إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الأحد (28 حزيران 2026)، بتحليل الأوضاع الإقليمية، لا سيما فيما يتعلق بهشاشة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، وبعضها عنون المسألة بانهيار وقف إطلاق النار، فيما احتلّ مضيق هرمز ومحاولة الولايات المتحدة الالتفاف على قبضة إيران عليه حيّزًا واسعًا من التحليلات.
لماذا لا يمكن الحفاظ على أمن مضيق هرمز من دون إيران؟
في البداية، كتبت صحيفة "إيران": "تُشير التطورات الأخيرة في مضيق هرمز، من تزايد الاشتباكات المحدودة إلى الخطط المتوازية لتنظيم حركة الملاحة البحرية بمشاركة سلطنة عُمان وبعض المؤسسات الدولية، إلى أن هذا الممر المائي الحيوي قد دخل مرحلة يُمكن وصفها بالانتقال من إدارة الأزمات إلى الصراع في قواعد النظام. في هذه المرحلة، لم يعد الأمر يقتصر على أمن مرور السفن فحسب، يتعداه إلى تحديد السلطة التنظيمية وتعريف شرعية القواعد ووضع نموذج حوكمة لأحد أكثر معضلات الطاقة حساسية في العالم. مع أن مضيق هرمز، من منظور القانون البحري الدولي، يخضع لنظام العبور، فإن هذا النظام، خلافًا للمفهوم المُبسط، ليس نظامًا تلقائيًا بمعزل عن سياسات القوة. ففعاليته تعتمد على نوع من التوازن العملي بين مبدأ حرية المرور والدور الأمني للدول الساحلية".
الصحيفة رأت أنه: "في غياب هذا التوازن، تعجز القواعد القانونية وحدها عن إرساء نظام مستدام، وتُفسح المجال أمام ترتيبات أمنية مؤقتة وتدخلات من قِبل القوى البحرية. في هذا السياق، تُصنَّف المبادرات الأخيرة لإنشاء طرق بديلة أو آليات مرور مُوجَّهة، حتى وإن كانت تهدف إلى الحد من المخاطر، نظريًا ضمن مستوى الأمر التنفيذي غير المُلزم وليس النظام القانوني المُعتمد. يُعدّ التمييز بين هذين المستويين ذا أهمية جوهرية: إذ يتشكّل النظام القانوني عند وجود توافق سياسي بين الفاعلين الرئيسيين، لا سيما الدول الساحلية، بينما تُستخدم الترتيبات التنفيذية فقط لإدارة الاحتكاكات مؤقتًا. في المقابل، يستند موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى مبدأ بنيوي يُمكن الدفاع عنه أيضًا في أدبيات الجغرافيا السياسية البحرية: مبدأ الإشراك الكامل للدول الساحلية في جميع مستويات التنظيم الأمني".
بناءً على ذلك، تتابع الصحيفة: "لا يُمكن لأي آلية موثوقة لإدارة حركة المرور في مضيق هرمز أن تكون مستدامة وذات مصداقية من دون مشاركة إيران الفعّالة، فهي أحد الأطراف الرئيسة في الجغرافيا الأمنية لهذا الممر المائي. هذا ليس ادعاءً سياسيًا، هو انعكاس لواقع جيوسياسي: فالأمن في هرمز بطبيعته مشترك ولكنه غير متكافئ. على المستوى العملياتي، تكمن المشكلة الرئيسة في هرمز في غياب الاتفاق على التفسير الأمني للبيانات والسلوك. تستطيع أنظمة تحديد الهوية والتتبع البحرية تسجيل تحركات السفن بدقة عالية، لكنها تعجز عن تحديد السلوك الذي يُعد تهديدًا، أو تحديد عتبة الاستجابة المشروعة، أو تحديد الإجراءات التي تندرج ضمن إطار الدفاع عن النفس".
