اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

نقاط على الحروف

الحرب النفسية.. كيف تواجهها بيئة المقاومة؟
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الحرب النفسية.. كيف تواجهها بيئة المقاومة؟

115

يبذل العدو الجهود بهدف إضعاف معنويات أهل المقاومة وزرع مشاعر الهزيمة والوهن في نفوسهم، مستعينًا في ذلك بمختلف الوسائل الإعلامية والمنصات الواقعية والافتراضية. ولتحقيق هذه الغاية، عمد العدوّ إلى نشر الأكاذيب والمعلومات المضللة، وإطلاق التهديدات الواهية. كما لجأ إلى أساليب متنوعة في توجيه الخطاب، تارة بصورة مباشرة وتارة أخرى عبر رسائل غير مباشرة، سعيًا إلى تحقيق التأثير الذي لم يتمكن من فرضه عبر المواجهة العسكرية في الميدان.

في المقابل، فإن الأهالي يدركون طبيعة هذه المحاولات وأساليبها، وهم أكثر وعيًا بخطورة الانجرار وراء الشائعات والتهويل والخطاب الذي يهدف إلى إثارة الخوف والقلق. ومن هنا، تأتي أهمية تعزيز الوعي النفسي لديهم وتزويدهم بمجموعة من الإرشادات والنصائح العملية التي تساعدهم على التعامل مع الضغوط خلال فترة الحرب، والحفاظ قدر الإمكان على تماسكهم وهدوئهم، والحد من القلق والخوف، وعدم السماح للحرب النفسية بأن تحقق أهدافها من خلال التأثير في الحالة المعنوية والنفسية للأهالي.

ولأن مواجهة الحرب لا تقتصر على تأمين الحماية الجسدية، بل تشمل أيضًا الحفاظ على التوازن النفسي، كان لموقع "العهد" حديث مطول مع الباحث الإسلامي السيد بلال وهبي عن كيفية إدارة النفس في زمن الحرب، والتعامل مع الأخبار المتلاحقة.

يقول السيد وهبي، إن الخوف في الحروب والأزمات ليس دليلًا على ضَعف الإنسان وجُبنه، بل هو استجابة طبيعية فطرية أودعها الله تعالى في النفس لحمايتها من الخطر، فلا مشكلة في أن نخاف على أنفسنا أو على من نحب من الناس أو ما نحب مما نملك من مال أو عقار أو مؤسسة أو سوى ذلك مما له أهمية عندنا، غير أن المشكلة تبدأ حين يسيطر الخوف علينا، وحين يسكننا ولا يغادرنا، ويصبح هو الذي يتحكم في حياتنا، ويستولي على تفكيرنا، ويعطل قدرتنا على التفكير واتخاذ القرار.

وفي هذا السياق، يوضح السيد وهبي، أن القرآن الكريم ينبّهنا إلى حقيقة عظيمة لا مجال لإنكارها ولا التنكر لها؛ لأنها واحدة من حقائق الحياة الدنيا، وهي أن الحياة قائمة على الأزمات، والابتلاءات، وأن الإنسان فيها معرض لأن تصيبه سهام الموت، والمرض، والجوع، وخسارة الأنفس والأموال، وفقدان المناصب، وفقد الأحبة، وذلك لا يقتصر على شخص أو جماعة بشرية بل يعم جميع البشر المؤمن منهم والجاحد على حد سواء. لكن الله سبحانه لا يترك الإنسان من عنايته ورأفته حين خوفه أو فقده، بل يرعاه، ويخفف عنه، ويربط على قلبه، ويبعث في نفسه السكينة، ويثيبه على صبره، ويرفع مقامه في الدنيا والآخرة. ومما لا شك فيه أن الصبر، والتسليم، والرضا بقضاء الله، وفهم طبيعة الحياة الدنيا أنها قائمة على الابتلاء، ومواجهة المصاعب والأزمات، هو الذي يمنح الإنسان توازنًا نفسيًا، أضف إليه أن المؤمن يأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، ولا يستهين بالمخاطر، ولكنه لا يضخمها فوق حجمها الطبيعي، ولا يسمح لها أن تسيطر عليه وتقيده.

بحسب السيد وهبي؛ الخوف الطبيعي الفطري الضروري هو الذي يدفع الإنسان إلى الحذر، والتوقي، والابتعاد عن مصادر الخطر والضرر، ثم يزول عندما تزول أسبابه، وهذا النوع من الخوف هو الذي يصنع إنسانًا إيجابيًا راقيًا في أخلاقه وصفاته. أما الخوف المرضي فهو شعور يتجاوز حجم الخطر الحقيقي، إنه تضخيم مبالغ فيه للمخاطر، يستمر حتى بعد زوالها، ويجعل الإنسان مسكونًا بأوهام ومخاوف لا حصر لها، وينتزع الإنسان من حاضره المطمئن إلى مستقبل مشحون بالأوهام المخيفة، والتوقعات السلبية القاتلة، وهو تفكير سلبي مدمِّر يعجز معه الإنسان عن ممارسة حياته الطبيعية.

ويوضح هنا، أن الخوف الإيجابي لا يسلب الإنسان وعيه، وانضباطه، وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة، فيما الخوف السلبي يحطِّمه، ويدمِّر قدراته، ويحمله على التسرُّع في اتخاذ قرارات عشوائية، دون التدبر في عواقبها.

كيف نحمي أنفسنا من الانهيار النفسي أمام المشاهد الصادمة؟

يجيب السيد وهبي، أن الإنسان كائن ضعيف، لا يمكنه أن يعيش في الخوف باستمرار، ولا أن يستقبل الصدمات بشكل متواصل، ولما كانت الأيام مشحونة بالصدمات، ومليئة بالمخاوف بسبب الحروب المتواصلة، والأزمات الدائمة، ولما كانت وسائل الحصول على الأخبار هي التي تلاحق الإنسان بعد أن كان يلاحقها هو في ما مضى، لأن ما من إنسان اليوم إلا ويملك هاتفًا، ومشتركًا في تطبيقات التواصل الاجتماعي وما فيها من مجموعات خبرية، فإن عليه أن يدير علاقته مع الأخبار، فلا ينبغي له أن يتابع الشارد والوارد منها، لا سيما الأخبار الدامية والمقاطع المؤلمة؛ لأن ذلك يجعله في ساحة الحرب، وهذا يجلب إليه الخوف والقلق والتوتر، وهو في غنى عن جميع ذلك. 

ويردف: "من جهة أخرى، لمّا كان أعداؤنا يشنون علينا حربًا نفسية لا هوادة فيها، وهي من أهم أهدافها زرع الخوف في نفوسنا؛ لأن ذلك قد يدفعنا من وجهة نظرهم إلى الاستسلام والتخلي عن حقوقنا، والرضا باحتلالهم، والسير في مشروعهم، فمن الطبيعي أن يستعملوا في حربهم النفسية هذه التهويلَ والتخويف والإرعاب والإرهاب، وأن يركِّزوا على المشاهد المؤلمة، ويضخموا من خطر العدو، ويقللوا من شأن المقاومين، ويغرقوا بيئتنا بسيل من الإفك والكذب والإشاعات، أمام هذا يصبح من الواجب على من يريد أن يغلق أبواب الخوف أن يقاطع جميع تلك الوسائل العدوّة، وألّا يعيرها اهتمامًا، وهذه المقاطعة ليست من باب سد أبواب الخوف بل أيضًا فيها إنكار لمنكر هؤلاء، واجتناب إعانتهم لأن في كثرة المشاهدة لهم إعانة لهم على ظلمهم وفجورهم".  

وينصح في هذا الصدد: "علينا جميعًا أن نكون على حذر من كل ما ينشرونه ويبثونه خبرًا كان، أم برنامجًا حواريًا. وأن نتثبَّت من كل معلومة قبل تبنّيها. ومن الحكمة أيضًا تحديد أوقات لمتابعة الأخبار، وعدم البقاء في حالة اتصال دائم بالشاشات؛ لأن النفس تحتاج إلى فترات تستعيد فيها هدوءها، كما أن المحافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، هي وسائل للحصول على الطمأنينة النفسية".

ووفقًا للسيد وهبي، فإن مشاعر الغضب والحزن والعجز كلها طبيعية، بل إن غيابها قد يدل على قسوة القلب. ولكن واجبنا تجاه أنفسنا يلزمنا بأن نحول مشاعر الغضب والحزن والعجز إلى أفعال نافعة، فنقوم بما نستطيع القيام به، ونواكب ذلك باللجوء إلى الله بالدعاء والاستغاثة به وبأوليائه، وبالتكافل الاجتماعي، وخدمة الناس، والانشغال بوظائفنا وأعمالنا العادية؛ لأن النفس التي تعمل أقل عرضة للانهيار النفسي من التي لا تعمل.

