لبنان
وجه المنسق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة مارون الخولي مذكرة قانونية عاجلة بشأن المخاطر الدستورية والقانونية للمادة (13) من "اتفاق الإطار" (اتفاق العار) إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري والمسؤولية الدستورية للمجلس النيابي في رفضها أو تعديلها.
وجاء في المذكرة: "يتقدم إليكم التحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة بهذه المذكرة القانونية العاجلة انطلاقاً من الموقع الدستوري الذي يتبوأه مجلس النواب باعتباره السلطة المؤتمنة على التشريع وصون السيادة الوطنية وحماية الحقوق الأساسية للدولة اللبنانية ومواطنيها، وإيماناً بالدور الوطني الذي اضطلع به المجلس النيابي تاريخياً في الدفاع عن حقوق لبنان وثوابته الوطنية والقانونية".
أضافت المذكرة: "ونود لفت عنايتكم الكريمة إلى الخطورة البالغة التي تنطوي عليها المادة (13) من "اتفاق الإطار" الموقع بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية، والتي تنص على التزام لبنان بـ"وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"".
وحذرت المذكرة من أن "الإبقاء على هذا النص بصيغته الحالية أو المصادقة عليه من دون تعديله يشكل سابقة خطيرة تمس جوهر السيادة القانونية للدولة اللبنانية، وتثير إشكاليات دستورية وقانونية دولية جدية، وذلك للأسباب الآتية:
أولًا: مخالفة صريحة لأحكام الدستور اللبناني ومقدمته.
إن مقدمة الدستور اللبناني، التي تتمتع بالقيمة الدستورية الملزمة، تؤكد التزام لبنان بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكافة المواثيق الدولية ذات الصلة. ويترتب على الدولة اللبنانية، بموجب هذه الالتزامات، واجب السعي إلى ملاحقة الانتهاكات والاعتداءات الواقعة على أراضيها ومواطنيها ومؤسساتها، واتخاذ الوسائل القانونية والدبلوماسية اللازمة لحماية حقوقها المشروعة.
وعليه، فإن أي التزام مسبق أو دائم بالامتناع عن اللجوء إلى الآليات القضائية أو القانونية الدولية يشكل تقييداً غير دستوري لسلطات الدولة المستقبلية وانتقاصاً من سيادتها القانونية، ويخالف المبادئ الدستورية التي ترعى حق الدولة في الدفاع عن مصالحها وحقوق شعبها.
ثانيًا: عدم جواز إسقاط الحقوق الشخصية للضحايا أو التنازل عنها من قبل السلطة التنفيذية.
إن الحق في التقاضي، وكشف الحقيقة، والمطالبة بالتعويض عن الأضرار البشرية والمادية والمعنوية الناتجة عن الأعمال العسكرية والاعتداءات والانتهاكات، يشكل حقاً شخصياً لصيقاً بالإنسان ومحاطاً بالحماية الدستورية والقانونية.
ولا تملك السلطة التنفيذية، ولا أي سلطة سياسية أخرى، الصفة القانونية أو الوكالة التشريعية التي تخولها إسقاط هذه الحقوق الفردية أو المقايضة عليها أو الحد من ممارستها ضمن أي تسوية أو اتفاق سياسي أو أمني.
كما أن التنازل عن حق الضحايا في اللجوء إلى القضاء الوطني أو الدولي يشكل مساساً بحق التقاضي المكفول دستورياً ويعرض أي نص من هذا النوع للطعن بعدم الدستورية والإبطال.
ثالثًا: تعارض المادة مع القواعد الآمرة في القانون الدولي العام (Jus Cogens).
إن القواعد الدولية الآمرة، وفي مقدمتها أحكام اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها، تمنع بصورة واضحة إعفاء أي طرف من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني أو جرائم الحرب أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.
وقد استقر الاجتهاد الدولي على أن الاتفاقات التي تؤدي إلى الإفلات من المساءلة عن هذه الانتهاكات تعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً ولا ترتب أي أثر قانوني، عملاً بالمادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.
وعليه، فإن أي تفسير للمادة (13) يؤدي إلى منع لبنان أو مواطنيه من اللجوء إلى القضاء أو الهيئات الدولية المختصة لملاحقة الانتهاكات أو المطالبة بالتعويضات، يجعل هذه المادة عرضة للبطلان المطلق وغير قابلة للنفاذ قانوناً.
رابعًا: البطلان المطلق لأي التزام يتعارض مع القواعد الآمرة في القانون الدولي عملاً بالمادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. (تنص المادة على أن أي معاهدة أو اتفاق دولي يتعارض عند إبرامه مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام يعتبر باطلًا بطلانًا مطلقًا ومنعدم الأثر القانوني منذ نشأته).
