نقاط على الحروف
من تلة علي الطاهر، حاول العدو الصهيوني صناعة صورة "إنجاز" تتجاوز بكثير حقيقة ما جرى في الواقع. فبعد نحو ثلاثة أشهر من القصف المتواصل ومحاولات التسلل والتقدم واستخدام مختلف أنواع القوة النارية، وجد العدو في مشهد التفجير فرصة لإطلاق واحدة من أوسع حملاته الدعائية، في محاولة لتقديم ما عجز عن تحقيقه ميدانيًا على أنه إنجاز استثنائي.
لكن خلف الضجيج الإعلامي، تبرز أسئلة عسكرية أساسية حول حقيقة ما جرى في مرتفعات علي الطاهر، وحدود ما حققته قوات الاحتلال، والأهم: كيف صمد المقاومون في وجه هذا الحجم غير المسبوق من القصف ومحاولات الاقتحام؟ فالصور والدعاية التي أراد الاحتلال من خلالها إعلان "نصر"، تكشف، وفق قراءة العميد المتقاعد والخبير العسكري علي أبي رعد لموقع العهد الإخباري، عن حجم العجز عن تثبيت السيطرة على الأرض، وعن محاولة تظهير عملية تفجير وقصف على أنها "سيطرة عملياتية".
90 يومًا من النار... وعجز عن الاقتراب
الأهم في قراءة أبي رعد هو ما سبق عملية التفجير، لا مشهد التفجير نفسه، إذ بقيت مرتفعات علي الطاهر تحت قصف عنيف ومتواصل لنحو تسعين يومًا، استخدم خلاله الاحتلال الغارات الجوية والقصف المدفعي والأسلحة الثقيلة ووسائل استطلاع وآليات مسيرة عن بعد وروبوتات عسكرية، في محاولة لفتح الطريق نحو المنطقة.
ويشير إلى أن طبيعة المرتفعات والغطاء الحرجي الكثيف المحيط بها جعلا الوصول إليها مهمة صعبة. ويرى أبي رعد أن استمرار القصف المكثف طوال هذه الفترة يكشف بحد ذاته أن الوصول إلى الموقع لم يكن سهلًا، وأن الاحتلال لم يتمكن من تثبيت وجوده في المرتفعات كما حاولت دعايته الإيحاء.
ويضيف أن الحديث عن "السيطرة العملياتية" لا يعني احتلال المنطقة أو فرض وجود عسكري دائم فيها، موضحًا أن الاحتلال لو تمكن من السيطرة الكاملة على الموقع لكان قدّم مشاهد موثقة لدخول قواته وانتشارها داخله، كما فعل في ساحات أخرى.
أما ما قدّمه، وفق أبي رعد، فبقي محدودًا مقارنة بحجم الادعاءات التي رافقت العملية، إذ لم تظهر صور توثق السيطرة الميدانية الكاملة، ولم تُعرض الأدلة التي توازي الرواية "الضخمة" التي أطلقها العدو حول الموقع.
تفجير 1100 طن... الحقيقة خلف الضجيج
ويتوقف أبي رعد عند الحديث عن تفجير نحو 1100 طن من المواد المتفجرة، معتبرًا أن الرقم استُخدم أيضًا في سياق التضخيم الإعلامي.
ويقدم أبي رعد قراءة عسكرية لطبيعة التفجير، معتبرًا أن الصور التي نشرها الاحتلال لا تقدم دليلًا قاطعًا على أن الانفجار وقع في عمق التلة، بل إن شكل الانفجار وحركة الدخان والركام يدفعانه إلى ترجيح أن القسم الأساسي من المتفجرات كان على سطح المرتفعات أو قريبًا منه.
ويؤكد أن الهدف من العملية كان، في جانب منه، إيجاد مخرج سياسي وإعلامي بعد الفشل في اقتحام المرتفعات والسيطرة عليها.
"كل شبر من الجنوب حصن للمقاومة"
"هذه الأرض ليست مجرد نقاط تمركز، بل حصون متجذرة في وجدان المقاومة"، يقول أبي رعد، مشددًا على أن كل منطقة من مناطق الجنوب تحمل سجلًا طويلًا من المواجهة مع الاحتلال.
ويؤكد أن الانتقال من خط إلى آخر لن يضع قوات الاحتلال خارج دائرة الاستهداف، لأن المعادلة بالنسبة إلى المقاومة لا ترتبط بتسميات يبتكرها العدو، بل بحقيقة واحدة: كل أرض لبنانية محتلة هي ميدان للتحرير، وكل جندي "إسرائيلي" موجود فوق الأراضي اللبنانية المحتلة يبقى في دائرة الاستهداف.
الصمود تحت النار... السؤال الأهم
ويرى أبي رعد أن النقطة التي تستحق التوقف عندها ليست فقط ما دمره الاحتلال، بل ما واجهه المقاومون خلال هذه الفترة.
فإذا افترضنا وجود عشرات المقاومين داخل المنشآت والتحصينات، فإن السؤال الحقيقي هو "كيف تمكن هؤلاء من الصمود أمام هذا الحجم من الغارات والقصف والانفجارات؟".
ويقول إن الحديث عن هؤلاء المقاومين يجب أن ينطلق من حجم ما واجهوه، من كيفية استمرارهم في مواقعهم، وتأمين احتياجاتهم، والنوم والراحة والطعام، في ظل القصف المتواصل ومحاولات الاقتحام.
ويعتبر أن التفاصيل الكاملة لهذه التجربة ستبقى جزءًا من التاريخ العسكري للمقاومة إلى أن تكشف وقائعها الكاملة، لكن ما يمكن تأكيده، بحسب أبي رعد، هو أن صمودهم جسد روح الفداء والثبات ورفض الانهيار أمام القوة النارية الهائلة.
17 محاولة... والهدف لم يتحقق
ويشير أبي رعد إلى سلسلة المحاولات التي يقول إن الاحتلال نفذها للوصول إلى المرتفعات، مستخدمًا أساليب متعددة، من الروبوتات والآليات المسيرة عن بعد إلى محاولات التسلل والتقدم بواسطة المدرعات والقوات الخاصة.
وبحسب قراءته، فإن هذه المحاولات واجهت تصديًا متواصلًا، وهذا ما أقرّ به العدو نفسه، ما يفسر انتقال الاحتلال إلى الاعتماد بصورة أكبر على القوة النارية والقصف والتدمير من مسافة بعيدة.
ويؤكد أن الاحتلال كان يطمح، من خلال حصاره الناري والدعاية التي رافقته، إلى دفع المقاومين نحو أحد خيارين: الاستسلام أو الخروج من الموقع، كي يحصل على مشهد دعائي يقدمه للرأي العام. لكن هذا المشهد، كما يؤكد أبي رعد، لم يتحقق.
فلم تظهر صور لمقاومين "يستسلمون" أو "يرفعون الرايات البيضاء"، بل على العكس بيّنت المشاهد التي وزعها إعلام العدو أن المقاومين واجهوا ببسالة. كما لم يقدم الاحتلال أدلة ميدانية توازي ادعاءاته بشأن العثور على منشآت ضخمة أو مقاتلين أو مستشارين إيرانيين.
ويشدد أبي رعد على أن هذا الفشل هو أحد الأسباب التي دفعت الاحتلال إلى الانتقال نحو عملية التفجير، في محاولة لإنتاج صورة بديلة عن النصر الذي لم يتمكن من تحقيقه بالاقتحام.
وبينما حاول الاحتلال تحويل التلة إلى رمز لـ"نصره"، تكشف قراءة ما سبق التفجير أن علي الطاهر كانت في الواقع رمزًا لصعوبة الميدان أمامه، ولإصرار المقاومين على الصمود ومنع قواته من تحقيق هدفها بالطريقة التي أرادتها.