اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الشيخ الزعبي لـ"العهد": تشييع السيد علي الخامنئي استفتاء عالمي يؤكد انتصار الحق

مقالات

الإمام الخامنئي ... كيف صاغ فلسفة المقاومة؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الإمام الخامنئي ... كيف صاغ فلسفة المقاومة؟

303

كاتب من لبنان

يُذْكَرُ الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي دوماً على أنه القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران الذي حافظ على إرث الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني وطوّر مؤسسات الدولة على مدى أكثر من ثلاثة عقود ونصف. لكن أحد إنجازاته الكبرى لا ينحصر في داخل إيران، حيث يُعدّ أبرز المؤسسين لفكرة المقاومة في المنطقة. وهو منذ توليه قيادة الجمهورية الإسلامية عام 1989، وجرياً على نهج الإمام الخميني، لم يتعامل مع المقاومة بوصفها سياسة ظرفية تفرضها موازين القوى، ولا باعتبارها مجرد تحالف عسكري أو شبكة تنظيمات مسلحة، بل عمل على تحويلها إلى منظومة فكرية، لها عقيدتها، ولغتها، وأهدافها، وقراءتها الخاصة للتاريخ والصراع ومستقبل المنطقة.

وقد بلغت هذه الرؤية ذروة نضجها خلال حرب "طوفان الأقصى"، حيث بدت خطاباته أقرب إلى وثيقة سياسية وإستراتيجية متكاملة، رسم فيها فلسفة الصراع كما يراها، وحدّد وظيفة المقاومة، وطبيعة العدو، ومعايير النصر والهزيمة، والدور المنتظر من الشعوب والدول على حد سواء.

المقاومة... مشروع حضاري لا مجرد بندقية

لا يحصر الإمام الخامنئي المقاومة في العمل المسلح أو في مجموعات تقاتل إسرائيل، بل يراها مشروعاً سياسياً وحضارياً يعبر عن إرادة الشعوب في مواجهة الهيمنة الخارجية ويعيد رسم هوية المنطقة. لهذا، يحرص دائماً على نقل النقاش من حدود السياسة اليومية إلى مستوى الصراع بين مشروعين: مشروع الهيمنة والاستكبار، ومشروع الاستقلال ونهوض المستضعفين.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، لا تبدو فلسطين في خطابه قضية وطنية تخص شعباً بعينه، بل قضية أخلاقية وإنسانية عالمية تختبر مواقف الدول والشعوب. ولهذا عدَّ غزة "الميزان الفاصل بين الحق والباطل"، في توصيف يعكس انتقال القضية الفلسطينية من إطارها الجغرافي إلى بعدها العقائدي والإنساني.

جبهة المقاومة... شبكة لا مركزية
 

ومن أكثر الأفكار حضوراً في خطابه مفهوم "جبهة المقاومة". إذ يرى أن التطورات الأخيرة أثبتت أهمية بناء هذه الجبهة، وقال: "حضور جبهة المقاومة في المنطقة هو من القضايا الأكثر مصيرية، ويجب تقويتها يوماً بعد يوم".

غير أن هذا المفهوم، كما يقدمه، لا يعني وجود قيادة عسكرية واحدة، أو غرفة عمليات مركزية تدير الجميع، بل شبكة من القوى والحركات التي تتشارك الهدف العام، وتتبادل الدعم مع احتفاظ كل طرف بقراره المستقل. ولهذا أكد مراراً أن دعم إيران للمقاومة لا يعني أنها تديرها، بل إنها تؤازرها كونها جزءاً من معركة مشتركة. ومن هنا جاء تشديده على ضرورة تقوية هذه الجبهة باستمرار، لأنها ـ في نظره ـ تمثل الضمانة الأساسية لمواجهة التوسع العسكري الإسرائيلي. وأكد استمرار الدعم المقدم من الجمهورية الإسلامية للمقاومة، قائلاً: "ستقف إيران إلى جانب المناضلين الفلسطينيين والمجاهدين في حزب الله، وستقدم لهم كل ما تستطيعه من عون."  
النصر يقاس بتحقيق الأهداف 

يعيد الإمام الشهيد الخامنئي تعريف مفهوم النصر بعيداً عن المقاييس العسكرية التقليدية. فالنصر، في نظره، لا يقاس بعدد القتلى أو بحجم الدمار أو بمساحة الأرض التي تخضع للسيطرة، بل بمدى نجاح أي طرف في تحقيق أهدافه السياسية.

