اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الخطاب الأخير للسيد حسن نصر الله: أبعاد إستراتيجية ورسائل في الصبر واليقين

نقاط على الحروف

الخطاب الأخير: عن الجريمة التي
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الخطاب الأخير: عن الجريمة التي "لم تسقطنا ولن تسقطنا"

82

كاتبة من لبنان

بعد مجزرة البايجر في 17 أيلول/سبتمبر وأجهزة اللاسلكي في 18 منه، واجه أهل المقاومة في لبنان ظرفًا نفسيًّا وعاطفيًّا شديد الحساسية: الضربة قاسية ومؤلمة نعم، لكن الانهزام أمام الألم ليس في قائمة خياراتهم. 

معظم الجرحى لم يخرجوا بعد من غرف العمليات، ومن خرج منهم لم يزل في قسم العناية الفائقة وفي غرف الإنعاش.

عائلات تصطف في أروقة المستشفيات بانتظار خبر عن عزيزها، والهمس في كل الجهات: السيّد بخير؟ ولما ورد خبر عن كلمة للسيد في 19 أيلول/سبتمبر، أثلج وقعه القلوب المحترقة: 

"الحمد لله السيد بخير"، 
قالها الجرحى وهم يصارعون الألم.

قالتها الأمهات وهنّ بجانب أسرّة فلذات أكبادهنّ النازفة. قالها الآباء مدركين أنّ إطلالة السيّد في هذا الظرف العصيب، ستهوّن عليهم هول المصاب.

بهذه الروحية، بهذا العشق، انتظر أهل المقاومة اللقاء مع السيّد، اللقاء الذي سيوصف فيما بعد بالأخير.

الأعداء وأدواتهم أيضًا انتظروا خطاب السيّد بعد المجزرة. منهم من كان يتمنّى أن يطلّ منكسرًا محنيّ الظهر تحت ثقل مجزرة القرن التي أصابت أعين أولاده وكفوفهم.

منهم من تمنّى أن تجعله الضربة القاسية يتراجع ويسلّم. منهم من توقّع خطابًا يخفض سقف المواجهة، ومنهم من ارتجف قلبه مدركًا أنّ رجلًا كالسيّد حسن لا يتراجع ولا يسلّم ولا ينحني، عارفًا بأنّ ما ارتكبه الصهاينة لن يمرّ من دون ثمن.

عصر التاسع عشر من أيلول/سبتمبر، أطلّ السيد حسن. ملأ حضوره الشاشات على امتداد لبنان ولا سيّما في الضاحية، حيث لم تزل آثار الأجهزة التي انفجرت في أيدي حامليها تغمر الأمكنة بحزن ثقيل.

سلّم على أهله وأبنائه الذين انتظروا صوته كي تسكن قلوبهم، وخاطبهم صلبًا كعادته، وفي الوقت نفسه يفيض بحنوّ أبويّ أظهر أنّ كلّ الجراح التي أصابت أجساد أولاده، اجتمعت في قلبه ولم تكسره، لم تسلبه إرادة القتال كما أُريد لها أن تفعل. هيهات! توقّف بحبّ غامر عند المشهد الوطنيّ الباذل كلّ ما بوسعه في سبيل لملمة جراح المصابين في المجزرة، في كلّ لبنان: "شهدنا ‏في لبنان مجددًا ملحمة إنسانية وأخلاقية كبرى على المستوى الوطني والإنساني لم نشهدها منذ وقت طويل، ‏وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى ومن بركات هذه الدماء وهذه التضحيات". 

وبرزانة القائد الذي لا ينسيه الألم مسؤولياته، ولا تقصيه الضربات الأعنف عن أداء مهماته، وصف السيّد ما جرى: "جريمة إبادة جماعية وعدوان كبير على لبنان وشعبه"، وهو "ضربة كبيرة وقوية وغير مسبوقة" أمنيًا وعسكريًا، لكنه شدد على أنها "لم تسقطنا ولن تسقطنا". وهنا بيت القصيد والدرس الأنقى: هول الوجع لا يبرّر السقوط، والقوّة لا تعني المكابرة على الجرح أو إنكاره، بل تعني تمامًا المقدرة على تحمّله وفهمه كثمن متوقّع في سياق المعركة ضدّ الباطل.

لذلك، حين أوضح أنّ أحد أهداف "إسرائيل" من هذه الجريمة وفي هذا التوقيت هو الضغط على المقاومة، حسم الجدل مؤكدًا أن جبهة لبنان لن تتوقف قبل وقف الحرب على قطاع غزة، بغض النظر عن التضحيات والتهديدات. 

"الحرب سجال… يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء كانت بالنسبة إلينا أيامًا ثقيلة ودامية". بكلمات قصيرة وحادّة وصادقة، لم يُخفِ السيّد حجم الضربة التي تعرّضت لها المقاومة، وقبل أن تقرّ عين العدوّ لسماع ما يعتبره "اعترافًا" تلقّى الكلمات التي ألغت المفاعيل التي يتوقّعها من ضربة بهذا الحجم: جبهة لبنان لن تتوقّف! وأكثر من ذلك، لا عودة لمستوطني الشمال ولا أمان لهم حتى تتوقّف الحرب على غزّة. وبعد، "الحساب عسير"! خلال الكلمة، خرق العدوّ جدار الصوت فوق الضاحية، في حركة أراد منها تشتيت انتباه الناس عن جرعات العزيمة التي يتزوّدون بها من عزيمة السيّد.

كلّ الذين توقّعوا أنّ ضربة في هذا الحجم ستطيح بتوازن المقاومة، اصطدموا بصلابة القائد وهو يهدّد الصهاينة بالثأر ويرفع التحدّي مباشرة بالتأكيد على ثوابت المقاومة وجبهة لبنان. وكلّ الذين انتظروا طلّته في ذلك اليوم كي تسكن قلوبهم وجدوا في حضوره بلسمًا يلامس أعمق جراحهم، وتبيّنوا من كلماته مسار المعركة.

يومها، بعيون مقرّحة بمصاب عُرف بجريمة القرن، غفا أهل المقاومة مطمئنين إلى سلامة السيّد من جهة، وإلى مسار المعركة من جهة أخرى، حتى هزّت قلوبهم بعد أيام وتحديدًا في 27 أيلول، أطنان المتفجرّات التي اغتالته ليصبح خطابه في التاسع عشر من أيلول ذاكرة حيّة في وجدانهم، عنوانها: اللقاء الأخير.

الكلمات المفتاحية
مشاركة