نقاط على الحروف
يعد كتاب مكان بين الأمم A Place Among the Nations الذي أصدره بنيامين نتنياهو عام 1993، وثيقة أساسية لفهم العقيدة السياسية والأمنية التي يتبناها، والتي تستند إلى رؤية صدامية للواقع الإقليمي. لا يقدم الكتاب استراتيجية سيطرة بالمعنى التقليدي المباشر، بل يرسم إطارًا فكريًا يربط بين الأمن الوجودي، والحق التاريخي، والقوة العسكرية.
في ما يأتي أبرز ملامح الاستراتيجية التي طرحها نتنياهو في كتابه حول تعامل "إسرائيل" مع محيطها الإقليمي:
أولًا: القوة والردع كركيزة وجودية
يرى نتنياهو أن الشرق الأوسط منطقة لا تحكمها قيم التعايش الديمقراطي، بل تحكمها لغة القوة والمصالح. لذا، يشدد في كتابه على أن بقاء "إسرائيل" مرهون بامتلاكها تفوقًا عسكريًّا ساحقًا لا يقبل الجدل. وفقًا لمنظوره، فإن أي تراخٍ في هذه القوة سيؤدي فورًا إلى تآكل وجود الدولة، حيث اعتبر أن السلام لا يتحقق عبر التنازلات، بل عبر فرض الردع الذي يجعل تكلفة معاداة "إسرائيل" باهظة جدًا على محيطها.
ثانيًا: رفض مبدأ الأرض مقابل السلام
ينتقد نتنياهو في الكتاب بشدة المقاربات التي تدعو إلى التنازل عن أراضٍ من أجل السلام. يعتبر أن الضفة الغربية التي يسميها يهودا والسامرة ليست أرضًا محتلة، بل هي جزء لا يتجزأ من الميراث التاريخي والديني للشعب اليهودي. يطرح الكتاب استراتيجية مفادها أن التخلي عن هذه المناطق يضعف العمق الاستراتيجي لـ"إسرائيل" ويجعلها عرضة للتهديدات، ما يجعل السيطرة في نظره وسيلة أمنية ضرورية وليست مجرد توسع جغرافي.
ثالثًا: إدارة الصراع لا حله
يقدم الكتاب رؤية مفادها أن الصراع العربي -"الإسرائيلي" ليس نتاج وجود "إسرائيل" بحد ذاته، بل نتاج رفض بعض الأنظمة والقوى الإقليمية لقبول وجودها. لذا، دعا نتنياهو إلى تغيير طبيعة التعامل مع الإقليم من خلال استراتيجية إدارة الصراع وتهميش القضية الفلسطينية، مع التركيز على بناء تحالفات تفرض أمرًا واقعًا جديدًا يربط أمن "إسرائيل" بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية الكبرى.
رابعًا: التهديد الإيراني كمركز للثقل
على الرغم من أن الكتاب صدر في أوائل التسعينيات، إلا أنه وضع البذور الأولى لتركيز نتنياهو على ما يراه الخطر الإيراني، حيث اعتبر أن هناك قوى راديكالية في المنطقة وعلى رأسها إيران تسعى إلى تدمير "إسرائيل". يربط نتنياهو في كتاباته بين السيطرة العسكرية وتفكيك مصادر التهديد التي يراها وجودية، وهو ما تطور لاحقًا إلى عقيدة شاملة تبرر العمليات العسكرية الاستباقية، سواء في الداخل الفلسطيني أو في الجبهات الممتدة كدائرة أمنية "إسرائيلية".
تقوم استراتيجية نتنياهو كما صاغها في هذا الكتاب على تحويل "إسرائيل" إلى قلعة محصنة لا تعتمد على اعتراف الجيران بقدر ما تعتمد على تفوقها التقني والعسكري، مع إعادة تعريف الجغرافيا الإقليمية بما يخدم أمن "إسرائيل" القومي، وهو ما يفسر النهج الذي انتهجه طوال سنوات حكمه في مواجهة الأزمات الإقليمية.
استراتيجية الحسم: رؤية اليمين "الإسرائيلي" لإعادة صياغة الشرق الأوسط
يستند المشروع الاستراتيجي الذي تقوده حكومة بنيامين نتنياهو إلى ركيزة أيديولوجية عميقة تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري، متجاوزة التكتيكات العسكرية اللحظية. لقد تخلى نتنياهو عن سياسة الوضع الراهن التقليدية، وتبنى نهجًا تغييريًّا متطرفًا يهدف إلى فرض واقع استراتيجي جديد تكون فيه "إسرائيل" القوة المهيمنة إقليميًّا، مستغلًا التوترات الميدانية غطاءً لتنفيذ مخططات أوسع.
التحول في العقيدة الأمنية 2025 - 2026
شهدت الفترة ما بين عامي 2025 و2026 تحولات جوهرية في الخطاب السياسي والاستراتيجي "الإسرائيلي"، حيث انتقلت "إسرائيل" من مفهوم الاحتواء إلى المبادرة والنشاط الدائم.
في 8 كانون الثاني/يناير 2025:
أكد نتنياهو أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة تغيير أساسي، مشددًا على أن إيران تشكل التهديد الأكبر، وأن "إسرائيل" تستعد منذ سنوات طويلة لمواجهة محتملة معها.
في 19 حزيران/يونيو 2025:
أشارت تقارير في صحف عبرية إلى أن نتنياهو تخلى عن استراتيجية الحفاظ على الوضع القائم، وبدأ بشن هجمات عسكرية أحادية الجانب، ليس فقط لإحباط هجمات وشيكة، بل لإفشال أي اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة.
في 3 تشرين الأول/نوفمبر 2025:
صرح نتنياهو بأن "إسرائيل" غيرت بنيتها وجيشها وانتقلت إلى مرحلة المبادرة والنشاط الدائم.
وفي 31 آذار/مارس 2026:
زعم نتنياهو أن "إسرائيل" غيرت وجه الشرق الأوسط وأنشأت تحالفات جديدة بالمنطقة ضد ما سماه التهديد الإيراني، مؤكدًا سعيه لزعزعة أسس النظام في طهران.
في 24 نيسان/أبريل 2026:
تعهد نتنياهو بتنفيذ خطته لتغيير الشرق الأوسط، مشددًا على احتفاظ "إسرائيل" بحرية العمل الكاملة ضد أي تهديد.
في 8 حزيران/يونيو 2026:
أقر نتنياهو وفقًا لتغطية صحيفة "هآرتس" بوقف القتال مع إيران مؤقتًا، لكنه حذر من أن الصراع معها ومع حزب الله لم ينتهِ، متعهدًا بالرد بقوة على أي هجمات مستقبلية.
في 24 حزيران/يونيو 2026:
أكد نتنياهو في تصريحات أن "إسرائيل" غيرت وجه الشرق الأوسط بالفعل وستواصل تغييره، مشيرًا إلى مبدأ إذا نهض أحد لقتلك فاستبقه واقتله كركيزة لسياساته.
نوايا اليمين والأبعاد الأيديولوجية
إن هذا المخطط لا يعدو كونه استجابة أمنية لحظية، بل هو مشروع أيديولوجي يهدف إلى كسر حاجز الخوف، حيث يرى نتنياهو أن أهم إنجاز لـ"إسرائيل" هو تغيير عقيدتها الأمنية لتكون استباقية، معتبرًا أن الخصوم قد أضعفوا، لكن المعركة مستمرة. كما تصر الحكومة "الإسرائيلية" على العمل العسكري المستقل، حتى دون تنسيق مسبق مع واشنطن، ما يعكس الرغبة في التحرر من قيود الحلفاء لفرض واقع جديد.
هل كان نتنياهو ينتظر معركة؟
تشير المعطيات إلى أن نتنياهو لم يكن ينتظر الصدفة، بل كان يبحث عن توقيت استراتيجي يتداخل فيه الميدان العسكري مع بقائه السياسي. ففي حين تظهر العمليات في لبنان وغزة كأحداث ميدانية منفصلة، إلا أنها في المنطق النتنياهوي تدار كجزء من مواجهة شاملة ومفتوحة ضد طهران. وفي الوقت الذي يتباهى فيه نتنياهو بمفاجآت وخطط محكمة لتقويض النظام الإيراني، تظل النتيجة السياسية النهائية لهذا التوجه محل تساؤل، حيث تشير التقارير إلى فجوة واضحة بين قدرة "إسرائيل" على إحداث دمار واسع، وبين قدرتها على فرض نتائج سياسية مستقرة، ما يضع "إسرائيل" أمام تحديات استراتيجية طويلة الأمد في فضاء إقليمي بات أكثر اضطرابًا.
