مقالات
أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
تمويل البنية التحتية كمدخل لإنعاش الاقتصاد وتعزيز مكانة الجنوب العالمي
يشهد النظام الاقتصادي العالمي تحولات متسارعة مع تزايد دور الاقتصادات الصاعدة في توفير بدائل لمؤسسات التمويل التقليدية التي هيمنت عليها الدول الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، برز بنك التنمية الجديد الذي أنشأته دول مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، باعتباره إحدى أهم الأدوات المالية التي تسعى إلى تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية في الدول النامية دون الشروط السياسية والاقتصادية الصارمة التي غالبًا ما ترافق قروض المؤسسات المالية الغربية. ويأتي قرار البنك منح جنوب أفريقيا قرضًا بقيمة مليار دولار لتمويل مشاريع تطوير البنية التحتية في أكبر مدنها الثماني ليعكس أهمية هذا التوجه، كما يبرز حجم التحديات التي تواجه أكبر اقتصاد صناعي في القارة الأفريقية، والذي يعاني منذ سنوات من تدهور الخدمات الأساسية وضعف أداء الحكومات المحلية.
تأهيل البنى التحتية في المدن الجنوب أفريقية
وتمثل المدن الكبرى في جنوب أفريقيا المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني، إذ تضم النسبة الأكبر من النشاط الصناعي والتجاري والخدماتي، كما تستقطب ملايين السكان والاستثمارات المحلية والأجنبية. إلا أن هذه المدن شهدت خلال العقد الأخير تراجعًا ملحوظًا في مستوى الخدمات العامة نتيجة سنوات طويلة من ضعف الاستثمار في البنية التحتية، وسوء الإدارة، وتزايد الضغوط المالية على البلديات.
وتشمل المشكلات الأساسية التي تعاني منها المدن الجنوب أفريقية الانقطاعات المتكررة في المياه، وتقادم شبكات الأنابيب، وتسرب مياه الصرف الصحي، وضعف شبكات توزيع الكهرباء، إضافة إلى التراجع المستمر في خدمات جمع النفايات وصيانة المرافق العامة. وقد أصبحت هذه المشكلات تؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطنين وفي قدرة الاقتصاد على النمو واستقطاب الاستثمارات.
ويستهدف القرض الجديد تنفيذ مشاريع لتحديث شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء وإدارة النفايات في مدن جوهانسبرغ، وتشواني، وإيكورهوليني، وكيب تاون، وإيثيكويني، ونلسون مانديلا باي، ومانغاونغ، وبافالو سيتي. وتعد هذه المدن القلب الاقتصادي لجنوب أفريقيا، حيث تنتج الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي وتضم معظم الأنشطة الصناعية والمالية.
ولا يقتصر الهدف من هذه المشاريع على تحسين الخدمات الأساسية، بل يمتد إلى تعزيز قدرة المدن على مواجهة الضغوط المستقبلية الناتجة عن النمو السكاني والتوسع الحضري والتغيرات المناخية، وهو ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية استثمارًا طويل الأجل في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وقد اعترف الرئيس الجنوب أفريقي، سيريل رامافوزا، مرارًا بأن إصلاح الإدارة المحلية يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه حكومته، مؤكدًا أن تحسين أداء البلديات أصبح ضرورة وطنية لضمان استمرار النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
ويكتسب هذا التمويل أهمية إضافية لأنه يأتي في وقت تواجه فيه الحكومة الجنوب أفريقية ضغوطًا مالية كبيرة تحد من قدرتها على تمويل مشاريع البنية التحتية من الموازنة العامة وحدها. فقد أدى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات الدين العام إلى تقليص هامش الإنفاق الحكومي، الأمر الذي دفع بريتوريا إلى البحث عن مصادر تمويل تنموية جديدة.
أهمية دور بنك التنمية في تأهيل البنى التحتية
تبرز أهمية بنك التنمية الجديد باعتباره مؤسسة مالية أنشأتها دول بريكس لتوفير التمويل لمشاريع التنمية في الاقتصادات الصاعدة بعيدًا عن الاحتكار التقليدي الذي مارسته مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فمنذ تأسيسه، موّل البنك عددًا كبيرًا من المشاريع في مجالات النقل والطاقة المتجددة وإدارة المياه والتنمية الحضرية داخل الدول الأعضاء. ويعكس هذا القرض أيضًا تنامي التعاون داخل مجموعة بريكس، التي تسعى إلى تعزيز دورها في النظام المالي العالمي من خلال إنشاء مؤسسات قادرة على تقديم بدائل عملية للدول النامية، بما يقلل اعتمادها على المؤسسات الغربية ويمنحها هامشًا أكبر في رسم سياساتها التنموية.
من الناحية الاقتصادية، يرى العديد من الخبراء أن الاستثمار في البنية التحتية البلدية يمثل أحد أكثر أنواع الاستثمار إنتاجية، إذ ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة الاقتصاد. فوجود شبكات مياه مستقرة وكهرباء موثوقة ونظم صرف صحي حديثة وخدمات بلدية فعالة يخفض تكاليف الإنتاج، ويزيد إنتاجية الشركات، ويشجع المستثمرين على ضخ رؤوس أموال جديدة. وتستفيد بصورة خاصة من هذه التحسينات قطاعات الصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية والتجارة والعقارات، وهي القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على كفاءة الخدمات البلدية. كما يسهم تطوير البنية التحتية في خلق آلاف فرص العمل أثناء تنفيذ المشاريع، فضلًا عن تعزيز النشاط الاقتصادي بعد اكتمالها.
لكن نجاح هذا البرنامج لن يتوقف على توفير التمويل فقط، بل يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة التنفيذ وشفافية إدارة الأموال والقدرة على صيانة المشاريع بعد إنجازها. فقد شهدت جنوب أفريقيا خلال السنوات الماضية عددًا من المشاريع التي تعثرت بسبب سوء الإدارة أو الفساد أو ضعف الكفاءات الفنية داخل بعض البلديات. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الحصول على القروض، وإنما في تحويلها إلى مشاريع ناجحة تحقق نتائج ملموسة للمواطنين وللاقتصاد الوطني.
وإذا تمكنت الحكومة من تنفيذ هذه المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة وبمستويات عالية من الكفاءة، فإن ذلك سيعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في الاقتصاد الجنوب أفريقي. وفي الوقت نفسه، يحمل هذا التمويل بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز حدود جنوب أفريقيا، إذ يعكس تنامي نفوذ مؤسسات بريكس في تمويل التنمية العالمية، خاصة في أفريقيا، التي أصبحت ساحة تنافس بين القوى الكبرى، بما فيها الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
ومن المتوقع أن يزداد دور بنك التنمية الجديد خلال السنوات المقبلة مع توسع عضوية بريكس وارتفاع الطلب على التمويل التنموي في الدول النامية، ولا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتحول الرقمي.
خلاصة
بناء على ما تقدم يمثل قرض المليار دولار أكثر من مجرد عملية تمويل لمشاريع بلدية؛ فهو يعكس تحولًا في بنية التمويل الدولي، ويؤكد أن دول الجنوب العالمي أصبحت تمتلك مؤسسات مالية قادرة على لعب دور متزايد في دعم التنمية. أما بالنسبة لجنوب أفريقيا، فإن نجاح هذا البرنامج سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إصلاح الإدارة المحلية، وتحديث بنيتها التحتية، وإعادة إطلاق النمو الاقتصادي بما يعزز مكانتها كأكبر اقتصاد صناعي في أفريقيا وركيزة أساسية داخل مجموعة بريكس.