نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
منذ عامين تمامًا، ارتكبت "إسرائيل" جريمة حرب غير مسبوقة: فخّخ الصهاينة أجهزة مدنية تُستخدم في مختلف القطاعات الصحية والمهنية، وقاموا بتفجيرها بالتزامن، ضمن موجتين، الأولى في ١٧ أيلول وطالت حاملي أجهزة البايجر، والثانية في ١٨ أيلول وطالت أجهزة الاتصال اللاسلكي توكي ووكي، ما أدّى إلى استشهاد ٣٧ شخصًا بينهم نساء وأطفال، وجرح أكثر من ثلاثة آلاف بإصابات متفاوتة الخطورة طالت الأعين والأيدي بشكل مروّع. غصّت المستشفيات في لبنان بالعدد الهائل للإصابات، وعملت الطواقم الطبية على مدار الساعة ولأيام متتالية على إنقاذ الجرحى. ويروي الناس مشاهد مختلفة وكثيرة عن المجزرة التي تبيّن أنّها عملية استخبارية محضّرة منذ وقت طويل، منذ ما قبل ٧ أكتوبر، وأنّ ساعة الصفر لها اختارها الصهاينة بعناية، كضربة تسبق محاولة الاجتياح البري، ما جعلها بحسب القانون الدولي وبعكس أيّ ادعاء أميركي - "إسرائيلي" عملية تحمل كل عناصر جريمة الحرب بالاعتماد على انتهاكها لمبدأ التمييز بين المقاتل والمدني، واستخدامها لـ"جهاز مدني مفخخ" وليس سلاحًا موجّهًا بدقة ضدّ هدف عسكري محدّد، ولكونها هجومًا عشوائيًا لا يحيّد المدنيين والأطفال.
عبرت مشاهد مجزرة البايجر منصات الإعلام والتواصل حول العالم وخلّفت ذهولًا لم يكن من السهل على الإعلام الصهيوني في كلّ الدول الالتفاف عليه أو محاولة تخفيف بشاعته. رغم ذلك، حافظ في حينها وحتى اليوم هذا الإعلام ولا سيّما في لبنان وفي البلاد التي تتمترس فيها المؤسسات والشخصيات الإعلامية التي تعمل بأمر أميركي مباشر، على تصوير المجزرة كعمل استخباري "إسرائيلي" ناجح، وعلى تبنّي وجهة النظر التي عبّر عنها قولًا وفعلًا نتنياهو حين اعتبر "العملية" دليل تفوّق عسكري، وذهب إلى حدّ إهداء شريكه في دمنا دونالد ترامب مجسّم "بايجر" ذهبيًّا، بعد تكريم الفريق الذي جهّز لها ونفّذها في مقرّ الموساد في أيلول ٢٠٢٥.
إذًا حرص إعلام الأمركة على إدانة المصابين والتهليل لما سمّاه التفوّق الصهيوني بدلًا من تبنّي موقف أخلاقي وإنساني ضدّ عمل لا يمكن للمرء القبول به والحفاظ على إنسانيته في وقت واحد.
على سبيل المثال، في كلّ مرّة تناولت فيها صحيفة نداء الوطن في لبنان موضوع مجزرة البايجر، اعتبرتها "خرقًا استخباريًا تاريخيًا كشف عن ثغرات أمنية جسيمة لدى حزب الله"، وليس عملًا أمنيًا إرهابيًا استهدف مدنيين وعاملين في القطاع الصحي وحتى أطفالًا. وأكثر من ذلك، توقّفت الجريدة في كلّ مرّة استهدفت فيها "إسرائيل" أحد جرحى البايجر في الجنوب لتعتبر أنّ المستهدف يحمل دليل "إدانته" في عينيه أو كفّيه، ولتمنح الصهاينة ذريعة استهدافه جاهزة على طبق خبر مسموم، وكأن جريح البايجر هدف "مشروع" للعدو!