رؤية المقاومة وجبهة الإسناد
تستند رؤية المقاومة لجبهة الإسناد إلى عقيدة أمنية وسياسية مغايرة تمامًا لما طرحه نتنياهو في كتابه، حيث لا تنظر المقاومة إلى هذه الجبهة كفعل استراتيجي منفصل، بل كجزء من رؤية شمولية للصراع تعتبر أن وحدة الساحات ليست مجرد شعار، بل ضرورة وجودية فرضتها التحولات في ميزان القوى الإقليمي، لأن السماح للعدو بالانفراد بقطاع غزة يعني استباحة للمنطقة بأكملها، ما يجعل الإسناد واجبًا قتاليًّا وأخلاقيًّا لا يحتمل التجزئة. في هذا السياق، تؤكد المقاومة أن تفتيت الساحات هو الهدف الأساسي الذي يسعى إليه العدو لتحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، وبالتالي فإن فتح الجبهة من لبنان هو خطوة استباقية لكسر هذا المخطط ومنع "إسرائيل" من الاستفراد بأي طرف. كما ترفض المقاومة منطق التهديد الوجودي الذي يتحدث عنه نتنياهو، معتبرة أن سياسات الاحتلال هي التي تخلق بؤر التوتر، وأن المقاومة هي رد فعل طبيعي على استمرار الاحتلال والاعتداءات المتواصلة، وترى أن فرض معادلات جديدة على الحدود وتكبيد العدو خسائر مادية ومعنوية هو السبيل الوحيد لإجباره على إعادة حساباته، معتبرة أن قوة الردع التي تمتلكها اليوم هي نتاج تراكمي طويل جعل من المستحيل على العدو اتخاذ قرارات عسكرية دون دفع أثمان باهظة.
أما فيما يتعلق بتوصيف الذريعة، فترى المقاومة أن هذا الطرح هو جزء من معركة سياسية تهدف إلى عزلها عن بيئتها الشعبية، مؤكدة أن الجبهة ليست قائمة على حجج آنية، بل على التزام استراتيجي ثابت بدعم قوى المقاومة في المنطقة. وفي تقديرها، فإن التضحيات التي يقدمها لبنان هي ثمن سيادي لمنع تمدد المشروع "الإسرائيلي" الذي يهدد أمن المنطقة برمتها، وهي ترى في هذا الصمود طريقًا لتعزيز قوة الردع التي ستحمي لبنان ومحيطه على المدى البعيد، وليس مجرد عمل تضامني عابر. بناءً على ذلك، تضع المقاومة نفسها في موقع الند القادر على فرض شروط القوة، رافضة لغة نتنياهو التي تستند إلى التفوق المطلق والسيطرة، ومؤكدة أن صمود الجبهات المترابطة هو الذي سيسقط في نهاية المطاف مفاعيل الرؤية الاستراتيجية التي نادى بها نتنياهو، حيث نجحت هذه الجبهة في تحويل الفكر الاستراتيجي للعدو من الهجوم الاستباقي إلى حالة من الاستنزاف المستمر، إذ إن إجبار جيش الاحتلال على الاحتفاظ بقوات كبيرة في الشمال وتغيير خطط انتشاره العسكري يعد بحد ذاته إنجازًا أدى إلى تخفيف الضغط المباشر عن غزة. ويؤكد هذا التقييم أن معادلات الاشتباك التي فرضت على طول الحدود اللبنانية قد سحبت من نتنياهو ورقة المبادرة التي كان يراهن عليها في كتابه، محولة إياها إلى حالة من الجمود التكتيكي الذي يرهق المؤسسة العسكرية والسياسية "الإسرائيلية". ومن هذا المنظور، ترى المقاومة أن التضحيات الجسيمة هي ضريبة التغيير في قواعد اللعبة الإقليمية، وهي تراهن على أن صمود هذه الجبهة سيكشف في نهاية المطاف هشاشة العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" القائمة على فرض السيطرة عبر القوة النارية المفرطة، وتؤكد أن استمرارية الفعل الميداني هي البرهان الوحيد على صحة استراتيجية وحدة الساحات، ما يجعل من تقييمها للموقف رهانًا استراتيجيًّا طويل الأمد على كسر احتكار العدو لقرار الحرب والسلم في المنطقة. وهكذا تظل قناعة المقاومة ثابتة بأن هذا الإسناد هو الذي منع انكسار الموقف في غزة، ووضع "إسرائيل" أمام مأزق وجودي لم تكن تتوقع حدوثه وفقًا لتصورات ومخططات قادتها.