من المواطن دفع رسم ثابت مرتفع رغم حصوله على ساعات قليلة من التغذية. فبيضون يرى أن رسم العداد يجب أن يتناسب مع مستوى الخدمة، وأن المشترك الذي يحصل على ست ساعات كهرباء من أصل 24 ساعة لا يجوز أن يدفع كما لو أنه يحصل على تغذية كاملة.

سردية سياسية تحت غطاء تقني

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور حسن مقلد يضع هذه السردية في سياق سياسي أوسع، معتبرًا أن "النسق العام للدولة اللبنانية والمتحكمين ببعض الوزارات والإدارات اليوم هو نسق انتقامي من كل فكرة لها علاقة بالمقاومة أو ببيئتها، أو بأي فكرة لها علاقة بتأمين صمود الناس".

ويرفض مقلد الادعاء بأن الجنوب والضاحية هما الأقل التزامًا بتسديد رسوم الكهرباء والمياه والهاتف. ويقول إن المسوح التي كانت تجري داخل الوزارات والمؤسسات العامة أظهرت نتائج معاكسة، إلا أن الدعاية ترسخت بفعل تكرارها سنوات من دون رد منظم يستند إلى الأرقام.

وفي قراءته، لا تستخدم هذه السردية لتفسير الخلل المالي فقط، بل لتهيئة الرأي العام لتقبل تقليل الخدمات عن مناطق بعينها، وتصوير حرمانها من الكهرباء بوصفه نتيجة تستحقها بسبب عدم الدفع، لا قرارًا تتخذه المؤسسة وتتحمل مسؤوليته.

ويذهب مقلد أبعد من ذلك، إذ يرى أن بعض المتحكمين بالوزارات والإدارات يتصرفون، كـ"عملاء إسرائيل وعملاء أميركا"، وأن ثمة مسارًا يهدف إلى ضرب البيئة التي احتضنت المقاومة ومحاصرة قدرتها على الصمود والبقاء في أرضها.

قد تختلف القراءات في تفسير الدافع السياسي، لكن ما لا يحتمل الخلاف هو أن الاتهام لا يصبح حقيقة لمجرد تكراره. ومن يدعي أن منطقة كاملة لا تدفع، عليه أن ينشر أرقام الطاقة والفوترة والجباية فيها، وأن يضعها إلى جانب أرقام جميع المناطق وفق معيار واحد. وإذا نُشرت هذه الأرقام، يمكن محاسبة المقصرين والمخالفين. أما من دونها، فتبقى مقولة "هذه المناطق لا تدفع" سردية سياسية ترتدي لغة تقنية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة