اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات

الخطاب الأخير للسيد حسن نصر الله: أبعاد إستراتيجية ورسائل في الصبر واليقين
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الخطاب الأخير للسيد حسن نصر الله: أبعاد إستراتيجية ورسائل في الصبر واليقين

98

سارة رعد

يُعد الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله؛ الشهيد السيد حسن نصر الله، محطة مفصلية تحمل في طياتها أبعاداً إستراتيجية ونفسية عميقة، تتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة لتلامس بنيان الخطاب الفكري والعقائدي. 


حين نتأمل مضامين هذا الخطاب، لا سيما مقطعه الأخير الذي يمكن اعتماده بمنزلة "الوصية"، نجد أننا أمام قراءة متعمقة لواقع المواجهة، ترسم معالم المرحلة المقبلة وتضع النقاط على الحروف في مزيج فريد يجمع بين الواقعية السياسية واليقين العقائدي.

أتى هذا الخطاب في 19 أيلول 2024، بعد يومين من مجزرة البيجرات المفخخة التي ارتكبها العدو "الإسرائيلي" في لبنان، والتي خلّفت 42 شهيداً و أكثر من 3000 جريحاً، بينهم نساء وأطفال.

التضامن المجتمعي وضرورة التحصين الإيجابي
لذلك، فقد كان للسيد في خطابه وقفة لافتة عند مشهد التضامن الشعبي الواسع والتكافل الاجتماعي المتمثل في حملات التبرع بالدم ومشاهد التلاحم الميداني. 

لم يقتصر الأمر على تقديم الشكر والامتنان لهذا الجمهور الأبي، بل تجاوز ذلك إلى طلب حازم بعدم السماح لأي صوت تافه أو عابر بتبديد هذه الإيجابية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في أروقة السياسة والإعلام.

يؤكد هذا التوجيه على وعي عميق بأهمية الجبهة الداخلية وحمايتها من التصدع؛ فالمعركة لا تقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد لتكون معركة وعي واستقرار مجتمعي. 

إنّ الحفاظ على النقاء الروحي والمعنوي للتضامن الشعبي يشكل ركيزة أساسية من ركائز الصمود، وبارقة أمل لا غنى عنها في وجه محاولات التهويد المعنوي والنفسي.

اليقين في مواجهة الوهن: قراءة في سيكولوجية العدو
توقف الخطاب مطولاً عند طبيعة العدو "الإسرائيلي"، مشخّصاً مرضه الجوهري المتمثل في "الأنانية والنرجسية". وهنا يبرز الفارق الفلسفي والميداني بين العنف وبين القوة الحقيقية: فقد يمارس الطرف العنيف الضرب المبرح دون وجه حق أو نتيجة إستراتيجية واضحة، لكن الطرف القوي هو الذي يصيب الهدف بدقة ويصل إلى النتيجة المرجوة بأقل قدر من العشوائية.

لقد تعرض الكيان الصهيوني، في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، لصدمة عميقة تحت قيادة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، وهي صدمة تعجز الشخصية النرجسية عن استيعابها أو التعامل معها. وفي التاريخ البشري، غالباً ما تكون هيمنة النرجسية والغرور سبباً في انهيار الحضارات وهلاكها، بغض النظر عن بطشها الظاهري. 

وفي المقابل، غرس الخطاب في نفوس المجاهدين والعاملين في جبهة الإسناد مبدأ اليقين المطلق بالنصر، مُشَبهاً إياه بيقين الإنسان الذي يمتنع عن وضع يده في النار لعلمه اليقيني بأنها ستلسعه، وهو يقين مستمد من عدالة القضية والمشروع الإلهي. فالله تعالى حكماً سيسدّد وينصر من يساند شعب غزة المستضعف الذي يتعرض لإبادة يومية.

الأفق الزمني الطويل ومفهوم الصبر والاحتساب
من أبرز دلالات الخطاب مصارحة الجمهور بغياب سقف زمني قريب لنهاية المواجهة المفتوحة. إذ لم يُبنَ الخطاب على أوهام الانتصار الخاطف أو الوعود قصيرة الأمد، بل قيلت بوضوح؛ إن المعركة قد تمتد لسنوات. 

هذا الصدق والشفافية يعكسان نضجاً إستراتيجياً عالياً؛ فالمعركة الكبرى مع كيان مدعوم بغطاء دولي لا تُحسم بأيام معدودة.

وقد تُوج هذا الصبر بمفهوم أسمى وهو "الاحتساب". فالصبر قد يكون مقتضى الحال أو استجابة لظرف مادي ودنيوي، أما الاحتساب فهو درة تاج الصبر، حيث يُرفع الفعل الإنساني والتضحيات الجسام إلى المستوى الإلهي الخالص. إنها تجارة مع الخالق عز وجل، ورضاً مطلق بالقضاء، ويقين بأن العسر يتبعه اليسر، وأن ما يبدو تأخيراً في حكمة التدبير الإلهي هو عين الخير.

شهادة الشهداء وحضورهم المستمر
يحمل المقطع الختامي للخطاب بعداً روحياً بليغاً يتمثل في حضور الشهداء بوصفهم شهوداً حقيقيين على مسار المعركة. فهم لم يأتوا لمشاهدة الفصل الأخير فحسب، بل شاركوا بكل تفاصيل الطريق، و"يشهدون اليوم من عليائهم" على كل ما سلف وما سيأتي. 

هذا الربط العقائدي يمنح الأحياء دفقاً متواصلاً من العزم والثبات، ويجعل دماء الشهداء منارة ترشد الأجيال نحو حتمية النصر الإلهي.

لقد ترك السيد حسن نصر الله عبر مسيرته الطويلة، وفي خطابه الأخير تحديداً، إرثاً غنياً من التوجيهات والرؤى الإستراتيجية التي تتجاوز اللحظة الراهنة. والحفاظ على هذا الإرث العظيم يستوجب من جمهوره عهداً قاطعاً بالوفاء لوصية سيد شهداء الأمة من خلال الثبات والمضي قدماً على درب اليقين حتى تحقيق النصر المنشود.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة