مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
لا يكتب التاريخ سِيَر القادة في لحظة رحيلهم، بل يبدأ، في كثير من الأحيان، بكتابة الفصل الأكثر تعقيدًا من سيرتهم بعد غيابهم. ومن هذا المنطلق، فعندما تقف الأمم على أعتاب رحيل قادة كبار، فإنها لا تودّع مجرد أشخاص، بل تختبر وعيها الذاتي، وتعيد قراءة مسارها، وتستشرف آفاق مستقبلها.
في هذا السياق، يأتي وداع آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، ليكون أكثر من مجرد حدث انتقالي في مسيرة دولة أو جماعة، بل لحظة فارقة في وعي أمة بأكملها، وعلامة على انقضاء مرحلة زاخرة بالتحولات في واحد من أكثر أقاليم العالم تعقيدًا واضطرابًا. فمهما تباينت المواقف من تجربته، ومهما اختلفت القراءات لإرثه، يبقى السؤال المحوري: كيف يمكن فهم حضور هذا الرجل في تشكيل ملامح المنطقة خلال العقود الأربعة الأخيرة؟ وما الدروس التي يمكن استخلاصها من مسيرته، سواء على صعيد بناء الدولة، أو إدارة الصراع، أو طرح رؤية حضارية بديلة في وجه الهيمنة الغربية؟
شخصية استثنائية في مكان وزمان استثنائيين
ما يميز شهيد الأمة السيد علي الخامنئي، عن غيره من قادة العالم المعاصر، أنه جمع في شخصيته أبعادًا متعددة نادرًا ما تجتمع في قائد واحد. فهو من جهة، مرجع ديني يحمل راية الاجتهاد الفقهي والأصولي، وهو من جهة أخرى، قائد سياسي تولى أرفع منصب تنفيذي في نظام يقوم على الولاية الفقهية، وهو فوق ذلك، رمز ثوري وإيديولوجي ظل طوال عقود يمثل الوجه الأكثر جرأة في مواجهة الإمبريالية والهيمنة الغربية، ليس في خطابه فحسب، بل في أفعاله وقراراته وتوجيهاته الاستراتيجية.
إن الجمع بين هذه الأدوار الثلاثة -الديني، السياسي، والثوري- يشكّل ظاهرة نادرة في العصر الحديث، حيث انحسرت معظم القيادات في أحد هذه الأدوار، بينما استطاع الإمام الخامنئي أن يحافظ على توازن معقد بينها، وأن يترجم كلًّا منها في سياق عملي يؤثر في واقع الناس ومعاشهم. ولهذا، حين نتحدث عن وداع السيد الخامنئي، فإننا نتحدث عن وداع نظام قائم بذاته، عن منظومة فكرية متكاملة، عن مشروع سياسي تجاوز حدود الزمن والمكان، ليقيم في ضمير ملايين البشر على امتداد العالم الإسلامي وخارجه.
فمنذ أيام سجنه ومضايقاته في عهد الشاه، مرورًا بدوره البارز في الثورة الإسلامية، ثم توليه القيادة بعد رحيل الإمام الخميني (قدس)، وصولًا إلى إدارته للدولة في أحلك الظروف من حروب وحصار وعقوبات، كانت مسيرة الرجل حافلة بالمحطات التي تشكل مادة دسمة للمؤرخين والباحثين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع التاريخي. لكن اللافت أن هذه المسيرة لم تكن فقط سيرة ذاتية لرجل، بل كانت مرآة لتطور جماعة سياسية بأكملها، وتحولات مجتمع في خضم صراع الهوية والحداثة والاستقلال.
فلسفة المقاومة بين النظرية والممارسة
إذا كان ثمّة مفتاح لفهم فكر الخامنئي السياسي، فهو مفهوم "المقاومة" بوصفه مشروعًا متكاملًا، لا مجرد رد فعل عسكري أو سياسي. فالمقاومة في منظوره ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الاستقلال الوطني، واستعادة الكرامة، وبناء نموذج تنموي غير تبعي، يعتمد على القدرات الذاتية ويؤمن بأن التحرر الحقيقي يبدأ من تحرير العقل والمعرفة، قبل تحرير الأرض والمؤسسات.
وهنا تكمن المفارقة العميقة في خطابه: فهو على الرغم من لهجته الثورية الحادة، يظل شديد الواقعية في تشخيصه للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي. فهو لا يكتفي بشجب الهيمنة الغربية، بل يقدّم تشخيصًا دقيقًا لأسباب التخلّف والضعف، ويضع العلم والمعرفة في صدارة أولويات النهضة. هذا الربط بين البعد الأيديولوجي والبعد العملي هو ما منح مشروعه قدرًا من الاستمرارية والتأثير، رغم كل الضغوط والانتقادات التي واجهها.
إن دعوته المتكررة إلى "النهضة الحضارية الإسلامية" لم تكن فقط شعارًا عاطفيًّا، بل كانت رؤية منهجية تقوم على إعادة الاعتبار للعقل والاجتهاد والإبداع، وتجاوز حالة الجمود الفكري التي تعاني منها بعض التيارات التقليدية. وفي هذا السياق، كان يرى أن الاستهلاك السلبي للمنجزات الغربية دون إنتاج معرفي موازٍ، هو نفسه شكل من أشكال التبعية المقنعة، وأن التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا حين يصبح المسلمون منتجين للحضارة، لا مجرد مستهلكين لها.
ومن هذا المنطلق، فقد حافظت القضية الفلسطينية على مكانة ثابتة في الخطاب السياسي الإيراني طوال فترة قيادة الإمام الخامنئي. فقد اعتبرت طهران أن الصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي" يمثل قضية مركزية في المنطقة، وربطت بين دعمها للفصائل الفلسطينية وبين رؤيتها لمواجهة النفوذ "الإسرائيلي" والأميركي.
وفي المقابل، شكّل هذا الموقف أحد أبرز أسباب التوتر المستمر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى. كما انعكس على طبيعة العلاقات الإيرانية مع عدد من الدول العربية، خاصة مع تزايد الاستقطاب الإقليمي خلال العقدين الماضيين.
وقد أسهمت الحرب في غزة والتطورات المتلاحقة في الإقليم في إعادة طرح أسئلة قديمة حول مستقبل الصراع، ودور القوى الإقليمية في تحديد مساره، وهو ما جعل السياسات التي ارتبطت بعهد الإمام الخامنئي موضع اهتمام وتحليل مستمرين.
الرؤية الحضارية وأسئلة الوحدة والتنوع
لعل من أكثر ما يلفت الانتباه في فكر الإمام الخامنئي، هو إصراره على فكرة "الأمة الواحدة"، وتجاوز الخلافات المذهبية والقومية، التي يراها خطرًا وجوديًا يهدد تماسك العالم الإسلامي ويخدم أعداءه. فهو يرى في الانقسامات الطائفية أداة من أدوات الهيمنة الغربية، التي استغلت التنوع الداخلي للمجتمعات الإسلامية لتمزيقها وإضعافها، وتحويلها إلى ساحات حروب بالوكالة.
لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا: كيف يمكن التوفيق بين هذه الدعوة إلى الوحدة، وبين واقع التعدد المذهبي والسياسي الذي يرسم المنطقة؟ وهل يمكن بناء وحدة إسلامية دون الإقرار بتنوع القراءات والتفسيرات؟ هنا، كان الإمام الخامنئي يميل إلى رؤية توحيدية قائمة على المشتركات الكبرى، وعلى رأسها العقيدة الإسلامية، ومقاومة الهيمنة، والقيم الأخلاقية، دون أن يغفل ضرورة الحوار والتعارف والتعاون بين مختلف المكونات. لكن السؤال عن كيفية ترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، يبقى أحد أكثر الأسئلة إشكالية في تقييم تجربته.
أما فيما يخص قضايا المجتمع والمرأة، فقد قدّم الإمام الخامنئي رؤية توفيقية تحاول الخروج من ثنائية التهميش والإغراق الاستهلاكي. فهو يرفض اختزال المرأة إلى سلعة، كما يرفض تهميش دورها في الحياة العامة، ويصر على اعتبارها شريكًا أساسيًا في النهضة.
الإدارة والأزمات: اختبار القيادة في الظروف الاستثنائية
إذا كانت الفلسفة والنظريات هي الإطار النظري للقائد، فإن اختبار الحقيقة يقع في قدرته على إدارة الأزمات وقيادة الدولة في الظروف الطارئة. وفي هذا الصدد، يبدو السيد الخامنئي مثالًا نادرًا لقائد استطاع أن يحافظ على تماسك المؤسسات، واستمرارية الرؤية الاستراتيجية، رغم كل العواصف التي هبت على إيران والمنطقة على مدى ثلاثة عقود ونصف.
الحرب مع العراق، العقوبات الاقتصادية القاسية، الضغوط الدولية المتصاعدة، الاضطرابات الاجتماعية الداخلية، التحديات الإقليمية المتلاحقة، كلها اختبارات مرت بها إيران في عهد الإمام الخامنئي، وخرجت منها بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق. ولكن ما يستحق التأمل هنا، هو قدرة النظام على التكيف والبقاء، وعدم الانهيار رغم كل التوقعات الغربية التي راهنت على زواله في مراحل متعددة.
هذه المرونة ليست وليدة الصدفة، بل تعكس عمقًا مؤسسيًا وامتدادًا شعبيًّا، وارتباطًا وثيقًا بين القيادة وقاعدة اجتماعية تعتبر نفسها جزءًا من مشروع تاريخي، لا مجرد نظام سياسي هامشي. وهذا الارتباط هو ما جعل التحولات في إيران تأخذ طابعًا تراكميًا، وليس انفجاريًا، رغم حدة الصراعات الداخلية والخارجية.
