نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
صفّق حزب القوات اللبنانية ابتهاجًا لوصول الرئيس جوزف عون إلى سدّة الرئاسة، وغازل الناطقون باسمها العهد الجديد على اعتبار أنّه "فرصة تاريخية أخيرة للبنان"، على حدّ قول سمير جعجع في لقاء تلفزيوني بعد انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان. إلا أنّه سرعان ما تبدّد دخان الابتهاج وانكشف أنّ ما بدا تحالفًا عميقًا بين الجهتين لم يكن إلّا صلة مؤقتة مبنية على بعض التقاطعات المتمحورة حول الموقف من المقاومة ومن الثنائي الوطني، والتي فرضتها مصلحة مشتركة وآنية فقط.
إذًا، مراسم الفرح القواتيّ بجوزيف عون رئيسًا لم تلبث أن فقدت بريقها الاحتفالي بعد فترة قصيرة جدًا من وصول عون إلى بعبدا، ومدّتها كانت أقصر حتى من مدة بثّ الحلقة التي أبدى فيها جعجع كامل تأييده للعهد، ولكن بشروط: ففي الحلقة نفسها، مرّر جعجع الكثير من الرسائل التي تتضمّن شروط هذا التأييد، ومنها الإسراع في نزع سلاح المقاومة بأيّ ثمن، وغيرها ممّا بدا أنّها عناوين وضعتها القوات لتقييم أداء رئاسة الجمهورية، ورسائل مبطّنة تقول للرئيس: أنا أراقبك، ودعمي يتوقف على أدائك في الملفات التي أراها مستعجلة!
بعد ذلك، وفي إطار المشاورات المتعلقة بالحكومة ووزرائها، قاتلت "القوات" من أجل الحصول على حقائب "سيادية" وأصرّت على تسمية وزير خارجية "قوّاتيّ". تمّ تشكيل الحكومة وكان للقوات ما أرادت، يوسف رجّي، القواتيّ العتيق، وزيرًا لخارجية لبنان، وهو ما اعتبرته معراب فوزًا يضعها في سدّة القرار الخارجيّ. إلّا أن رياح بعبدا لم تجرِ بما اشتهت سفن جعجع، إذ أظهرت الأحداث تباعًا أن منصب وزير الخارجية تحوّل إلى "كرسي" بلا صلاحيات ملموسة وبلا حضور حقيقي: لم يحصل رجّي على مكان له في أيّ وفد رافق رئيس الجمهورية إلى أيّ دولة زارها رسميًا: لم يُدعَ إلى مرافقة الرئيس إلى واشنطن في تموز/ يوليو ٢٠٢٦، الزيارة التي وصفها عون بالتاريخية، ولا حتى إلى أثينا وروما (آب/ أغسطس ٢٠٢٦) وأبو ظبي (نيسان/ أبريل ٢٠٢٥) وباريس والرياض (آذار/ مارس ٢٠٢٥)، وكذلك لم يرد اسمه في تعداد المشاركين في الوفد اللبناني التفاوضيّ والذي اجتمع مع وفد العدو "الإسرائيلي" في واشنطن في ١٤ و٢٣ نيسان/ أبريل ٢٠٢٦، وكذلك لم يُدعَ إلى حفل توقيع ما سُمّي بـ"اتفاق الإطار" في ٢٦ حزيران/ يونيو. بكلام آخر، لم يسجّل لوزارة الخارجية أيّ دور، حتى شكليّ، في جميع الزيارات والأعمال واللقاءات المتعلّقة بعلاقات لبنان الخارجية، ولم يسجّل لها أي حضور بروتوكولي على الأقلّ في أي شأن يتعلّق بالسياسة الخارجية، ما يُعتبر مؤشرًا شديد اللهجة على جفاء حاد بين بعبدا ومعراب، ولا سيّما بعد مشهدية "بخّ السمّ"، والتي تحدّث عنها الرئيس أمام وفد من مجلس نقابة محرّري الصحافة زاره في قصر بعبدا في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥، وقال إنّ مسؤولين أميركيين أبلغوه عن قيام بعض الشخصيات اللبنانية التي تزور واشنطن بالتحريض على عهده، ما دفع بسمير جعجع إلى التعليق على الأمر بالقول إنّ زيارات القواتيين إلى واشنطن تتركّز حول شرح الواقع اللبناني والمطالبة ببسط سلطة الجيش والشرعية وحصر السلاح بيد الدولة، ولا تهدف إلى أي تحريض شخصيّ. وهنا، تصرّف جعجع بطريقة تؤكد أنّ "بخّاخي السمّ" هم شخصيات قواتية، إذ "نعرته مسلّة" كلام عون، علمًا أنّ الأخير لم يسمِّ الشخصيات أو الجهة التي تقوم ببخّ السمّ.