بحسب صحيفة "إيران"، هذه الفجوة بين البيانات التقنية والتفسير السياسي هي النقطة التي يتحوّل عندها الأمن البحري إلى ساحة صراع دائم. يشير الوجود العسكري، والمتمثل بمهام المرافقة وحماية الشحن التجاري، إلى جانب الجهود المبذولة لتحديد مسارات المرور الآمنة، إلى توجه نحو نوع من تأمين حركة الملاحة البحرية. هذا النهج، مع أنه طُبِّق بهدف الحد من المخاطر، إلا أنه عمليًا، من خلال زيادة الكثافة العسكرية في بيئة حساسة بطبيعتها، يؤدي إلى تفاقم دوامة انعدام الثقة وإعادة إنتاج منطق الردع المتبادل. هذا الوضع مثال واضح على المعضلة الأمنية؛ وهي تُنظر فيها التدابير الدفاعية التي يتخذها أحد الأطراف، بسبب انعدام الثقة الهيكلية، من الطرف الآخر على أنها تهديد عدواني، ما يُعيد إنتاج دوامة الفعل ورد الفعل".
قالت الصحيفة: "في مثل هذه الظروف، حتى المبادرات التي تبدو ذات طبيعة تقنية، تصبح عمليًا أدوات لتكثيف التنافس الجيوسياسي. ينبغي تحليل الدور الوسيط لسلطنة عمان وبعض الترتيبات الإقليمية في سياق الحد من الاحتكاك التشغيلي بدلًا من إعادة تعريف النظام القانوني. مع أن هذه المبادرات قد تقلل من احتمالية وقوع اشتباكات غير مرغوب فيها على المدى القصير، إلا أنها تفتقر إلى القدرة المؤسسية اللازمة لتصبح نظامًا مستدامًا ما لم تُدمج في اتفاقية شاملة متعددة الأطراف بمشاركة حقيقية من الدول الساحلية، لا سيما إيران. من هذا المنطلق، يعكس تأكيد إيران ضرورة المشاركة في أي آلية أمنية مبدًا أساسيًا في إدارة الممرات الاستراتيجية: لا يمكن تصور أي نظام مستدام من دون تداخل بين جغرافية المسؤولية وجغرافية صنع القرار. أي محاولة لتصميم آليات موازية أو خارجية، في غياب هذا التداخل، ستؤدي إلى من عدم اليقين الهيكلي بدلًا من النظام. على المستوى الاستراتيجي، يجب التمييز أيضًا بين خفض التصعيد التكتيكي والاستقرار المستدام. يمكن تحقيق خفض حدة التوترات القطاعية لبروتوكولات الاتصال العسكري وآليات خفض التصعيد؛ لكن لا يمكن تحقيق الاستقرار الدائم إلا بالتوصل إلى اتفاق تفسيري بشأن قواعد المرور والحدود المشروعة لاستخدام القوة ودور الدول الساحلية في تنظيم الأمن الإقليمي".
خلصت الصحيفة إلى أنه: "ينبغي فهم مضيق هرمز؛ كونه قضية حوكمة للنظام الإقليمي، فأي بنية أمنية تتجاهل دور إيران، كونها أحد الركائز الأساسية لهذا النظام، ستواجه حتمًا قيودًا على التنفيذ وانعدامًا للشرعية السياسية وعدم استقرار مؤسسي. كما تُظهر التجارب المقارنة في ممرات استراتيجية أخرى في العالم أن الاستقرار لا يتحقق بإقصاء الفاعلين، بل بإشراكهم مؤسسيًا في قواعد اللعبة".
هرمز على مفترق طرق المنافسة العالمية
بدورها، كتبت صحيفة "وطن أمروز": "بعد حرب الأربعين يومًا التي شنّها التحالف الأمريكي الصهيوني ضد إيران، ودخول الجيش الأمريكي الإرهابي مباشرةً في هذه الأزمة، دخل المناخ الإقليمي مرحلةً جديدة. مع أنه لا يزال من المستحيل التكهن بمصير المفاوضات بين طهران وواشنطن، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه المحادثات ستؤدي في نهاية المطاف إلى اتفاق دائم أم أنها مجرد هدنة مؤقتة في تصعيد التوتر، فإن ما يلفت الانتباه بالدرجة الأولى هو التغيير في التحالف الجيوسياسي للجهات الفاعلة الغربية بعد انخفاض احتمالية المواجهة المباشرة مع إيران. يبدو أنه مع انخفاض مستوى التوتر في غرب آسيا، استعادت واشنطن وحلفاؤها مزيدًا من القوة والتركيز لمتابعة ملفاتهم الاستراتيجية الأخرى، ولا سيما الحرب في أوكرانيا. في الأشهر الأخيرة، كان أحد أهم مخاوف الولايات المتحدة وأوروبا هو احتمال امتداد الحرب إلى الخليج وتداعياتها على سوق الطاقة العالمية. إذ أي اضطراب خطير في صادرات النفط في المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير؛ وهي مسألة لا تؤثر في الاقتصادات الغربية فحسب، تؤثر أيضًا في خططها العسكرية والسياسية على جبهات أخرى".
