اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تشييع السيد علي الخامنئي... عندما يتحول التشييع إلى استفتاء سياسي 

نقاط على الحروف

‎الولي المجدد .. قراءة في رؤية الإمام الشهيد علي الخامنئي  
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

‎الولي المجدد .. قراءة في رؤية الإمام الشهيد علي الخامنئي  

173

إن الحديث عن رحيل الإمام السيد علي الخامنئي قدس سره يضعنا أمام لحظة تاريخية فاصلة، لا تقتصر دلالاتها على البعد الإيراني فحسب، بل تمتد لتلامس وجدان الأمة وعموم حركات المقاومة التي رأت في شخصه الكريم امتدادًا لنور الإمام الخميني قدس سره، وملاذًا فكريًا وروحيًا استمدت منه العزم في أحلك الظروف. فلقد كان قدس سره بمثابة القلب النابض الذي يضخ البصيرة والثبات في عروق الأمة، وكانت قيادته للسفينة وسط أمواج الأزمات المتلاطمة تجسيدًا لمعنى الولاية الممتدة، التي لا تعرف الانحناء أو التراجع. ولطالما شكلت هذه العلاقة الروحية والسياسية بين قيادة حزب الله والولي الفقيه رابطًا عضويًا يتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الضيقة، إذ لا يرى الحزب في الولاية مجرد سلطة تنظيمية، بل هي عقيدة راسخة واتصال وجودي يضمن وحدة الرؤية وسلامة المسار. وعندما ترتفع الروح الطاهرة للإمام القائد، فإنها تترك خلفها إرثًا من القيم والسياسات التي تحولت إلى نهج لا يتبدل ولا يزول، حيث يظل الحزب وفيًا لهذا الخط، مستندًا إلى الدروس التي استقاها من مدرسة الإمام قدس سره، ومستلهمًا من بصيرته النافذة كيفية تحويل التحديات إلى فرص للتمكين. وتظل هذه العلاقة بين المقاومة والولي الفقيه هي الضمانة الأسمى للحفاظ على جوهر المشروع الإسلامي المقاوم، إذ إن رحيل الجسد لا يعني انقطاع المدد، بل هو استنهاض للهمم لتجديد العهد مع النهج الذي أرساه قدس سره. ولطالما مثل الشيخ نعيم قاسم، بصفته الأمين العام لحزب الله اليوم، صوتًا أمينًا في نقل هذه الرؤية وترجمتها إلى خطوات عملية، وهو الذي واكب أدق تفاصيل العمل التنظيمي والسياسي، فليس الرجل مجرد واجهة إدارية، بل هو حامل لأمانة الفكر ومنظّر للمسارات الاستراتيجية التي انتهجها الحزب في مواجهة التحديات المتراكمة، ومواقفه التي يطلقها بوضوح تعكس دائمًا ميزان القوى القائم ورؤية القيادة تجاه مختلف الأزمات. وقد تعزز هذا الدور التاريخي بانتخاب سماحته أمينًا عامًا ليقود المسيرة في مرحلة هي الأكثر دقة وحساسية في تاريخ المقاومة، مستمدًا القوة من ذلك الارتباط العقائدي المتين الذي كان وسيبقى صمام الأمان لمسيرة العزة والكرامة.

‎وفي قراءة متأنية لمسيرته ومؤلفاته، ولا سيما في كتابه الولي المجدد الصادر عن دار المحجة البيضاء، نجد أن الشيخ قاسم يبتعد عن الإنشاء الخطابي ليقدم محاولة توثيقية تروم فهم تجربة الإمام السيد علي الخامنئي قدس سره في قيادة مشروع إسلامي يجمع بين الأصالة والمواكبة. وهو إذ يسلط الضوء على هذه التجربة، فإنه في الحقيقة يفكك أركان المنهجية التي تدار بها الدولة والمجتمع في فكر المقاومة، واضعًا القارئ أمام مفاتيح حيوية لفهم كيفية صمود هذا المشروع أمام الحروب الناعمة والضغوط الدولية، وهو ما يجعل من طروحاته مرجعًا أساسيًا لكل من يبحث عن قراءة موضوعية ومعمقة لمعادلات القوة في المنطقة.

‎ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن تجربة الثورة الإسلامية في إيران هي تجربة فريدة، وأن الإمام الخامنئي قدس سره قد ساهم بشكل جوهري في تطويرها وتجديدها بعد رحيل الإمام الخميني قدس سره. ويهدف الشيخ نعيم قاسم من خلال هذا العمل إلى توفير الجهد على القارئ الباحث عن مواقف الإمام القائد، مقدمًا خلاصة مركزة لمشروعه الذي يجمع بين أصالة الفكر الإسلامي ومتطلبات العصر والحداثة.