ولهذا، كان يؤكد أن استمرار المقاومة وصمودها، رغم الكلفة الباهظة، يعني أن إسرائيل أخفقت في تحقيق أهدافها الأساسية في التوسع والهيمنة، وأن هذا بحد ذاته يمثل انتصاراً إستراتيجياً للمقاومة.

إنها رؤية تستبدل مفهوم "الحسم العسكري" بمفهوم "استنزاف إرادة العدو"، حيث تتحول القدرة على الصمود إلى السلاح الأهم في المعركة. ولهذا، يؤكد الإمام الشهيد أن:

الصبر عنصر قوة.

الشعوب هي العنصر الحاسم. 

المقاومة تنتقل من جيل إلى جيل. 

الوقت يعمل ضد إسرائيل.


إسرائيل... بداية الانحدار 

عدَّ الإمام الخامنئي عملية "طوفان الأقصى" نقطة تحول إستراتيجية. فمنذ الأيام الأولى للعملية، لم يقرأ ما جرى بوصفه مجرد هجوم عسكري ناجح للمقاومة، بل بوصفه لحظة فاصلة في تاريخ إسرائيل. قال حينها: "الكيان الصهيوني تلقى هزيمة لا يمكن ترميمها." ولم يكن يقصد الهزيمة العسكرية المباشرة، بل انهيار صورة إسرائيل بوصفها قوة لا تُقهر، وهي الصورة التي شكلت أساس الردع الإسرائيلي طوال العقود الماضية. وفي نظره، فإن السابع من أكتوبر لم ينهِ إسرائيل، لكنه فتح مرحلة جديدة عنوانها تآكل الردع، وفقدان الثقة، وبداية مسار الانحدار.

الشعب الفلسطيني... صاحب المبادرة لا أداة 

ومن الأفكار التي كررها بإصرار رفضه الرواية الغربية والإسرائيلية التي تصف المقاومة الفلسطينية بأنها أداة لقوى إقليمية. فبعد أيام قليلة من السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قال عبارة كررها لاحقاً في أكثر من مناسبة: "الفلسطينيون أنفسهم هم من خططوا وأنجزوا هذا الفعل". بهذا، كان يسعى إلى تثبيت فكرة محورية في خطابه: أن الفلسطيني ليس وكيلاً لأحد، بل فاعل تاريخي مستقل، وأن إرادة الشعوب هي التي تصنع الأحداث الكبرى، حتى عندما تتلقى دعماً من الخارج. وبذلك يحاول نقل مركز الثقل من فكرة "الحرب بالوكالة" إلى فكرة "المقاومة الوطنية المستقلة".

الولايات المتحدة... المدير الفعلي للحرب
 

لا يرى الإمام الشهيد الخامنئي، أن اسرائيل فاعل مستقل، كما لا يفصل بين إسرائيل والولايات المتحدة. ويصر على أن واشنطن هي صاحبة القرار الإستراتيجي في ما يخص الصراع مع إسرائيل: "الولايات المتحدة ليست مجرد داعم، بل المدير الفعلي للعمليات". ومن هنا يصبح الصراع، في رؤيته، مواجهة مع منظومة الهيمنة الغربية أكثر منه مواجهة مع إسرائيل وحدها.
ولهذا، طالب منذ الأيام الأولى للحرب في غزة بمحاسبة الإدارة الأمريكية إلى جانب إسرائيل، مؤكدًا أن ما يجري لا يمكن فصله عن الإرادة الأمريكية. 