وأشارت الصحيفة إلى أنه: "الآن، على الأقل في المدى القريب، تراجع هذا القلق إلى حد ما. أتاح هذا التغيير للغرب مزيدًا من الوقت للتركيز مجددًا على الحرب في أوكرانيا. تتجلى دلائل هذا التطور في تصاعد الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية الاستراتيجية الروسية، وتوسع عمليات الطائرات المسيرة في عمق الأراضي الأوكرانية، واستمرار الدعم الاستخباراتي والعسكري واللوجستي من دول حلف الناتو. بعبارة أخرى، سمح الانخفاض النسبي في الضغط على جبهة واحدة بزيادة الضغط على جبهة أخرى".
في غضون ذلك، تتابع الصحيفة: "دخلت العلاقات بين دونالد ترامب وحلف الناتو مرحلة مختلفة، عما كانت عليه في الحرب ضد إيران. خلال ولايته الأولى، انتقد رئيس الحكومة الأمريكية مرارًا أداء حلف الناتو، بل وشكك في مدى التزام واشنطن بالحلف. مع ذلك، يبدو أن الظروف الجديدة للنظام الدولي وتزايد التنافس بين القوى العظمى قد مهّدا الطريق لنوع من التقارب العملي بين الولايات المتحدة وحلف الناتو، لا سيما وأن ترامب تمكن من الضغط على أعضاء هذا الحلف بخطابه؛ وهو ما يتضح في حال مشاركة إيطاليا في الحرب ضد إيران".
وأردفت الصحيفة: "على الرغم من استمرار وجود اختلافات في كيفية تقاسم التكاليف أو حصة الدول الأوروبية، فقد تشكل نوع من الإجماع النسبي في مبدأ مواجهة روسيا واحتواء نفوذها. مع ذلك، ربما يكون الجانب الأهم في هذه المعادلة ليس روسيا، بل الصين. في الواقع، لا تمثل الحرب الأوكرانية سوى جزء من منافسة أوسع بين الولايات المتحدة والقوى التوسعية؛ منافسة تتمتع فيها بكين بموقع أكثر أهمية وحسمًا من موسكو. يعتقد العديد من المحللين أن واشنطن ستكرس الجزء الأكبر من قوتها الاستراتيجية في السنوات القادمة ليس لاحتواء موسكو، بل لإدارة المنافسة مع بكين".
من هذا المنظور، تضيف الصحيفة، لا يمكن تفسير التطورات في غرب آسيا فقط في سياق العلاقات الإيرانية الأمريكية أو أمن الطاقة. لا تزال المنطقة واحدة من أهم المراكز الجيوسياسية في العالم، حيث يمر عبرها جزء كبير من تجارة الطاقة وطرق النقل البحري الحيوية. في ظل هذه الظروف، قد يكون لأي تغيير في طريقة إدارة هذه الطرق تداعيات تتجاوز المعادلات الإقليمية.
وطبقًا للصحيفة، يُعد مضيق هرمز، وهو أحد أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم، ذا أهمية خاصة في هذا الصدد. للوهلة الأولى، قد يبدو أن مجرد فرض قيود مؤقتة في هذا المضيق كفيل بوضع ضغط اقتصادي كبير على الصين، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. في السنوات الأخيرة، سعت الصين إلى تنويع مصادر إمداداتها من الطاقة وزيادة احتياطياتها النفطية الاستراتيجية وتطوير طرق برية وبحرية بديلة. لذلك، لن يكون لإغلاق هرمز لمدة قصيرة وحده تأثير حاسم في الاقتصاد الصيني.
