اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع لـ"العهد": تشييع القائد استفتاء على خيار المقاومة

مقالات

الوحدة الإسلامية من الامتداد الرسالي إلى المأسسة الحضارية في فكر الإمام الشهيد 
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الوحدة الإسلامية من الامتداد الرسالي إلى المأسسة الحضارية في فكر الإمام الشهيد 

251

دكتوراه في العلاقات الدولية

في اللحظة التاريخية المهيبة التي تحتشد فيها الأمة لتشييع قائدها العظيم الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، لا يبدو الوداع مجرد طقوس نمطية أو فلكلورية، بل هو وقوف جماعي صامت أمام ممر النور المعرفي والسياسي الذي خطّه هذا العالم الرباني والشهيد المقتدر. ما يظهر في حقيقة الأمر وسيظهر أكثر مع مرور الزمن، أننا نستحضر إرثًا ممتدًا عبر تلاوين الدم والجهاد والفكر. وتزداد الحقيقة وضوحًا وسطوعًا حين نراجع أفكار الإمام الشهيد حول عماد أصيل من أعمدة أفكاره المستلهمة من معين إرثه الثقافي والفكري أي قضية "الوحدة الإسلامية" التي لم تكن في قاموس الإمام الشهيد موضوعًا فكريًا ينتمي لآداب الحوار، ولا تكتيكًا مناورًا تمليه ضرورات المرحلة الظرفية؛ بل كانت أصلًا عقائديًا ثابتًا، وركيزة إبستيمولوجية كبرى انطلقت منها الرؤية المدارية للثورة الإسلامية، ليعيد صياغة الأمة من شتاتها نحو مشروعها الحضاري الأسمى وتكاملها الإنساني المعاصر.

لقد تسلّم الشهيد الإمام الخامنئي أمانة القيادة من سلفه الإمام الخميني الراحل (قدس سره)، فلم يقف عند حدود الشعار الثوري الملهم، بل أحدث قفزة نوعية نقلت الوحدة من طور الخطاب الإسنادي الحماسي إلى طور المأسسة الميدانية الشاملة والعميقة. كان يدرك بحسّه الفقهي والاستراتيجي أن الأمة تتعرّض لأعقد موجة من حرب الاستكبار العالمي الناعمة والخشنة، الهادفة إلى كيّ وعي الشعوب وتفتيتها عبر الفتن الطائفية، فجاء خطابه صمام أمان حقيقي ومفككاً لكل الشبهات والمؤامرات المحاكة ضدّ بيئة التعايش الإسلامي.

ينطلق الإمام الشهيد في صياغته لروح الوحدة من أرضية معرفية غاية في الدقة والنقاء؛ إذ يبدأ من إعادة تعريف الوجود المقدس والنوراني للنبي الأكرم محمد (ص). كان يرى في حقيقة الرسول أسمى موجود بشري عرفه التاريخ، يتجاوز بمرتبته النورانية الأبعاد المادية ومقاييس الإدراك البشري القاصر. لقد قدّم الإمام الشهيد الوجود الوضاء للنبي الأكرم (ص)، بوصفه المعلم الأسمى والمطلق لكل المحاسن والفضائل الإنسانية، والمنبع الأساس لقيم العدالة والوفاء؛ إذ كان يتساءل بأسى فكري عميق عن الكيفية التي يمكن بها للبشرية وللمسلمين أن يتوهموا غنىً عن هذه الدروس والذخائر النبوية الثمينة في أي عصر من العصور.

ومن هذا المنطلق والامتداد الرسالي، تتجلى الوحدة الإسلامية في فكره كأثر أصيل وثمرة مباركة من خيرات تلك البعثة والمولد المضمخ بهدي التوحيد والعدالة. فكان الإمام الشهيد يستنهض همم الأمة بالتنبيه المستمر إلى المفارقة الصادمة التي يعيشها العالم الإسلامي؛ فهو غارق في أزمات ومشكلات جمة على الرغم من امتلاكه "رصيدًا معنويًا هائلًا" وقدرات استراتيجية كفيلة بإنقاذه وتبوّئه الصدارة.

