خاص العهد
لم تعد فاتورة المولد الكهربائي في لبنان مجرد ورقة تصل في نهاية الشهر لتحديد قيمة الاستهلاك، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الفواتير إثارة للقلق والجدل في حياة اللبنانيين. فبينما تحدد وزارة الطاقة والمياه تعرفة رسمية للكيلوواط، يجد مشتركون أنفسهم أمام فواتير بأرقام خيالية، لتبرز مشكلة إضافية فوق مشكلة ارتفاع كلفة الكهرباء نفسها: من يراقب الفارق بين السعر الرسمي والسعر الذي يدفعه المواطن على أرض الواقع؟
في هذا السياق، دخلت بلدية الغبيري، كما غيرها من البلديات، على خط تنظيم ملف المولدات، إذ نشرت بيانًا أشارت فيه إلى أن التسعيرة الخاصة بالمولدات الكهربائية عن شهر آب بلغت 53.7 سنتًا للكيلوواط الواحد، وفق البيان الصادر عن وزارة الطاقة والمياه.
ودعت البلدية أصحاب المولدات في الغبيري إلى "الالتزام الكامل بالتسعيرة الرسمية الصادرة عن الوزارة"، محذرةً من أي مخالفة، ومؤكدةً أنها لن تتهاون في هذا الملف، وستتقدم بالشكاوى القانونية اللازمة بحق المخالفين إلى الجهات المختصة.
كما دعت البلدية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخالفة أو تجاوز عبر رسالة نصية حصرًا على تطبيق "واتساب"، عبر رقم الشكاوى الذي حددته في بيانها، لاتخاذ الإجراءات المناسبة بالسرعة المطلوبة.
ويضع هذا البيان مسألة الرقابة على فاتورة المولد في الواجهة: فإذا كانت هناك تسعيرة رسمية محددة، فكيف يمكن تفسير الفوارق التي يلمسها المشتركون في فواتيرهم؟ وهل تكفي التسعيرة المعلنة وحدها لضبط السوق، أم أن المشكلة تكمن أيضًا في آليات احتساب الاستهلاك والرسوم وكلفة التشغيل؟
المواطن: المشكلة ليست فقط في ارتفاع السعر
بالنسبة إلى المشتركين، لا تتوقف الأزمة عند ارتفاع التعرفة، بل تتصل أيضًا بطريقة احتساب الفاتورة ومدى الالتزام بالسعر الرسمي.
يقول أحد المشتركين: "نحن نعرف أن سعر المازوت يرتفع وأن تشغيل المولد له كلفة، لكن عندما تعلن الدولة تسعيرة معينة، نريد أن نعرف لماذا ندفع أكثر منها".
ويضيف: "المشكلة أن المواطن لا يستطيع الاستغناء عن المولد. إذا لم يدفع، لا يحصل على الكهرباء. لذلك نحتاج إلى رقابة فعلية، لأن المشترك في النهاية هو الطرف الأضعف".
ويقول مشترك آخر: "المطلوب أن تكون الفاتورة واضحة؛ كم استهلكت؟ كم سعر الكيلوواط؟ وما الرسوم؟ عندما تكون هذه الأمور واضحة، يمكن للمواطن أن يعرف إذا كان المبلغ صحيحًا أم لا".
مشتركة أخرى تشير إلى أن ارتفاع الفاتورة بات ينعكس مباشرة على ميزانية المنزل: "كل شهر نحاول أن نخفف الاستهلاك، لكن في الصيف الأمر أصعب. المكيف والمروحة والبراد أمور أساسية، وفي النهاية ندفع مهما كانت قيمة الفاتورة".
بين التسعيرة الرسمية والفاتورة.. أين يذهب الفارق؟
المشكلة التي يطرحها المواطنون لا تعني بالضرورة أن كل أصحاب المولدات يخالفون التسعيرة الرسمية، إلا أن وجود شكاوى وتفاوت في قيمة الفواتير بين المناطق يطرح الحاجة إلى رقابة أكثر فاعلية وآلية موحدة وواضحة للاحتساب.
فالفرق بين السعر الذي تعلنه الوزارة والسعر الذي يشعر المشترك أنه يدفعه فعليًا لا يمكن أن يبقى مجرد انطباع لدى المواطنين. المطلوب كشف واضح يتيح للمشترك التأكد من قيمة الاستهلاك والتعرفة والرسوم، بما يقطع الطريق أمام أي التباس أو تجاوز.