الصحيفة قالت إن: "المشكلة الرئيسية لا تكمن في الإغلاق الكامل لهرمز، بل في تشكيل آلية مستدامة لإدارة حركة التجارة البحرية في هذه المنطقة والتحكم بها وتوجيهها. إذا تمكنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها الإقليميين والدوليين، من تغيير الترتيبات الأمنية حول المضيق في المستقبل، فسيكون لديها أداة جديدة لممارسة ضغط جيوسياسي على الصين".
كما تُبيّن الصحيفة أن: "أهمية هذه القضية تتضح أكثر عند الأخذ بالحسبان أن جزءًا كبيرًا من واردات الصين من الطاقة لا يزال يأتي من الخليج. مع أن بكين وسّعت علاقاتها الاقتصادية مع روسيا وآسيا الوسطى ودول أخرى مُصدّرة للطاقة في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على النفط من دول الخليج العربي. لذا، فإن أي زيادة في قدرة الولايات المتحدة على مراقبة أو التحكم في طرق نقل الطاقة قد تُصبح أداة ضغط سياسية فعّالة ضد الصين في المستقبل. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الدور المتنامي لحلف الناتو. فقد وسّع هذا الحلف، والذي تشكّل أساسًا للدفاع عن أوروبا خلال الحرب الباردة، نطاق مهامه تدريجيًا ليتجاوز حدوده التقليدية في السنوات الأخيرة. يُشير الوجود الأكثر فاعلية في المنطقة والتعاون الوثيق مع الشركاء الآسيويين والاهتمام المتزايد بأمن الطرق البحرية والمشاركة في إدارة الأزمات العابرة للأقاليم، إلى أن الناتو يتكيف أيضًا مع متطلبات التنافس بين القوى العظمى".
كذلك لفتت الصحيفة إلى أن: "تعزيز حضور الناتو أو مشاركته في معادلات غرب آسيا ليس مجرد استجابة للأزمات الإقليمية، هو جزء من استراتيجية غربية أوسع للحفاظ على مكانتها العالمية. في عالم باتت فيه المنافسة الأمريكية الصينية محورًا رئيسيًا للسياسة الدولية، باتت أمن الطاقة وخطوط الملاحة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، وحتى الأزمات الإقليمية، عناصرَ أساسيةً لهذه المنافسة. وبالطبع، لا ينبغي التكهن بأن هذه الاستراتيجية ستخلو من التحديات".
كذلك قالت الصحيفة إن: "الولايات المتحدة تواجه قيودًا كبيرة في مواردها المالية وقدراتها العسكرية وتوافقها السياسي الداخلي. كما لا تزال أوروبا تعاني مشكلات اقتصادية ونزاعات داخلية ومخاوف أمنية عديدة. من جهة أخرى، وسّعت الصين وروسيا تعاونهما في المجالات الاقتصادية والطاقة والعسكرية في مواجهة الضغوط الغربية، وتسعىان إلى استغلال قدرات المنظمات والترتيبات الإقليمية للحد من تأثير العقوبات والضغوط الغربية. في المقابل، تمكّنت إيران، بوصفها قوة دولية مؤثرة، من فرض قواعدها رغمًا عن إرادة الغرب".
تتابع الصحيفة: "ما نواجهه اليوم ليس عودةً إلى عهد الهيمنة الأمريكية المطلقة، هو محاولةً لإدارة هيمنة هشة؛ هيمنة لم تعد تتمتع بالسلطة المطلقة كما كانت في تسعينيات القرن الماضي، لكنها لا تزال تسعى للحفاظ على موقعها ببناء التحالفات والسيطرة على المعوقات الاستراتيجية والتفوق التكنولوجي وإدارة الأزمات الإقليمية. لهذا السبب، ربما لا ينبغي تحليل التطورات الأخيرة فقط من منظور قضية إيران، أو الحرب في أوكرانيا، أو التنافس مع الصين. هذه المجالات الثلاثة مترابطة الآن أكثر من أي وقت مضى. إن تخفيف التوتر على جبهة ما يسمح بزيادة الضغط على جبهة أخرى. ويمكن أن تصبح السيطرة على طرق الطاقة أداةً للتنافس التكنولوجي والاقتصادي والأزمات الإقليمية جزءًا من المعادلات الكلية لتوازن القوى بين اللاعبين الرئيسيين".
ختمت الصحيفة: "إذا استمر هذا الاتجاه، فمن المرجح أن نشهد ترتيبًا أمنيًا جديدًا في الأشهر المقبلة، لن تكون فيه غرب آسيا مجرد منطقة للتنافسات المحلية أو صراعات الشرق الأوسط، بل ستصبح إحدى الحلقات الرئيسة للتنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. في ظل هذا الترتيب، سيحظى حلف الناتو حتمًا بحضور أكبر في بيئة الأمن في غرب آسيا مما كان عليه سابقًا، وسترتبط مهامه ارتباطًا أوثق بالاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، وبالطبع، سيشهد النظام الأمني الإيراني الجديد مزيدًا من الاضطرابات. لذا، فإن ما يبدو اليوم بمثابة خفض للتصعيد بين طهران وواشنطن قد يكون، على مستوى أعمق، جزءًا من إعادة ترتيب أولويات الغرب الجيوسياسية؛ إعادة ترتيب لا تهدف فقط إلى إدارة الأزمات الإقليمية، بل أيضًا إلى تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لمنافسة طويلة الأمد مع خصميه الرئيسيين، روسيا والصين على وجه الخصوص. إذا صحت هذه الفرضية، فلن تتضاءل الأهمية الاستراتيجية لغرب آسيا في الأشهر المقبلة، ولن تبتعد عن مركز التنافس بين القوى العظمى. بل ستصبح، أكثر من أي وقت مضى، إحدى الساحات الحاسمة للنظام العالمي الانتقالي".
حزب الله درع لبنان مقابل الابتلاع الصهيوني
صحيفة "رسالت" ركّزت على الملفّ اللبناني، فقالت إن: "فهم سبب فشل اتفاق واشنطن الإطاري رغم طموحات الموقعين عليه يتطلب فهم البنية الحقيقية للسلطة في لبنان. لطالما كان لبنان ساحةً لا تمثل فيها الحكومة الرسمية سوى طرفٍ واحدٍ في معادلة القوة؛ وليست بالضرورة الأقوى أو الأكثر شرعيةً في نظر شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع. حزب الله، بجذوره الراسخة لعقود في السياق الاجتماعي لجنوب لبنان، وضواحي بيروت والبقاع، وبخبرته في حملة مسلحة دفعت إسرائيل إلى التراجع في عامي 2000 و2006، ليس مؤسسة يمكن إقصاؤها من الساحة بتوقيع في واشنطن. تكمن نقطة الضعف الرئيسة في هذا الاتفاق تحديدًا فيما تراه إسرائيل قوة: شرط الانسحاب مقابل نزع السلاح. فشلت "إسرائيل" في تحقيق هذا الهدف خلال أشهر من القتال العنيف؛ وهي الآن تعتقد أن وثيقة دبلوماسية ستغير هذه المعادلة. لكن حزب الله أوضح جليًا أن سقف أي اتفاق هو انسحاب إسرائيلي كامل قائم على مذكرة التفاهم الإيرانية -الأمريكية والقرارات الدولية، لا أكثر من ذلك. هذا الصدام بين تفسيرين متناقضين للإطار كافٍ لإيقاف تنفيذ هذا الاتفاق منذ البداية. البعد اللبناني الداخلي لهذه القضية لا يقل أهمية عن البعد العسكري".