المعركة تبدأ من الوعي
 

ولعل أكثر ما يميز مشروع الإمام الخامنئي أنه لم يحصر المقاومة في ميادين القتال. فالخطاب الإعلامي، في نظره، لا يقل أهمية عن البندقية: "مواجهة السردية الصهيونية واجب موازٍ للقتال العسكري". ولهذا كرر الحديث عن "جهاد التبيين"، أي مواجهة الرواية المقابلة، وكشف ما يعتبره تضليلاً إعلامياً، ومنع تحويل المعتدي إلى ضحية والضحية إلى متهم. وفي السياق نفسه، يشدد – كما ورد في كتاب "معرفة العدو"  الصادر عن مؤسسة الثورة الإسلاميّة للثقافة والأبحاث والذي يجمع العديد من خطاباته- على أن السيطرة على الإعلام والرأي العام من أهم أدوات العدو، وأن من واجب أنصار المقاومة فضح التضليل والمحافظة على الوعي العام.
إنه يرى أن المعركة تبدأ من الوعي قبل أن تبدأ من السلاح، وأن خسارة الرواية قد تكون أخطر من خسارة الميدان.

المقاومة ... الفكرة التي لا تموت

ربما كان المشهد الأكثر تعبيراً عن فلسفته هو كلمته بعد استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. لم يتحدث يومها عن خسارة قائد، بل عن استمرار المشروع، قائلاً:

"لقد غادرنا السيد حسن نصر الله بجسده، لكن روحه ونهجه وصوته سيبقى حاضراً فينا أبداً". وهي عبارة تختصر فكرة مركزية في رؤيته، مفادها أن استمرار المشروع لا يتوقف على بقاء الأشخاص، بل على بقاء الفكرة وانتقالها بين الأجيال. في هذه العبارة تكمن خلاصة رؤيته للمقاومة: إنها ليست مرتبطة بقائد أو تنظيم أو مرحلة زمنية، وإنما بفكرة تتجدد كلما ظن خصومها أنهم نجحوا في إنهائها.

خلاصة
ربما يختلف بعضهم مع رؤية الإمام السيد علي الخامنئي للمقاومة، أو مع خياراتها السياسية والعسكرية، لكن يصعب إنكار أنه كان صاحب مشروع فكري متماسك، نجح خلال عقود في تحويل المقاومة من رد فعل على الاحتلال إلى نظرية سياسية متكاملة، لها تعريفها الخاص للنصر، وللهزيمة، وللدولة، وللشعوب، ولطبيعة الصراع في المنطقة.

ولهذا، فإن إرثه الحقيقي قد لا يكون في عدد المعارك التي خاضها محور المقاومة، ولا في حجم النفوذ الذي بلغته إيران، بل في المنظومة الفكرية التي تركها وراءه؛ منظومة ما زالت تشكل الإطار المرجعي الذي تنظر من خلاله قوى المقاومة في المنطقة إلى نفسها، وإلى خصومها، وإلى المستقبل.

وتكشف خطابات الإمام الشهيد الخامنئي أن رؤيته للمقاومة تقوم على منظومة مترابطة، يمكن اختصارها في أربع ركائز كبرى:
المقاومة عقيدة حضارية وليست مجرد خيار عسكري. 

القضية الفلسطينية هي محور الصراع مع منظومة الهيمنة الغربية. 

الصمود وإفشال أهداف الخصم هما المعيار الحقيقي للنصر، لا حجم الخسائر. 

المقاومة مشروع تاريخي متواصل يتجاوز الأشخاص والتنظيمات، ويستند إلى تلاحم الشعوب ووحدة الجبهات واستمرار الوعي. 

هذه الرؤية لم تبق في حدود التنظير، بل تحولت إلى الإطار الفكري والعملي الذي استندت إليه قوى المقاومة في المنطقة في قراءتها للصراع، وتحديد أولوياتها، ورسم تصورها للمستقبل.

الكلمات المفتاحية
مشاركة