‎يتناول الكتاب ستة وعشرين موضوعًا موزعة على ستة فصول رئيسية، تغطي جوانب حيوية في تجربة القيادة الإيرانية، بدءًا من إحياء الدين والتركيز على الصحوة الإسلامية والبصيرة والتمسك بالقرآن كركيزة أساسية، وصولًا إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يبرز اهتمام الإمام الخامنئي قدس سره بالعمل بعيد المدى، وتسمية كل عام بموضوع حيوي يوحد جهود الدولة والمجتمع. كما يقدم الكتاب تنظيرًا لمنهج السيادة الشعبية المظللة بولاية الفقيه، مع التركيز على التربية العاشورائية كعامل تحصين اجتماعي، ويتطرق أيضًا إلى كيفية إدارة الدولة للتحديات الثقافية والسياسية ومواجهة الحرب الناعمة والدفاع عن السيادة الوطنية وحق إيران في الطاقة النووية السلمية وإدارة ملف التفاوض مع الغرب.

‎إن أعمق ما يقدمه الشيخ قاسم في هذا الكتاب هو محاولته تقديم هندسة فكرية للقيادة، فهو يرى في الإمام الخامنئي قدس سره نموذجًا فريدًا للفقيه الذي لا يعيش في أبراج عاجية، بل يغوص في تعقيدات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ويستعرض المؤلف كيف أن الإمام الخامنئي قدس سره نجح في الحفاظ على ثوابت الثورة مع مرونة تكتيكية عالية في التعامل مع التحولات الدولية، وهي معادلة صعبة تطلبت توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على الهوية الأيديولوجية وبين متطلبات الحداثة الإدارية والتقنية.

‎وفي موازاة ذلك، تتخذ السياسة المحلية في رؤية الشيخ نعيم قاسم حيزًا محوريًا، إذ يرى أن قوة النظام السياسي لا تكتمل إلا من خلال ترسيخ قواعده في البنية المجتمعية الداخلية. فالمؤلف يفكك هنا مفهوم السيادة الشعبية المظللة بالولاية، حيث لا ينظر إلى الناس كأفراد خاضعين لسلطة جامدة، بل كشركاء في بناء الدولة من خلال المشاركة السياسية الواعية والانتخابات الدورية التي تعكس حيوية النظام. ويشدد الكتاب على أن هذه السيادة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي تعبير عن هوية المجتمع الذي اختار بإرادته أن يسير في مسار الثورة، مما يمنح النظام شرعية متجددة نابعة من احتضانه الشعبي.

‎ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لمفهوم البصيرة كأداة سياسية محلية، إذ يرى الإمام الخامنئي قدس سره وفقًا لتحليل الشيخ قاسم أن وعي المجتمع وفهمه للمخططات التي تحاك ضد استقراره هو خط الدفاع الأول. ولذلك يبرز المؤلف كيف تعمل القيادة على تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الانقسامات الطائفية أو المناطقية عبر التركيز على القواسم المشتركة التي تجمع الشعب تحت لواء المصلحة العليا. ويؤكد الشيخ قاسم أن هذه السياسة الداخلية تهدف إلى خلق مجتمع محصن فكريًا وأخلاقيًا، قادرًا على الصمود في وجه الضغوط الاقتصادية أو المحاولات الخارجية لزعزعة الثقة بين القاعدة الجماهيرية والقيادة، مما يجعل من الداخل الإيراني حصنًا لا يمكن اختراقه بسهولة.

‎كما يستفيض النص في شرح كيف تتعامل القيادة مع قضايا العدالة الاجتماعية وتنمية المناطق النائية، معتبرًا أن التنمية المحلية هي جزء لا يتجزأ من الاستقرار السياسي. فالإمام الخامنئي قدس سره يشدد دائمًا على ضرورة الإنصاف وتوزيع الموارد بشكل عادل، وهو ما يطرحه الشيخ قاسم كجزء من رؤية شاملة لتحويل شعارات الثورة إلى حقائق معيشة. فالسياسة المحلية هنا ليست مجرد إدارة إدارية للملفات، بل هي عملية بناء أخلاقي وتربوي يهدف إلى إيجاد مواطن صالح ومنتج، مؤمن بالمشروع الحضاري لبلده، ومستعد للتضحية من أجل صونه، وهو ما يراه المؤلف السر الكامن وراء استدامة هذا النظام وقدرته على تجديد شبابه رغم كل التحديات التي واجهته على مدى عقود.