أما جريدة النهار، فحاولت الحفاظ على زاوية إنسانية فتحدّثت في بضع سطور عن الشهداء والجرحى المدنيين، لتدسّ بينها موقفًا يخدم السردية المعادية، فاعتبرت أنّ أجهزة البايجر واللاسلكي تدخل في منظومة سلاح الاتصالات في حزب الله، لتخلص إلى اعتباره عبئًا على لبنان، بدلًا من الحديث "الموضوعي" عن جريمة حرب مدانة، وعن ارتكاب إرهابي تجاوز كلّ الخطوط الحمر، ومهّد لاحتمالية تفخيخ أيّ نوع من أجهزة الاتصال المدنية في العالم.
من جهتها، تجاوزت قناة المرّ MTV كل القواعد الأخلاقية لتحوّل المجزرة إلى مادة سخرية من فكرة "السرية" والتقدّم التكنولوجي في حزب الله وتهلّل لمقدرة "إسرائيل" على اختراقه عبر أجهزة بايجر مفخّخة. لم تلحظ القناة الدم الذي سال في المتاجر والمنازل والطرقات، ولا الأعين التي فُقدت حتّى تعذّر زرع القرنيات في لبنان لأشهر طويلة بسبب ارتفاع الحاجة عن أعداد القرنيات المتوفّرة والممكن زرعها. لا ولم تلحظ وجود الجرحى في المستشفيات على امتداد لبنان، ولهفة جميع اللبنانيين من مختلف الطوائف والأحزاب والتيارات السياسية لنجدة إخوانهم وأخواتهم، في مشهد حطّم حلم الفتنة التي تهذي بها وتسعى لها MTV منذ سنوات.
قناة "العربية" السعودية لم تتأخر بدورها عن تبنّي الرواية التي تخدم "إسرائيل" حول مجزرة البايجر، فاعتبرتها "عملية نوعية" تثبت تفوّق الصهاينة، ولم تستح من التعبير عن الشماتة بالمقاومة مع التركيز على إصابة السفير الإيراني في لبنان السيد مجتبى أماني، لتعتبر أنّها كانت "ضربة موجعة لحزب الله وإيران".
في الإعلام العالمي، بدا المشهد مختلفًا إذ كان أكثر حرصًا على الحفاظ على المستوى الإنساني والأخلاقي في مقاربة حدث مهول: CNN الأميركية ركّزت على جانب "هوليوودي" في تقرير بثّته حول تفخيخ الأجهزة وكيفية تفعيلها بالرسالة المشفّرة، لكنّها لم تخفِ حقيقة أن "العملية" تثير تساؤلات قانونية، وتدين مرتكبها على المستوى القانوني والحقوقي. وذلك أقلّه على سبيل احترام عقول الناس وإنسانيتهم، لا سيّما أنّ المشاهد التي رافقت انتشار الخبر في العالم خلّفت ألمًا وسخطًا على "إسرائيل" وعلى نتنياهو بشكل خاص. أما BBC البريطانية، فقد أعدّت بعد عام على المجزرة فيلمًا وثائقيًا بعنوان "كيف غيّر هجوم البيجرز حياة ضحاياه إلى الأبد؟" وأجرت مقابلات مع جرحى فقدوا أعينهم وأصابعهم ونقلت عن خبراء أمميين أن الهجوم "انتهاك مرعب للقانون الدولي ويتطلب تحقيقًا سريعًا ومستقلًا" لأنه استخدم أجهزة مدنية كأفخاخ متفجرة.
يحمل إعلام الأمركة اليوم وبعد مرور سنتين على المجزرة وصمة لا يمكن التغاضي عنها: وصمة ارتكاب يعادل القتل إذ هلّل لجريمة حرب واعتبرها دليل تفوّق للعدوّ ومنطلقًا للتصويب على المقاومة وأهلها. ولا عجب، فإن بلغ هذا الإعلام قبل المجزرة درك التماهي المنعدم الحياء مع كلّ سرديات العدو، فبعدها، لم يعد بوسعه حتى ادّعاء البعد الإنساني في مهنة متى ما فقد العامل فيها أخلاقه، صار مجرّد أداة رخيصة في يد من يشغّله.