مشهد التشييع: حدث استثنائي بكل المقاييس
ما يضفي على رحيل الإمام الخامنئي طابعًا خاصًا ومغايرًا، هو ظروف استشهاده في مواجهة مباشرة مع العدوان الخارجي، ليصبح بذلك أول مرجع إسلامي كبير يرتقي شهيدًا في ساحة الحرب مع "إسرائيل" وأميركا في العصر الحديث. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن تحوّل مراسم التشييع من مجرد وداع عادي إلى حدث تاريخي استثنائي، يحمل في طياته أبعادًا رمزية ودينية وسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
وتشير المعطيات إلى أن مراسم التشييع التي تبدأ في الرابع من شهر يوليو/ تموز المقبل وتستمر ستة أيام بين إيران والعراق، والتي تشمل مدنًا مثل طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد وبيروت وصنعاء، ستكون الأكبر والأوسع في تاريخ المنطقة، ليس فقط من حيث الحشود المليونية، بل من حيث الامتداد الجغرافي والرمزية الدينية والسياسية التي تحملها كل محطة من هذه المحطات.
فوجود النجف وكربلاء إلى جانب طهران ومشهد وبيروت وصنعاء، يعكس عمق التلاحم الروحي والثقافي بين إيران والعراق ولبنان واليمن وفلسطين، ويؤكد أن الحدث لا يخص دولة بعينها، بل يشمل عمقًا إسلاميًا واسعًا يُشعر بأن القائد الراحل كان صوتًا عاليًا في وجه الظلم والاستكبار، ويدًا صلبة رافعة للواء العزة والكرامة. حتى إن مطالبات العشائر والعلماء والنخب العراقية باستضافة مراسم التشييع، في غياب رسمي لبعض الدول بسبب ظروف المواجهة، تؤكد أن المكانة التي احتلها الراحل تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتندرج في إطار أوسع من الانتماء الديني والثقافي والسياسي.
ومن المتوقع أن يتحول هذا التشييع إلى حدث استنهاضي يعيد إنتاج حالة من التعبئة الجماهيرية، ويؤكد أن مسيرة المقاومة لم تنته برحيل قائدها، بل ستدخل مرحلة جديدة من التحدي والاستمرار. فاختيار شعار "يجب أن ننهض"، ورمز "القبضة المشدودة"، يعكس وعيًا لدى القائمين على تنظيم المراسم بأن المشهد يجب أن يُقدّم كاستمرارية وليس نهاية، وكبداية مرحلة جديدة في تاريخ الأمة، وليس خاتمة مسيرة فرد.
الإرث بين التقييم التاريخي والإسقاطات المستقبلية
في خضم هذا المشهد المهيب، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف سيقرأ التاريخ تجربة الإمام الخامنئي؟ وهل ستظل صورته كما هي في الوجدان الجمعي، أم إنها ستتعرض لإعادة تشكيل مع مرور الزمن؟
الحقيقة أن أي تقييم تاريخي جاد يتطلب مسافة زمنية كافية، وتفكيكًا دقيقًا للسياقات، وبين الرؤية النظرية والتطبيق العملي. فالإمام الخامنئي، كغيره من القادة الكبار، كان ابن بيئته، وتشكلت رؤيته في تفاعل مع تحديات عصره، واستجاب لضغوط وفرضيات لم تكن كلها في متناول يده.
غير أن ما يمكن تأكيده الآن، أن الرجل ترك بصمة لا تُمحى في تحولات "الشرق الأوسط"، وأن اسمه سيبقى مقترنًا بمعاني المقاومة والاستقلال ورفض الهيمنة، سواء اتفق معه المتفقون أو اختلف معه المختلفون. كما أن تجربته ستظل مادة خصبة للدارسين والباحثين في مجالات العلاقات الدولية، وعلم الاجتماع السياسي، وفلسفة الثورات، والنظرية السياسية في الإسلام.
في النهاية؛ يبقى رحيل الامام علي الخامنئي محطة فارقة في تاريخ إيران والعالم الإسلامي، بل وفي تاريخ المنطقة بأكملها. فالرجل الذي قضى عقودًا في صياغة مشروع سياسي وفكري طموح، لم يكن فقط قائدًا عاديًّا، بل كان ظاهرة استثنائية مركبة تعكس تعقيدات منطقته والعالم، وتجيب عن أسئلة كبيرة، وتثير في الوقت نفسه أسئلة أكبر.
ربما يكون التاريخ هو الحكم النهائي، لكن ما لا شك فيه أن هذه الشخصية قد أسهمت في تشكيل وعي جيل كامل، وألهمت ملايين الناس على دروب التحرر والكرامة، وتركت إرثًا من الأفكار والتجارب سيظل موضوعًا للحوار والنقد والاستلهام لأجيال قادمة. وإن كان المشهد الراهن هو مشهد وداع، فإن الدروس المستخلصة من هذه المسيرة ستبقى حية، تتجدد مع كل محطة جديدة في مسيرة الأمة نحو استعادة دورها الحضاري. ومن هذا المنظور، فإن وداع الإمام السيد علي خامنئي ليس فقط وداع شخصية لعبت دورًا محوريًا في تاريخ إيران، بل هو أيضًا شهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، ستظل موضع دراسة وتحليل لسنوات طويلة قادمة.