بعد ذلك، ورغم تصاعد المؤشرات التي تبلغ عن الجفاء العميق، آثرت معراب العضّ على جرح الإقصاء والتجاهل المشهود حفاظًا على صورة "الحليف" للعهد الذي يُنتظر منه نزع سلاح المقاومة وإنهاء حالة العداء مع "إسرائيل"، أي بالضبط ما تطمح إليه القوات اللبنانية وتعمل لأجله منذ سنين. وللسبب نفسه، كتمت في نفسها حسرة هدر ماء وجه وزير الخارجية، حين لم يمانع رئيس الجمهورية منح الإقامة لسفير الجمهورية الإسلامية في إيران، السيد محمد رضا شيباني، بقرار إداري وقانوني صادر عن المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء حسن شقير، على الرغم من محاولات رجّي المستميتة لإبعاده ومنع مكوثه في لبنان، والتي بلغت حدّ الطلب إليه مغادرة الأراضي اللبنانية واعتباره "شخصًا غير مرغوب فيه" في لبنان، ويعني ذلك أن بعبدا لم تقف ولو شكليًا على خاطر رجّي وقراره، أي أنّها استبعدت وزير معراب لا فقط عن الحصول على دور ولو صوري في الشأن اللبنانيّ الخارجي، بل وأيضًا من المقدرة على التأثير في القرارات ذات الطابع الدبلوماسي.
الصورة شديدة الوضوح رغم صمت أشخاصها وامتناعهم عن التراشق الكلاميّ المباشر، وإن كان جعجع في بداية العهد قد وضع نفسه في موقع المراقب والمحاسب والذي يضع شروطًا لاستمرار دعم رئاسة الجمهورية ويحسب نفسه في موضع من يسمح ويمنع ويأمر، فاليوم وقد جرى تحجيمه من قبل بعبدا، نراه يعمل وفق "خليها بالقلب تجرح" كي لا تُفتضح عناوين الخلاف الذي قد يكشف الحجم الواقعيّ للقوّات رغم أوهامها بالكثرة والمقدرة والدور والتأثير، ويظهّر حجم التباين مع "العهد" رغم التلاقي على الأهداف الكبرى المتمثلة بنزع سلاح المقاومة والاستسلام غير المشروط للعدوّ "الإسرائيلي" وتحقيق أهدافه، ويفضح حجم الخيبة التي مُنيَت بها معراب بعد أن اكتشفت أنّها ليست لاعبًا أساسيًا في تشكيلة الفريق الأميركي في لبنان، تمامًا كما مُنيت قبل سنين قصيرة بالاستبعاد من الفريق السعوديّ، رغم خيانتها لسعد الحريري، وبخّ السمّ ضدّه في الرياض! تكمن النّكتة في كون معراب لا تملّ من تكرار السيناريو نفسه، رغم فشله المتكرّر. ولهذا، نراها اليوم تبتلع جرحها الآتي من نصال بعبدا، وتدّعي أنّ الوصلَ بين الحليفين ما انقطع، رغم معالم الجفاء الظاهرة في كلّ تفصيل، والذي عاجلًا أم آجلًا، سينفجر.