‎وفي سياق الحرب الناعمة التي يركز عليها الكتاب، يبرز الشيخ قاسم وعي القيادة الإيرانية المبكر بأن معركة العقول لا تقل أهمية عن معركة الميادين العسكرية. وهنا يقدم المؤلف شروحات وافية حول كيفية استخدام المؤسسات الثقافية والإعلامية والتربوية لتحصين الجبهة الداخلية، وكيف أن القائد يضع الخطوط العريضة لسياسات المواجهة مع الغزو الثقافي الذي يستهدف ضرب القيم والأسس الاجتماعية. ويظهر الكتاب أن الإمام الخامنئي قدس سره يعمل بصفته موجهًا عامًا للمجتمع، يرسم المسارات ويوضح المخاطر ويشحذ الهمم في لحظات الأزمات الكبرى، مما يجعله في نظر الكاتب صمام الأمان والضامن لاستمرار النهج القويم للثورة.

‎علاوة على ذلك، يخصص الكتاب مساحة كافية للحديث عن التحديات الدولية، وكيفية صياغة سياسة خارجية تقوم على مبادئ العزة والحكمة والمصلحة، حيث يحلل الشيخ قاسم كيف أن الجمهورية الإسلامية تمكنت من كسر الحصار عبر إيجاد بدائل استراتيجية وشراكات دولية خارج الهيمنة الغربية، مشددًا على أن القرار الإيراني ينبع من الداخل ولا يخضع للإملاءات الخارجية، وهو أمر يؤكد عليه الكاتب كركيزة أساسية في فهم استقرار محور المقاومة وتماسكه.

‎يتسم الكتاب بكونه عملًا تأصيليًا أكثر من كونه نقديًا بالمعنى الأكاديمي المتعارف عليه، حيث يعتمد على خطاب الإمام الخامنئي قدس سره مصدرًا أساسيًا للتحليل، ويرى المؤلف أن التجديد لدى الولي الفقيه لا يعني الخروج عن الأصول، بل يعني مواكبة المتطلبات وتقديم حلول إسلامية لقضايا معاصرة. ويشدد الكتاب على استقلالية القرار الإيراني وتصديه لمشاريع التبعية، ما يجعله مرجعًا لفهم العقلية القيادية التي تدير الدولة الإيرانية ومحور المقاومة.

‎إن التجديد الذي يتحدث عنه الشيخ قاسم هو تجديد في الأدوات والأساليب مع الثبات على المبادئ والقيم، وهو ما يجسده الإمام الخامنئي قدس سره في تعامله مع الملفات المستجدة، سواء كانت تقنية أو سياسية، حيث يبرز المؤلف أن القيادة تعتمد على المشورة والبحث العلمي وتطويع التكنولوجيا لخدمة أهداف الدولة، ما يجعل هذه التجربة نموذجًا يمكن محاكاته أو على الأقل دراسته من قبل الحركات والتيارات التي تسعى إلى بناء كياناتها السياسية والاجتماعية على أسس إسلامية رصينة.

‎يصل الكتاب إلى استنتاج مفاده أن الإمام الخامنئي قدس سره ليس مجرد قائد سياسي، بل هو ولي مجدد استطاع تحويل الأطروحة الإسلامية إلى تجربة واقعية ناجحة في مواجهة تحديات الداخل والخارج. ويؤكد المؤلف أن دراسة هذه التجربة تعد ضرورة لكل من يريد فهم معادلات القوة في المنطقة. وبشكل عام يمثل الكتاب دليلًا فكريًا وتنظيميًا يقدم صورة متكاملة للمشروع الذي تقوده إيران، مع التأكيد على الجوانب العملية والبرامجية التي تساعد المسؤولين والمهتمين على استيعاب رؤية القيادة في ميادين السياسة والتربية والاقتصاد.

‎ختامًا، إن هذا الكتاب لا يعد مجرد سيرة أو عرضًا لمواقف سياسية، بل هو محاولة لتقديم إجابات عن أسئلة الهوية والسيادة في عالم يضج بالتغيرات. ويبدو أن الشيخ نعيم قاسم قد نجح في تقديم مادة غنية ومكثفة، تضع يد القارئ على جوهر التحديات ومركز القرار، ما يجعل الولي المجدد كتابًا لا غنى عنه في مكتبة المهتمين بالعلوم السياسية والباحثين في شؤون المنطقة، إذ يقدم رؤية من الداخل لمسارات الفعل السياسي وتفاعلاته، ويؤصل لمفهوم القيادة الراشدة في زمن التحديات الوجودية، محولًا بذلك تجربة الثورة إلى حالة فكرية قابلة للدراسة والتعميم والاستفادة منها في صياغة المستقبل.

الكلمات المفتاحية
مشاركة