خاص العهد
لا تبدأ قصة الإفراج عن المحتجزين من مشهد عبورهم بوابة الناقورة، ولا من بيانات الشكر التي احتفت بـ"إنجاز" المسار الدبلوماسي، بل من حقيقة قانونية حاولت السلطة القفز فوقها. المفرج عنهم ليسوا أسرى حرب انتزعت المفاوضات حريتهم من العدو، بل مدنيون احتجزهم، قبل أن يقرّ بنفسه بعدم وجود سبب لمواصلة احتجازهم. لذلك، لم يكن إطلاقهم منّة "إسرائيلية" ولا تنازلًا تفاوضيًا، بل تنفيذًا لواجب تفرضه القوانين الدولية على قوة الاحتلال.
من هنا تسقط رواية الإنجاز المدعى. فحين يقدّم لبنان مساعدة في ملف الرفات مقابل حرية مدنيين لا يحق للعدو إبقاؤهم محتجزين، يصبح المقابل تنازلًا مجانيًا، وتتحول الصفقة إلى مكافأة للمحتل على فعل الخطف. أما تسويق وقف اعتقالهم بوصفه انتصارًا للدبلوماسية، فلا يحجب فضيحة سياسية وقانونية عنوانها تفريط السلطة بحقوق اللبنانيين، وتحويل حريتهم إلى مادة للمقايضة، ثم الاحتفال بإنجازات وهمية لم تنتزع من العدو حقًا جديدًا.
"إنجاز" بمقايضة حق!
رسميًا، شكر رئيس الجمهورية جوزاف عون الولايات المتحدة والجهات الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر على الجهود التي أدت إلى تحرير "الدفعة الأولى"، معتبرًا أن العملية تؤكد جدوى الموقف اللبناني وضرورة استكمال خطوات إطار العمل الثلاثي. كما قالت واشنطن إن الإفراج جاء نتيجة وساطة قادتها بين الحكومتين اللبنانية و"الإسرائيلية".
لكن ما قدمته السلطة على أنه ثمرة لمسارها التفاوضي يخفي حقيقة أكثر فداحة. فالإفراج لم يكن غير مشروط، إذ ربط مكتب رئيس حكومة الاحتلال العملية بتقديم لبنان مساعدة في البحث عن رفات لبنانيين يهود فُقدوا خلال الحرب الأهلية. وبذلك، لم تنتزع المفاوضات من العدو تنفيذ واجبه القانوني، بل سمحت له بأن يفرض ثمنًا مقابل الإفراج عن مدنيين اختطفهم أصلًا.
وفي الوقت الذي احتفت فيه السلطة بإنجازها المدعى، كان العدو يكشف ميدانيًا هشاشة هذا الإنجاز. ففي اليوم الذي عاد فيه الأسير اللبناني مالك كمال غازي عبر بوابة الناقورة، كانت قوة معادية تتوغل داخل بلدة حلتا في قضاء حاصبيا وتحاصر عددًا من منازلها، قبل أن تقتاد قاسم عبد العال وحاتم عبد العال وزعل غسان عبد العال إلى داخل الأراضي المحتلة. وأُفرج لاحقًا عن حاتم، فيما بقي قاسم وزعل مجهولي المصير.
وفي اليوم التالي، أفرج الاحتلال عن أربعة محتجزين آخرين، هم اللبنانيان علي شور وحسين عياش، والسوريان أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي، ليرتفع عدد المفرج عنهم خلال يومين إلى خمسة أشخاص، ثلاثة لبنانيين وسوريان. وبذلك، فتح الاحتلال باب معتقلاته لخمسة أشخاص، لكنه أدخل عبره ثلاثة آخرين في توقيت متزامن، قبل أن يبقي اثنين منهم قيد الاحتجاز.
هذا التزامن لا يمثل تفصيلًا ميدانيًا عابرًا، بل ينسف ادعاء "حسن النية" الذي رافق عملية الإفراج. فالعدو الذي أراد الحصول على مكسب سياسي مقابل إطلاق مدنيين، واصل في اللحظة نفسها التوغل والخطف، مؤكدًا أنه لا يتعامل مع الملف بوصفه قضية إنسانية، بل باعتباره مخزونًا متجددًا من أوراق الضغط.
أما الثغرة الأكثر دلالة، فهي أن أسماء اللبنانيين الثلاثة المفرج عنهم لم تكن واردة في اللائحة المحدثة التي تضم 36 محتجزًا ومفقودًا. وهذا يطرح سؤالًا حول مدى امتلاك الدولة اللبنانية لائحة كاملة وموثقة، وحول الجهة التي اختارت أسماء الدفعة المفرج عنها، وما إذا كان لبنان قد فاوض على أسماء محددة، أم اكتفى بتسلّم أسماء قرر الاحتلال التخلي عنها بعدما لم يعد بحاجة إليهم.
طالب: الدولة غائبة عن العائلات والملف
في هذا السياق، يقول رئيس الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين أحمد طالب لـ"العهد": "للأسف، منذ انتهت الحرب وتوقفت العمليات العسكرية وتبين وجود عدد من الأسرى، لم تستشر الدولة اللبنانية الأهالي أو الجمعيات حتى هذه اللحظة، ولم تتواصل مع العائلات للاطمئنان عليهم، كما لم تحاول السؤال عن أوضاع الأسرى وظروف اعتقالهم، أو معرفة أي تفاصيل وحيثيات عمّا جرى معهم".
ويضيف طالب: "بل إن الدولة، حتى هذه اللحظة، غائبة تمامًا عن هذا الملف، فلم تشكّل لجانًا رسمية لرفع شكاوى إلى لجان حقوق الإنسان والأمم المتحدة، ولا أرسلت خطابات إلى البعثات الدبلوماسية في لبنان لإطلاعها على الانتهاكات "الإسرائيلية" وجريمة الاختفاء القسري التي تطال العديد من أسرانا المدنيين".
ويؤكد أن "الدولة لم تتفاوض، ولم تتحدث، ولم تبدِ أي موقف بشأن ملف إطلاق سراح الأسرى. وأنا أستبعد أن تكون الدولة اللبنانية قد علمت بأسماء الأسرى إلا في لحظة الإفراج عنهم، لعدم وجود أي تواصل أو معلومات حول هذا الموضوع".
وحول الأسرى المفرج عنهم، يقول طالب: "بحسب ما تبين كان بعضهم يُعدّ في حكم المفقودين دون أن يبلغ أحد عن أسرهم، إذ كان يُعتقد أنهم قُتلوا في مكان ما، أو اختفوا لأسباب شخصية، أو أُسروا لدى الجانب "الإسرائيلي"".
ويضيف: "ونحن نعلم، استنادًا إلى التجارب السابقة، أن الجانب "الإسرائيلي"، ما لم يُفاوَض على الأسماء رسميًا وبشكل موثق واستنادًا إلى ميزان قوة، فإنه لا يفرج عن أحد هكذا، بل يطلق فقط من لم يعد بحاجة إليهم، محاولًا استغلال هذا الملف الإنساني سياسيًا، سواء للتدخل السياسي أو لدفع الدولة نحو الاستسلام عبر ما يُسمى بمفاوضات الإطار".
ماذا يقول القانون؟
ما وصفته السلطة إنجازًا تفاوضيًا ينهار أيضًا أمام التوصيف القانوني للمفرج عنهم. يوضح المتخصص في القانون الدولي الإنساني الدكتور حسين العزّي أن صفة المحتجزين تتحدد وفق وضعهم وسلوك الاحتلال تجاههم، ويضع التوصيفات القانونية الآتية:
- "معتقلون مدنيون (Civilian Internees): هو التوصيف الأصلي لمن يُحتجزون لأسباب أمنية استثنائية (المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة)".
- "مختفون قسرًا: يُسبغ عليهم هذا التوصيف فور إنكار الاحتلال احتجازهم أو الكشف عن مكانهم (المادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري)".
- "ليسوا أسرى حرب: لأن صفة الأسير تقتصر حصرًا على المقاتلين النظاميين أو المشبهين بهم وفقًا للمادة 4 من اتفاقية جنيف الثالثة".
وعن التوغل داخل الأراضي اللبنانية واعتقال المدنيين، يؤكد العزّي "عدم مشروعية التوغل والاعتقال دون تهمة"، فـ"التوغل يمثل انتهاكًا لسيادة الدولة، (المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة)، والاعتقال العشوائي دون تهمة يُعد احتجازًا تعسفيًا محظورًا، (المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والقاعدة 99 من القانون الدولي الإنساني العرفي)".