كيف نكون مصدر أمان لأطفالنا وعائلاتنا بينما نحن أنفسنا نشعر بالخوف والقلق؟

عن هذا السؤال، يجيب السيد وهبي بالقول: "من الطبيعي أن يخاف الوالدان، فهذا أمر فطري كما سبق وذكرنا، لكن عليهما أن يديرا خوفهما بوعي وحكمة، وهذا أول ما يمكننا أن نقدمه لأبنائنا في لحظات الخوف، عندما نعلمهم كيف نتصرَّف معه؛ لأنهم الآن أو مستقبلًا سيتعرضون لمواقف ولحظات مخيفة ويجب أن يمتلكوا مهارة التعامل معها. ومن هنا من الخطأ أن نُظهِر لهم أن الأمور طبيعية وأن لا شيء طارئًا يحدث، كذلك من الخطأ أن ننقل إليهم تفاصيل الأحداث، أو التحدث أمامهم باستمرار عن أسوأ الاحتمالات، وأن نبث فيهم الطمأنينة وهذا من واجبات الوالدين بوصفهما قائدين لأسرتهما، كما من واجبات القائد السياسي أن يبث الطمأنينة في أوساط الجماهير شرط أن يكون الأمر متوازنًا، دون إفراط ولا تفريط. ومن المهم الحفاظ قدر الإمكان على نمط الحياة اليومية، والاهتمام بالصلاة الجماعية داخل الأسرة، وقراءة القرآن، والدعاء المشترك، لأن إقامة هذه الشعائر تمنح الأطفال شعورًا بأن الحياة طبيعية". 

أخطاء نفسية 

يسهب السيد وهبي بالحديث عن الأخطاء التي يقع فيها الناس في أثناء الحرب، وذكر بعضها كمثال، وأبرزها: الاستسلام للإشاعات، وتداولها على نطاق واسع دون تحقق. والتسمُّر أمام شاشات الهواتف والتلفاز ومتابعة الأخبار بصورة متواصلة حتى الإرهاق النفسي والاستماع إلى القنوات والمواقع المعادية واعتمادها كمصدر موثوق للأخبار، أو تبرير ذلك بحجة الاطلاع على وجهة النظر الأخرى، مع الغفلة عن أن التأثُّر بما تروجه يأتي سلسلة وخطوة بعد خطوة. وتضخيم الأحداث، والمخاوف، وافتراض أسوأ الاحتمالات دائمًا. وإطالة السهر، وإهمال النوم، والاعتقاد بأن طلب الدعم النفسي من ضعف الإيمان. 

أما السلوك الصحيح، وفقًا له، فهو المحافظة على النظام اليومي قدر الإمكان، والتمييز بين ما يستطيع الإنسان تغييره وما لا يستطيع، والانشغال بالواجبات العملية، والإكثار من التواصل الأسري والاجتماعي، وربط القلب بالله من خلال الذكر والدعاء، لأن ذلك يعيد للنفس شعورها بالثبات، وطلب الدعم النفسي حين الحاجة إليه.

وهنا نسأل: متى يصبح طلب المساعدة النفسية ضروريًا؟

يؤكد السيد وهبي أن اللجوء إلى الطبيب أو المعالج النفسي يصبح واجبًا إذا استمر الخوف والقلق رغم انتفاء أسبابهما، فإن ذلك يكشف عن أن الخوف والقلق صارا مرضيين، فيحتاجان إلى تدخل من قبل المتخصصين، وكذلك الحال فيما لو تملَّك الشخص الشعور بالوحدة والوحشة، أو فقد الرغبة في الطعام، أو صار يشعر بثقل في بدنه وفقد القدرة على القيام بواجباته اليومية، أو سيطر عليه غضب مفرط، أو تغلَّب عليه اليأس.

دليل نجاة نفسي

ختامًا، يلخّص السيد وهبي النصائح التي ينبغي لكل إنسان يعيش الحرب أن يلتزم بها، بالتالي:

1- أن يوفر لنفسه الحماية التي يستطيع، ثم يفوض الأمور إلى الله تعالى.

2- أن يكون على يقين أن الخوف لا يدفع الموت، وأن الشجاعة لا تقربه.

3- أن يكون على يقين من أن الأجل خير حرز، فلو لم ينتهِ أجله فلن يضره أحد، وإذا انتهى أجله فيمكن أن تقتله بعوضة.

4- أن يعمِّق علاقته بالله تعالى، من خلال الذكر والصلاة والدعاء، وأن يواظب على قراءة الأدعية التي علمها الأئمة الأطهار لأصحابهم ليقرؤوها في ساعات الخوف.

5- ألا يعتزل الناس، بل يكون معهم لا سيما أقرباءه وأصدقاءه، فإن ذلك يبعد عنه الوحشة ويقلل الخوف.

6- ألا يتابع نشرات الأخبار لا سيما من القنوات العدوة.

7- أن يدرك أن الخوف أمر طبيعي، ولكن من دون أن يسمح له بأن يسيطر عليه ويتحكَّم في حياته.

8- أن ينخرط في عمله الخاص كما لو كان في الأوضاع العادية، وإذا كان قادرًا على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية فسيكون ذلك جيدًا.

9- أن يطلب المساعدة النفسية عندما يشعر بالحاجة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة