مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
هناك في الأدب السياسي مقولة شهيرة على لسان المفاوضين السودانيين، رغم أنّها لم تُنسب لشخصية محددة، ولكنها أصبحت مجازًا يُستدلّ به على حقائق الواقع، بعيدًا عن الديكور والشكليات، وذلك أنّه إبّان الحكم الثنائي للسودان (بريطانيا-مصر)،(1956-1899) والثورات السودانية، خصوصًا في العام 1936، حين تأسس"حزب الخريجين"، لم يرَ السودانيون أيّ فائدة من التفاوض مع مصر، طالما أنّهم يفاوضون بريطانيا، فقيل"هل نفاوض الحصان أم راكبه؟" كنايةً عن حاكم السودان الإنجليزي، الذي كان يجول في شوارع السودان على ظهر حصانٍ مصري.
وهذا أول سؤالٍ يجب طرحه عند تناول ما اصطلح عليه"حلف مكة"، الذي انبثق عن اتفاق مكة بين تركيا وباكستان والسعودية، حيث إنّ هذا الحلف يمثل الحصان، فيما الولايات المتحدة هي راكبه، لذا فإنّ ما يريده الراكب هو الأجدر بالنقاش والمداولة، وبالتالي فإنّ الغرق في تفاصيلٍ لا تكاد تُحصى، عن خلفيات أطراف الاتفاقية وأسبابهم ومنطلقاتهم وأهدافهم وخلافاتهم وتبايناتهم التي لا تنتهي، هو جزءٌ من عملية تضليلية، ودعائية في أحسن الأحوال، وقد تكون مفرزات غرائزية لدى جماهير عريضة.
لذا كان لافتًا أول تعليق من الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هذا الاتفاق حين سُئل عنه فقال بما بدا أنّه تصريح أقرب للتندر: "فليفتحوا هرمز"، رغم أنّه الشخص الوحيد على ظهر البسيطة، المقتنع بأنّ المضيق مفتوح، وهذه الإجابة تشبه حالة شخصٍ يمارس فعلًا مُخلًا في الظلام، وكان السؤال بمثابة مفاجأة إضاءة أحدهم للغرفة، وكانت إجابته بهذه الطريقة، كإنكارٍ للفعل رغم حالة التلبس.
إنّ أطراف الاتفاق تربطهم علاقات راسخة مع الولايات المتحدة رغم تفاوتها، لكن قاسمها المشترك جميعًا، أنّهم تحت المظلة الأميركية لا يغادرونها تحت كل الظروف، وأنّ هذه المظلة لا تستقيم خارج الاستراتيجيات الأميركية، وإن اختلفت الهوامش المتاحة لكل طرف، كذلك فإنّ علاقاتهم جميعًا مع الولايات المتحدة، هي أفضل من علاقاتهم البينية، لا سيما تركيا والسعودية.
قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كانت ما سمّي باتفاقات"أبراهام" تشقّ طريقها بثبات نحو تغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتغيير أوجه الصراع ومفهوم العدو، لكن طوفان الأقصى كان بمثابة الكوابح المفاجئة والعنيفة، فأدّت إلى جنوح القطار، وبالتالي لم تعد عملية إعادة ذلك القطار إلى سكّته أمرًا يسيرًا، وقد يكون هذا الحلف هو جزءٌ من عملية إعادة ترميم تلك السكك، حيث إنّ الصراع في المنطقة لم يعد يحتمل الكثير من هوامش الرمادية والحياد.
وإذا كنا على يقينٍ بأنّ كل ما يصدر من مواقف أو يُسال من حبر في دول الخليج، هو مجرد انعكاس لأفكار القصور وصدًى لألسنة العروش، فلا يمكن تفسير التراشق الإماراتي السعودي الحادّ والخشن، حول أفضليات اتفاقات"أبراهام" أو اتفاق مكة، سوى بالتنافس بين القديم والجديد، وبين مَن صاحب امتياز تقديم الخدمة الأفضل لراكب الحصان.
كذلك لا يمكن استبعاد أن يكون لبنان مرشحًا للانضمام لهذا الاتفاق، حيث إنّ الولايات المتحدة وحسب مذكرة التفاهم مع إيران، تعتقد أنّ لبنان دخل تحت المظلة الإيرانية، وأنّ كل ما تقوم به السلطة اللبنانية من اتفاقيات، قد ينتهي إلى مجرد حبرٍ على ورق، في حال أيّ تغيير داخلي، أو حال عودة الولايات المتحدة لمذكرة التفاهم، أو تجدد حربها على إيران، لذلك تريد إخراج لبنان نهائيًا من تلك المذكرة، عبر استبدالها بمظلة حلف"سني"، يضمن العيش طويلًا لاتفاق الإطار بين لبنان والكيان، بغضّ النظر عن تطورات التغول الأميركي على المنطقة عبر الصراع مع إيران.
وهذا الصراع الذي قسم المنطقة عموديًا، كما قلنا آنفًا، لم يترك الكثير من هوامش الحياد، فالصراع اليوم بين الهيمنة الأمريكية وكيان الإبادة، وبين من يرفض ويقاوم تلك الهيمنة، وعليه يصبح هذا الحلف مع طرفٍ ضدّ طرف، حتى لو بشكلٍ معنوي، بكل ما يحمله هذا الشكل المعنوي من حالات تجييشٍ وتحريض، وزيادة شروخٍ على شروخ، وبالتالي يصبّ في مصلحة مشروع"إسرائيل الكبرى" عمدًا أو...؟ لا أريد أن أكتب أو غفلةً.
هذه "إسرائيل الكبرى" التي خرج مهندسها نتنياهو يحذر العالم من حلف سني، قال إنّه أخطر من حلف إيران، وقد صدقت نبوءته فتمّ الإعلان عن الحلف، ولكن أين وجه خطورة هذا الحلف على نتنياهو، الذي مارس الإبادة الجماعية والاحتلال والتدمير وتغيير معالم الجغرافيا ولا يزال، تحت عين أطراف الحلف، وما كان من الحلف سوى الدفع بحلفائه في لبنان وسوريا نحو التفاوض المباشر مع نتنياهو والتنازل العلني لكيانه.
هنا نستطيع تصوّر ما يريده راكب الحصان، وتصوّر كذلك تخوّف نتنياهو من هذا الحلف، أنّ أميركا أدركت أنّ الكيان فقد القدرة على حماية نفسه، بعد أن كانت وظيفته حماية المصالح الغربية، وأنّ إيران أصبحت قوة إقليمية عظمى، لا يوجد سواها يستطيع ملء الفراغ الأمني والسياسي، الناجم عن عجز أميركا عن حسم الحرب، وهذا بدوره يشكّل خطرًا وجوديًا على بقاء "إسرائيل"، لذا فإنّ ملء هذا الفراغ عبر هذا الحلف وأحلافٍ مشابهة مستقبلًا مهمة استراتيجية للنفوذ الأميركي، ولكن نتنياهو يدرك أنّ هذا يعني أنّ الكيان يفقد وظيفته التي أُنشئ بسببها، وقد يكون هذا ما يعنيه حين قال إنّ هذا الحلف أخطر من حلف إيران.
إنّ هذا الحلف هو أحد أعراض الصراع القائم حاليًا في المنطقة، أي أنّه ليس ذلك الحلف الراسخ المتجذر، أو المبني على مصالح دائمة أو أيديولوجية متطابقة متماسكة، وليس هو حلف التوافق على الأهداف الاستراتيجية الموحدة، ولا بالحلف القائم على وحدة العدو والصديق، لذلك لن يطول به الحال ليدخل متحف التاريخ، بمجرد انتهاء الحرب الأميركية على إيران، والتي ستحدد خرائط الأمن والنفوذ في المنطقة، وهي لن تنتهي قبل أن يغادر راكب الحصان هذه المنطقة مضطرًا.