وبما أن قواعد المساءلة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحظر الإفلات من العقاب تُعد من القواعد الآمرة المستقرة في القانون الدولي، فإن أي نص أو التزام يهدف بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى منع الدولة اللبنانية أو مواطنيها من اللجوء إلى القضاء الوطني أو الدولي أو الهيئات المختصة للمطالبة بالمساءلة أو التعويض، يكون عرضة للبطلان المطلق وغير قابل للنفاذ أو الاحتجاج به في مواجهة الدولة أو الأفراد.
خامسًا: عدم سقوط جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة بالتقادم وعدم جواز التنازل عن حق ملاحقتها.
استقر القانون الدولي والاجتهاد القضائي الدولي على أن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني لا تسقط بالتقادم، كما لا يجوز لأي سلطة تنفيذية أو سياسية أن تتنازل عن حق ملاحقة مرتكبيها أو أن تمنع الضحايا وذويهم من المطالبة بحقوقهم أمام الجهات القضائية المختصة.
وعليه، فإن أي تفسير للمادة (13) من شأنه أن يؤدي إلى إقفال الأبواب القانونية أمام الضحايا أو الدولة اللبنانية للمطالبة بالتعويض أو المساءلة أو كشف الحقيقة، يتعارض مع المبادئ الأساسية للعدالة الدولية ومع الالتزامات المترتبة على لبنان بموجب القانون الدولي الإنساني.
سادسًا: الحفاظ على أدوات الردع القانونية والدبلوماسية للدولة اللبنانية.
إن حق الدولة اللبنانية في اللجوء إلى المنظمات الدولية والمحاكم والهيئات القضائية وآليات الأمم المتحدة لا يشكل عملاً عدائياً، بل يمثل ممارسة مشروعة لحق سيادي أصيل تكفله قواعد القانون الدولي.
وإن التنازل المسبق عن هذا الحق أو تقييده يؤدي عملياً إلى تجريد لبنان من إحدى أهم أدواته القانونية والدبلوماسية في مواجهة أي اعتداءات أو انتهاكات مستقبلية، ويضعف موقعه التفاوضي والسيادي.
سابعًا: المساس بالاختصاص الدستوري الحصري للمجلس النيابي في إقرار المعاهدات الدولية.
عملاً بالمادة (52) من الدستور اللبناني، فإن المعاهدات والاتفاقات لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب، ويشمل ذلك حق المجلس في تعديل البنود أو رفضها أو طلب إعادة التفاوض بشأنها حمايةً للمصلحة الوطنية العليا.
إن دور المجلس النيابي لا يقتصر على الإقرار الشكلي للمعاهدات، بل يمتد إلى ممارسة رقابة دستورية كاملة على مضمونها.
إن المجلس النيابي اللبناني كان وسيبقى الحصن الدستوري للدفاع عن حقوق اللبنانيين وسيادة الدولة اللبنانية ومكانتها القانونية الدولية".
وعليه، طالب التحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة الرئيس بري بما يلي:
- اعتبار المادة (13) بصيغتها الحالية غير قابلة للإقرار دستورياً وقانونياً والمطالبة بإعادة التفاوض بشأنها أو حذفها.
- حماية حق الدولة اللبنانية وحق المواطنين والضحايا في اللجوء إلى القضاء والهيئات الدولية المختصة.
- عدم السماح بأي صياغة تؤدي إلى تكريس الإفلات من العقاب أو إلى إسقاط الحقوق القانونية والدبلوماسية للبنان.
والتمس التحالف من الرئيس بري "انطلاقًا من مسؤولياتكم الدستورية والوطنية، إحالة هذه المذكرة إلى اللجان النيابية المختصة، ولا سيما لجنة الإدارة والعدل ولجنة الشؤون الخارجية والمغتربين، والعمل على تعميمها على السادة النواب قبل أي مناقشة أو تصويت يتعلق بالاتفاق أو بأي من مواده، بما يضمن إجراء نقاش دستوري وقانوني معمق حول تداعيات المادة (13) وانعكاساتها على حقوق الدولة اللبنانية وحقوق المواطنين والضحايا والأجيال المقبلة".
وختمت المذكرة مشددة على أن "دماء 4,278 شهيدًا و12,196 جريحًا، ودمار عشرات القرى وآلاف المنازل ودور العبادة والمواقع الأثرية والمؤسسات الاقتصادية والبنى التحتية، ليست أوراقاً قابلة للمساومة أو التفاوض، بل هي حقوق ثابتة تستوجب العدالة والمساءلة.. إن سيادة القانون هي الركيزة الأساسية للحوكمة الرشيدة والاستقرار المستدام".