ويقول أحد المواطنين: "إذا كانت التسعيرة الرسمية 53.7 سنتًا، فأنا أريد أن أعرف على أي أساس وصلت فاتورتي إلى الرقم الذي دفعته. لا أريد الدخول في مشكلة مع صاحب المولد، أريد فقط تطبيق السعر الرسمي".
ويضيف آخر: "هناك فرق بين أن ترتفع الفاتورة لأن استهلاكك ارتفع، وبين أن ترتفع لأن سعر الكيلوواط أعلى من التسعيرة. العداد والفاتورة المفصلة هما الحل".
وتقول مشتركة: "نحن المواطنون لا نملك القدرة على معرفة كل تفاصيل التسعير. نحتاج إلى جهة تراقب وتشرح وتستقبل الشكاوى عندما يكون هناك تجاوز".
صاحب المولد: "التسعيرة لا تعكس دائمًا كل الكلفة"
في المقابل، يرفض أصحاب المولدات اختزال ارتفاع الفواتير باعتباره نتيجة رفع الأسعار من جانبهم، مؤكدين أن تشغيل المولدات يرتبط بكلفة متغيرة، في مقدمها سعر المازوت، إضافة إلى الزيوت وقطع الغيار والصيانة والأعطال وكلفة الشبكات والتشغيل.
يقول أحد أصحاب المولدات: "نحن أيضًا نشتري المازوت بسعر مرتفع، ولدينا كلفة صيانة مستمرة. المولد يعمل لساعات طويلة، وكل قطعة فيه لها عمر افتراضي وتحتاج إلى تبديل".
ويضيف: "عندما تصدر الوزارة التسعيرة نلتزم بها، لكن يجب أن يفهم الناس أن هناك كلفة حقيقية خلف كل كيلوواط. المشكلة ليست أن صاحب المولد يضع رقمًا من عنده فقط".
ويشير صاحب مولد آخر، يلتزم بالتسعيرة الرسمية، إلى أن الاختلاف في ظروف التشغيل قد يفسر جزءًا من الفوارق بين المناطق، قائلًا: "هناك مناطق مكتظة وأخرى متباعدة، وهناك شبكات أكبر وأخرى أصغر، وكلفة التشغيل ليست نفسها في كل مكان. لكن في النهاية هناك تسعيرة رسمية، ومن المفترض الالتزام بها".
ويؤكد أن أصحاب المولدات لا يرفضون الرقابة: "إذا كانت هناك شكوى، فلتكن هناك جهة مختصة تنظر فيها. نحن لا نريد ظلم المواطن، وفي الوقت نفسه لا نريد أن يُنظر إلى أصحاب المولدات كأنهم السبب الوحيد في ارتفاع الفاتورة".
فاتورة الدولة.. ثم فاتورة المولد
المفارقة الأساسية في هذا الملف أن المواطن لا يدفع فاتورة واحدة. فهناك فاتورة بدل الكهرباء الرسمية، ثم اشتراك المولد الخاص، فيما يتحمل المواطن بصورة غير مباشرة ارتفاع كلفة الطاقة في أسعار النقل والسلع والخدمات.
يقول رب أسرة: "ندفع للدولة وندفع للمولد. هذه هي المشكلة. لو كانت الكهرباء الرسمية مستقرة، لما احتجنا إلى كل هذا الإنفاق".
وتقول مشتركة أخرى: "المولد أصبح مثل الإيجار، بندًا ثابتًا في ميزانية البيت. لا يمكن أن تقول إنك ستتوقف عن دفعه هذا الشهر لأنك لا تستطيع تحمل الكلفة".
ويضيف مشترك ثالث: "راتبك لا يرتفع عندما ترتفع الكهرباء. لذلك عندما تزيد الفاتورة، عليك أن تخفف من شيء آخر. وفي ظل الغلاء، لم يعد هناك شيء سهل يمكن الاستغناء عنه".
عندما تصل فاتورة المولد إلى المحال والمؤسسات
ولا تقتصر القضية على المنازل. فالمولدات تؤمن الكهرباء أيضًا للمحال التجارية والمطاعم والورش والمؤسسات والمصانع، ما يجعل كلفة الكهرباء جزءًا من كلفة الإنتاج والتشغيل.
يقول صاحب متجر: "البرادات والإنارة والأجهزة كلها تحتاج إلى كهرباء. لا يمكننا إيقاف العمل عندما تنقطع كهرباء الدولة. لذلك المولد بالنسبة إلينا ضرورة، لكن كلفته تدخل مباشرة في مصاريف المحل".
