مقالات
كاتب من مصر
مما لا شك فيه أن الإجراءات "الإسرائيلية" الإجرامية، في الضفة الغربية المحتلة، ليست غريبة عن لكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، فهي حلقة متقدمة في سلسلة طويلة من التخطيط والتنفيذ لابتلاع حقوق الفلسطينيين التاريخية والعرب بوجه عام. الأهم؛ أنها تشكّل مصداقًا لخطيئة الرهان على مسار التفاوض وأوهام "السلام"، والذي مكّن العدو الصهيوني من تنفيذ خططه، مستغلًا التخلي عن خيار المقاومة في تنفيذ توسعه وجرائمه.
مؤخرًا، أوعز وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس للأجهزة الأمنية بنقل صلاحيات "إنفاذ القانون"، في الضفة الغربية"، إلى "الشرطة" بدلًا من "الجيش". هذا الأمر الذي فطنت لأبعاده الفصائل الفلسطينية، فتوالت بياناتها بدءًا من حركة حماس مرورًا بالجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والقوى الوطنية الفلسطينية جميعها، وتقاطعت مع تحذيرات الأمم المتحدة، مجمعة على أن هذا القرار يُمثّل خطوة فعلية لفرض الضمّ وإلغاء ما يسمّى بـ"الخط الأخضر"؛ حيث تخضع الضفة للاحتلال والحكم العسكري، في حين تحويلها لقوانين مدنية يعني عدّها جزءًا من "دولة" الكيان المزعومة.
هذه الخطوة، جاءت تتويجا لعام كامل من تكثيف الجرائم، فقد وافقت سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" منذ بداية العام، على نحو 12,360 وحدة استيطانية، بينها 5,160 في شرقي القدس، فيما هُجّر نحو 3,800 فلسطيني، خلال العام الجاري، نصفهم تقريبًا من الأطفال.
إزاء هذا الواقع؛ يمكن مناقشة الخطوة ومسارها المتراكم تاريخيًا، وكيف أسهم "اتفاق أوسلو" وأوهام "السلام" في تمكين "إسرائيل" من اتباع هذا المسار الإجرامي.
أولاً- وضع الضفة الغربية القانوني
الضفة الغربية هي أرض محتلة؛ وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إذ تُعد الأراضي الفلسطينية التي احتلتها "إسرائيل"، بعد حرب 5 يونيو/حزيران 1967، أراضي محتلة بموجب القانون الدولي. بعد الاحتلال، استمر العمل بالقانون الأردني الذي يمنع السكان غير المحليين من شراء الأراضي، فجمّدت إجراءات تسوية الأراضي في الأمر العسكري الرقم 291 في العام 1968، ثم سمح أمر لاحق في العام 1971 ل"الإسرائيليين" بشراء الأراضي عبر شركات مسجلة في الإدارة المدنية، لكن هذا الشراء بقي في إطار محدود.
تاليًا؛ القوانين العسكرية هي التي تحكم الضفة الغربية بسلطة الأمر الواقع جراء الاحتلال، وتسري على سكان الضفة جميعهم الفلسطينيين، وحتى المستوطنين المغتصين الصهاينة، تحت بند الاستيطان.. وأي قرار يتعلق بإدارة مدنية، سواء القرارات المتعلقة بتسوية الأراضي أم التعامل القانوني مع السكان، هو بمثابة مخالفة وشرعنة للاحتلال وتحويل القضية إلى قضية داخلية صهيونية، تماثل الوضع داخل الخط الأخضر.
ثانيًا- "اتفاق أوسلو" وتداعياته
استغل العدو الإسرائيلي "اتفاق أوسلو" لتنفيذ مشاريع لم يجرؤ على تنفيذها سابقًا، حيث قسّمت الضفة إلى ثلاث فئات من المناطق، معظمها خاضع للسيطرة الإسرائيلية. إذ وجد الصهاينة، في "اتفاق أوسلو" ووعوده الفضفاضة، غطاءً سياسيًا ومهلة زمنية كافية لتوسيع الاستيطان في إجراءات متدرجة، منها إقامة البؤر الاستيطانية ضمن الدعوات لاحتلال التلال، والأمر العسكري الرقم 50 للطرق الصادر في العام 1983، وهو إقامة شوارع التفافية، والتي جمّدت قبل "أوسلو".
كانت التداعيات المباشرة ممثلة بالأرقام، هي ارتفاع عدد المستوطنين من 110 آلاف في العام 1993، إلى نحو 516 ألفا في الضفة الغربية في العام 2024، إضافة إلى 230 ألف مستوطن داخل القدس المحتلة.
هل من تشابه بين بدعة المناطق التجريبية في لبنان ومسار "أوسلو"؟
الملاحظ، هنا، أن العدو في إطار تدرجه لابتلاع الضفة بدأ بفكرة مشابهة لبدعة المناطق التجريبية، بتقسيم الضفة إلى مناطق وفئات، خضعت بعضها للسيطرة الكاملة مثل "الخط الأصفر" المزعوم في لبنان. كما خضعت بعض المناطق لتنسيق أمني لمواجهة المقاومة، مثل الوضع في رام الله. لكنه نكص وعوده كلها. كما لا تقتصر هجمات المستوطنين ولا محاولات التصفية على مناطق السيطرة "الإسرائيلية" الكاملة، أيضًا دخلت إلى مناطق السلطة الفلسطينية ذاتها، وهو مسار على السلطات جميعها تأمله، وأخذ العبرة منه.
الأهداف "الإسرائيلية"
إلى جانب الأهداف "الإسرائيلية" المعروفة من السيطرة على منطقة الأغوار، والتي تعود بالنفع الاقتصادي على الكيان، وتحديدًا فيما يتعلق بالمياه والموارد الاقتصادية، مثل الزراعة وغيرها..فإن السيطرة على هذه المنطقة تؤدي إلى حرمان السكان من مواردهم الطبيعية، وإلى انحسار الجغرافيا الفلسطينية وتقليصها وهدم المساعي الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مشتركة مع المملكة الأردنية، وضرب أي حلول مستقبلية تستند إلى أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. كما أن فرض السيادة على المستعمرات "الإسرائيلية" المحيطة بمدينة القدس، من شأنه أن يؤدي إلى تقويض القرارات والرؤى الدولية جميعها المتعلقة بشرقي القدس عاصمةً لدولة فلسطين المنشودة.
التوقيت والسياق العام
هذا القرار؛ وفقا للسياق الاقليمي العام، يؤكد أن الكيان الغاصب يمضي في مخطط التهجير وفرض مشروع "إسرائيل الكبرى"، ويستغل تركز الأنظار على غزة و"مجلس السلام" المزعوم. كما تركز الأنظار على الحرب بين أميركا وإيران، لتنفيذ مخطط ضم الضفة إرضاء لحكومة اليمين وللحفاظ على تماسك الائتلاف الانتخابي لــ"بنيامين نتنياهو" وللحصول على صورة نصر.
الدرس المستفاد، هنا، هو أن العدو، وبرعاية أميركية كاملة، يستغل كل تهدئة ومفاوضات مزعومة للتوغل والتوسع وابتلاع الحقوق، وهو ما يحاول فعله في غزة والضفة والجولان ولبنان.. وهو مسار لا يمكن مواجهته إلا بالمقاومة.