أما الادعاء "الإسرائيلي" بوجود ارتباط بجهة مقاومة، فلا يراه العزّي كافيًا لتبرير الاحتجاز، ويلفت إلى أن "الشروط تتطلب أن يكون الاعتقال لأسباب أمنية حتمية فردية، مع إبلاغ المحتجز بالأسباب فورًا وتوفير حق الطعن والمراجعة الدورية كل 6 أشهر بحسب المادتين 43 و78 من اتفاقية جنيف الرابعة".
ويضيف: أما فيما يتعلق بكفاية الادعاء فلا يكفي مطلقًا الادعاء العام بالارتباط بجهة مقاومة، بل يجب إثبات الخطر الفردي المباشر، هذا من جهة ومن جهة ثانية يتمتع المدني بقرينة أنه مدني حتى يثبت العكس، ويثبت العكس مشاركته بشكل فعّال في الأعمال العدائية، وهذا ما أنكره العدو بنفسه".
ويرى العزّي أن إقرار الاحتلال بمدنية المفرج عنهم يرتب مسؤولية عن فترة احتجازهم السابقة، ويبيّن أن ذلك "يعني الاعتراف أن الاحتجاز كان تعسفيًا وفاقدًا لأي أساس قانوني منذ لحظته الأولى لغياب الخطر الأمني الحتمي (المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة)".
ويوضح أنَّ "الإفراج ينهي استمرار الجريمة ولا يمحو المسؤولية الدولية والجنائية عن الأفعال السابقة، ويبقى حق الضحايا قائمًا في التعويض وجبر الضرر بحسب المادة 9/5 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول".
وعن ربط إطلاق المدنيين بملف الرفات والمعلومات، يقول: "إن ربط الإطلاق بتقديم معلومات أو خرائط يُصنف على أنه جريمة أخذ رهائن مكتملة الأركان وفقًا للمادة 34 من اتفاقية جنيف الرابعة، وتصنّف صراحةً كجريمة حرب في النزاعات الدولية (المادة 8/2/أ/8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية)".
كما يقرأ العزّي التزامن بين الإفراج والاعتقال كنوع من العقاب الجماعي والترهيب الممنهج للسكان المدنيين بحسب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.
ويشدد على أنّ الادعاء بحسن النية لا يستقيم مع ممارسة العدو "الإسرائيلي"، بل يؤكد استخدامه المدنيين كأدوات للضغط السياسي والميداني.
ويخلص إلى أن "القانون الدولي الإنساني يوجب الإفراج الفوري وغير المشروط عن المدنيين بمجرد زوال الأسباب الاستثنائية لاحتجازهم سندًا للمادة 132 من اتفاقية جنيف الرابعة، كما أن إخضاعهم للمقايضة مقابل أسرى أو رفات يُجردهم من حمايتهم المدنية ويحولهم إلى رهائن، وهو حظر مطلق بحسب القواعد القانونية للقانون الدولي الآمر".
الإفراج واجب لا منّة
تكشف الوقائع أن المفاوضات حوّلت الإفراج عن أسرى لبنانيين إلى منّة "إسرائيلية". فالاحتلال أطلق أشخاصًا اعترف بأنهم مدنيون ولا سبب لديه لمواصلة احتجازهم، وربط حقهم في الحرية بملفات ومطالب يريد الحصول عليها من لبنان. ولذلك، فإن ما سُوّق بوصفه نجاحًا دبلوماسيًا ليس سوى إنجاز مدعى ووهمي، دفع لبنان ثمنه من حقوقه، فيما احتفظ العدو بحق تحديد الأسماء والتوقيت وحجم كل دفعة.
كذلك، لا تزال لائحة المحتجزين والمفقودين غير مكتملة، ولا تزال عائلات لا تعرف مصير أبنائها، ويواصل الاحتلال تنفيذ عمليات التوغل والخطف والقتل والتدمير. كما أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها لم تتمكن منذ تشرين الأول 2023 من زيارة المحتجزين في أماكن الاحتجاز داخل السجون "الإسرائيلية"، بمن فيهم اللبنانيون.
وما دام الاحتلال يطلق أسيرًا ويعتقل آخر في اليوم نفسه، يبقى هو من يدير باب الاحتجاز، فيما يقتصر دور التفاوض على فتحه جزئيًا كلما قرر العدو استخدامه ورقة "حسن نوايا" لأغراض سياسية.