اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كاريكاتور العهد

نقاط على الحروف

جرحى 17 أيلول.. الأشدّ عزمًا في ملاحم المقاومة
نقاط على الحروف

جرحى 17 أيلول.. الأشدّ عزمًا في ملاحم المقاومة

99

صحافية لبنانية

بأوصالهم المُقطّعة، كانوا حيث يجب أن يكونوا. في الميدان، بأصابع مبتورة، وعيون مُطفأة، حملوا السلاح في ساحة أولي البأس، ولم يتوانوا عن حمله مجدّدًا في ملحمة العصف المأكول. 

17 أيلول 2024 كان يمكن لجرحى تلبية النداء أن يستقيلوا من الجهاد، أن ينصرفوا لآلامهم وأن يتخلّفوا عن نصرة رفاق السلاح. لكن المشهد كان استثنائيًا. بقدر المُصاب، كان التخطّي أعظم وأبلغ. 

تزخر المشاهد التي عرضها الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية في المعركتيْن بصور تُظهر جراح مُقاتلين سارعوا الى الجنوب للتصدّي وتسجيل أسمائهم في سجلّ المواجهة وإيلام العدو. 

يقول أحد المجاهدين الذي تضرّرت يداه جراء تفجيرات البيجر "لم آبه لحظة ليديّ المُضمّدتيْن، كان هدفي وهمّي وغايتي الالتحاق بالجبهة، أن أساهم بقدر إمكانياتي وطاقاتي وربّما أن أكسر آلامي وأمنعها من أن تغلبني، فالميدان ينادي وطريق الفداء داهم والتكليف أمسى واجبًا". 

عودة هؤلاء إلى الميدان لم تكن عودةً إلى مكانٍ يعرفونه فحسب، بل كانت عودةً إلى معنى لم تسمح لهم إصاباتهم بأن يتخلّوا عنه. كانت الأجساد تحمل آثار التفجير، فيما بقي في داخل أصحابها شيءٌ عصيّ على الانكسار، شيء يقول إن الإصابة، مهما بلغت، لا تختصر الإنسان ولا تحدّد قدرته على الوقوف إلى جانب ما يحبّ وحيث يريد.

في تلك الأيام، لم يكن الجريح يرى في ضماداته نهاية الطريق. كان ينظر إليها كأثرٍ ثقيل يحمله معه، ثم يمضي. يدٌ أثقلها الألم، عينٌ تغيّرت ملامحها، وأصابع لم تعد كما كانت، لكن خلف كل ذلك ظلّت إرادةٌ تتقدّم على الجسد، وتبحث عن موضعها بين الرفاق.

وهكذا، حين اشتدّت المواجهة، لم يكن الجنوب بالنسبة إليهم مكانًا بعيدًا عن غُرف العلاج، بل المكان الذي شعروا أن عليهم أن يكونوا فيه. عاد بعضهم بما استطاع من قوّته، وعاد آخرون بما بقي لديهم منها، كأن المقياس لم يعد ما فقده الجسد، بل ما يستطيع صاحبه أن يمنحه رغم البتر.

ولعلّ أكثر ما يختصر تلك الحكاية أن أولئك الذين خرجوا من تفجيرات 17 أيلول حملوا جراحهم معهم. حملوا ثقلها، ومضوا بها إلى حيث يرون الحسين (ع) حاضرًا. لم تكن الجراح غائبة عن المشهد، بل كانت في كل خطوة، شاهدةً على أن الإنسان قد يخسر من جسده الكثير، من دون أن يخسر قدرته على التمسّك بما يؤمن به.

كانت المشاهد التي وثّقتها الكاميرات تقول شيئًا يتجاوز الصورة نفسها: هؤلاء ليسوا كما كانوا قبل الإصابة، لكنهم لم يسمحوا للمشقّة أن تغلبهم. ففي اللحظة التي كان يمكن فيها للألم أن يعزلهم عن العالم، اختاروا أن يبقوا جزءًا من مقاومة رأوا أنفسهم عمادًا لها، وأن يواجهوا أيامهم الجديدة بما يملكون من قوة.

وبين جُرحٍ وجُرح، تُروى حكاية إنسانية عن أشخاص وجدوا أنفسهم أمام مهمّة اختاروها بقلب وعقل في آن. في ذاكرة هؤلاء، لم يكن 17 أيلول خاتمةً ليومٍ دامٍ، بل بدايةً لامتحانٍ آخر: أن يتعلّم الإنسان كيف يعيش بعد أن يتغيّر كل شيء، وكيف يحفظ لنفسه مكانًا بين حماة الأرض، وكيف يحوّل ما بقي لديه من قدرة إلى حضورٍ ومعنى.

في علم النفس ودراساته، يتضح مفهوم "النمو التالي للصدمة"، أي قدرة بعض الأشخاص، بعد المرور بتجربة قاسية، على إعادة بناء علاقتهم بأنفسهم وبالحياة، واستعادة الإحساس بالقدرة والمعنى، وأحيانًا الخروج من المِحنة بإدراك أعمق لما يرونه جديرًا بالحفاظ عليه. ولا يعني ذلك أن الألم يصبح أقل قسوة، أو أن الجرح يُمحى، بل أن الإنسان قد يجد في مواجهته معنى يتجاوز حدود الإصابة نفسها. 

وهذا بالضبط ما يبدو عليه جمْع "جرت تلبية النداء". لم يكن انتصارهم في أن الألم لم يصبهم، بل في ألّا يسمحوا له بأن يختصر حكايتهم. لم يستعيدوا ما فقدوه من أجسادهم، لكنهم استعادوا لأنفسهم القدرة على الفعل والحضور، وحوّلوا ما كان يمكن أن يكون خاتمةً إلى فصلٍ آخر من حياتهم.

في اللحظات التي يُختبر فيها الإنسان بما يفوق احتماله، لا يُقاس ما بقي منه بما فقده وحده، بل بما يستطيع أن يصنعه بما بقي. وربما لهذا تبدو بعض صور الجرحى أبلغ من كل الكلمات: جسدٌ يحمل أثر الانفجار، وروحٌ تحاول أن تستعيد معناها، إنسانٌ تغيّر إلى الأبد، لكنه لم يسمح للتغيير أن يسلبه كل ما كان عليه: مواجهة العدو والغازي أوّلًا وأخيرًا بالروح التي تُقاتله.

الكلمات المفتاحية
مشاركة