ويقول صاحب مطعم: "عندما ترتفع كلفة الكهرباء، ترتفع كلفة التشغيل. نحاول عدم رفع الأسعار، لكن في النهاية هناك كلفة يجب تغطيتها".
وهكذا لا تبقى فاتورة المولد محصورة بالمشترك الذي يدفعها مباشرة، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى أسعار السلع والخدمات، لتضيف عبئًا جديدًا على القدرة الشرائية.
بلدية الغبيري تضع الرقابة في الواجهة
بيان بلدية الغبيري يعكس جانبًا أساسيًا من المشكلة، إذ لم يقتصر على إعلان قيمة التسعيرة، بل تضمن دعوة مباشرة إلى الالتزام بها وتحذيرًا من المخالفات، مع فتح باب الشكاوى أمام المواطنين.
وهذا يعني أن معركة ضبط فاتورة المولد لا تتعلق فقط بإعلان السعر، بل بقدرة الجهات المعنية على مراقبة تطبيقه فعليًا.
فالتسعيرة الرسمية، مهما كانت واضحة، تفقد جزءًا من فعاليتها إذا لم تكن هناك آلية رقابة تسمح بالتأكد من التزام أصحاب المولدات بها، وإذا لم يمتلك المواطن وسيلة سهلة للاعتراض عند وجود مخالفة.
ويقول أحد المشتركين: "المهم أن تكون الشكوى فعالة. عندما يعرف صاحب المولد أن هناك رقابة حقيقية، يلتزم المواطن ويدفع ما عليه، وتنتهي المشكلة".
ويضيف آخر: "البلدية عندما تفتح باب الشكاوى تقوم بخطوة جيدة، لكن المطلوب أن يشعر المواطن أن الشكوى ستؤدي إلى نتيجة فعلية".
الطاقة الشمسية.. مخرج للمقتدر
وفي ظل هذه المعادلة، تتجه بعض الأسر إلى الطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على المولدات، لكن هذا الخيار لا يزال مرتبطًا بالقدرة المالية على شراء وتركيب النظام والبطاريات.
ويقول أحد المواطنين: "الطاقة الشمسية أصبحت خيارًا جيدًا، لكن ليس كل شخص يستطيع دفع كلفتها. من يملك المال يخفف فاتورته، ومن لا يملك يبقى رهينة المولد".
وهكذا، لا يزال المولد بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين الخيار الوحيد المتاح، ما يجعل الرقابة على تسعيرته ووضوح الفواتير مسألة أساسية وليست تفصيلًا إداريًا.
في المحصلة، لا تختصر أزمة الكهرباء الخاصة في لبنان برقم 53.7 سنتًا للكيلوواط في آب، ولا بأي تعرفة شهرية تعلنها وزارة الطاقة. فبينما يمثل الرقم الرسمي جانبًا من المعادلة، يبقى التحدي في معرفة مدى انعكاسه على الفاتورة الفعلية التي تصل إلى المشترك.
بين مواطن يقول: "أريد أن أدفع وفق السعر الرسمي"، وصاحب مولد يقول: "لدينا كلفة تشغيل حقيقية"، تقف الحاجة إلى رقابة شفافة تفصل بين الأمرين، وتحدد بوضوح ما هو مسموح وما هو مخالف.
لكن خلف كل هذه التفاصيل يبقى السؤال الأكبر حاضرًا: لماذا لا يزال اللبناني مضطرًا إلى دفع فاتورة الاشتراك بمولد خاص أصلًا؟
فالمولدات التي دخلت إلى حياة اللبنانيين كحل مؤقت لأزمة التقنين أصبحت بعد سنوات طويلة جزءًا من النظام الكهربائي نفسه. وكلما بقيت التغذية الرسمية غير كافية، بقيت الحاجة إلى المولد، وبقي المواطن معرضًا لفاتورة تتغير تبعًا لسعر المازوت وحجم الاستهلاك وكلفة التشغيل.
وفي النهاية، لا يريد المواطن فاتورة أقل فحسب؛ يريد كهرباء مستقرة تغنيه عن المولد من أساسه. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى معركة الفاتورة قائمة بين تسعيرة رسمية معلنة، وكلفة تشغيل يبرر بها أصحاب المولدات أسعارهم، ومشترك يحاول أن يعرف أين يبدأ السعر القانوني وأين ينتهي ما يدفعه فعليًا.