وفقًا للصحيفة، الحكومة التي تحتاج إلى خوض حرب مع حزب الله لتنفيذ اتفاقها تخوض فعليًا حربًا أهلية. وقد صرّح فضل الله بذلك بوضوح. الرئيس جوزيف عون، والمنحدر من المؤسسة العسكرية، يدرك أكثر من غيره طبيعة الجيش اللبناني في القدرات العسكرية والتقنية والتنظيمية وطبيعة علاقته بحزب الله. هذا الاتفاق، وإن بدا مثاليًا في ظاهره، لا مفر له من مواجهة طريق مسدود على أرض الواقع. من منظور قانوني وسياسي، يواجه هذا الاتفاق تحديات جسيمة. يشير الشيخ نعيم قاسم، محقًا، إلى القانون اللبناني الذي يُجرّم أي تفاعل قانوني أو سياسي مع الكيان الصهيوني. كما صرّح مفتي لبنان الجعفري، صراحةً بأن هذا الاتفاق لا شرعية له. إضافةً إلى ذلك، يرى حزب الله مذكرة التفاهم الإيرانية- الأمريكية، والتي تُشير صراحةً إلى لبنان في فقرتها الأولى، أداةً قانونيةً أكثر مصداقيةً، وُقّعت من موقع قوة وانتصار".
كذلك الصحيفة أشارت إلى أن: "التاريخ اللبناني أظهر أن وجود المقاومة، لا بوصفها حركة سياسية، إنما كونها واقعا استراتيجيا، كان عقبةً حاسمةً أمام أهداف "إسرائيل" التوسعية. في العام 2000، حين أُجبر الجيش الإسرائيلي على الانسحاب بعد 22 عامًا من احتلال جنوب لبنان، لم يكن نتيجةً لأي اتفاق دبلوماسي أو ضغط دولي، كان نتاجًا مباشرًا للمقاومة المسلحة التي جعلت ثمن الاحتلال باهظًا على تل أبيب. في العام 2006، انتهت حرب الأيام الثلاثة والثلاثون التي غزت فيها إسرائيل لبنان بأكبر انتشار عسكري لها بالفشل والإذلال". كما ويشير الشيخ نعيم قاسم إلى هذا المنطق الاستراتيجي في تصريحه: لم تأتِ "إسرائيل" من أجل صواريخ المقاومة، بل لاحتلال لبنان". هذا التمييز الجوهري يُحدد الفرق بين نهجين للسلام: نهج الحكومة اللبنانية، التي تتخلى عن أدوات المقاومة وتجلس خالية الوفاض على طاولة المفاوضات، ونهج حزب الله، الذي يؤمن بأنه لا يمكن إجبار العدو على التراجع إلا من موقع قوة".
وبرأي الصحيفة، وضعت أحداث الأشهر الأخيرة هذه المعادلة على المحك مرة أخرى. من خلال إغلاق مضيق هرمز وتعليق مذكرة التفاهم ردًا على انتهاك إسرائيل لوقف إطلاق النار، أثبتت إيران أن النفوذ الحقيقي يكمن في الأوراق الرابحة على أرض الواقع، لا في قاعات المفاوضات. في نهاية المطاف، كان هذا الضغط هو الذي أجبر الولايات المتحدة على إجبار العدو الإسرائيلي على وقف إطلاق النار. هذه هي الورقة الرابحة التي يتحدث عنها الشيخ قاسم. ورقة رابحة خسرتها الحكومة اللبنانية باتفاقية واشنطن ومنحتها لـ"إسرائيل".
كما أوضحت أن القصة تتلخّص في نهاية المطاف في مواجهة وثيقتين ومنطقين مختلفين. مذكرة التفاهم الإيرانية- الأمريكية، والتي نتجت عن موقف إيران الثابت وضغطها من مضيق هرمز، تضمن سلامة أراضي لبنان وسيادته في نصها، وتحدد ستين يومًا لانسحاب "إسرائيل" الكامل. أما اتفاقية واشنطن الإطارية، التي وقعتها الحكومة اللبنانية من دون أي اتفاق، فتربط انسحاب "إسرائيل" بنزع سلاح المقاومة؛ وهو شرط تستطيع إسرائيل استخدام أدواتها في التفسير والمراقبة لإعلان عدم الوفاء به لسنوات".
وختمت الصحيفة: "بصرف النظر عن التطورات المستقبلية، يبقى أمر واحد واضحًا: طالما بقيت المقاومة في لبنان، فلن تتمكن أي حكومة من تحديد مستقبل البلاد بمجرد الكتابة في واشنطن. هذا هو الضمان غير المقصود الذي وفره وجود حزب الله للبنان، حتى عندما تجلس حكومته إلى طاولة المفاوضات وتكشف أوراقها واحدة تلو الأخرى".