لقد قسّم الإمام الشهيد ركائز النهوض والوحدة إلى فلسفة توحيدية مطلقة وأخرى اجتماعية عادلة. فالتوحيد في فكره هو النور الإلهي المهدي بالوحي الذي يحرر العقل البشري من أسر الشرك الفكري المعاصر، بينما تمثل العدالة الوصفة الإسلامية لإنقاذ الإنسان الرازح تحت نير اللاعدالة منذ فجر التاريخ. ويترافق هذا البناء مع التمسك بقرآنية التقوى والورع كمعيار وحيد للهوية والتميّز الإنساني، نابذًا كلّ دوافع التفرقة الجاهلية وعصبيات الدم، واللون، والعرق، والقومية، واللغة، استنادًا للآية الكريمة التي صدح بها في كلّ الميادين: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ويتبدى النبوغ السياسي للإمام الشهيد السيد الخامنئي في وضوحه التام في تفكيك وتحديد المصطلحات، قاطعًا الطريق أمام المشككين من كلّ حدب وصوب بصياغة ثنائية صارمة تحدد ما تعنيه الوحدة وما لا تعنيه. كان يؤكد بحسم أن الوحدة لا تعني تذويب المذاهب، ولا إجبار أتباع مدرسة فقهية على التخلي عن معتقداتهم؛ فالقضايا العقائدية مرجعها الفحص العلمي والتحقيق الجاد بين الإنسان وخالقه، ومحاولة إلغاء المذاهب هي خطوة تعقد المشكلات ولا تحلها. 

وفي المقابل، كان يرى الوحدة في معنيين أصيلين متكاملين؛ المعنى السياسي والميداني القائم على حسن العلاقة، والتعاطف، والتعاون والتعاضد لمواجهة الأعداء المشتركين انطلاقًا من النهي القرآني عن التنازع الذي يورث الفشل والضعف، والمعنى الفقهي والعلمي القائم على مقارنة المذاهب ومطابقتها بطريقة حوارية موضوعية واحترام الاختلاف، متيقنًا أن فتاوى المدارس الإسلامية يمكن أن تتقارب بقليل من النقاش الإيجابي والتدقيق المنصف، دون أن يتحول الفارق في طرق ومصادر تلقي الأحكام إلى عداء دنيوي أو تناحر سياسي واستنزاف لواقع الحياة اليومية. وهنا بالذات، استعاد الإمام الشهيد المقوم التاريخي الذي بُني عليه الإسلام: "كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة"، واعتبر توحيد الكلمة السور المنيع والحصن الذي يحمي حريم الأمة ووجودها.

في تشييعه اليوم، نستذكر قراءته الجيوسياسية الواقعية والشجاعة لواقع العالم الإسلامي المعاصر ومصائبه الكبرى. فبينما كان يشير إلى أن جزءًا من الجهد الضائع ينبع من مشكلات في داخل البلدان الإسلامية، كان يحمّل النظام العالمي الباطل القائم على منطق القوّة وهيمنة السلاح وحياة الغابة المسؤولية الأكبر والأخطر في التفتيت. 

وقد تجسّدت قراءته النقدية لغطرسة هذا النظام الدولي في نموذجين صارخين ينزفان من لحم الأمة ودمها؛ تمثّل الأول في القضية الفلسطينية، ذلك الجرح الغائر في جسد الأمة، حيث يمارس الكيان الصهيوني جرائم الإبادة بغطاء رسمي أميركي مطلق. وتمثّل الثاني في غزو العراق وأفغانستان وفرض الحصار على بلدان إسلامية عديدة، وإذلال الشعوب تحت لافتات براقة ومزيفة كالديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين اقترفت قوات الاحتلال مجازر وعقوبات جماعية خارج جادة القانون والمحاكمات.

وأمام هذا المشهد المأساوي، كان الإمام يطلق صرخته الاستنكارية المدوية لتهزّ وجدان الأمة بقوله "إننا نملك الكتلة البشرية الضخمة، والثروات الهائلة، والثقافة الفريدة، والأرصدة المعنوية؛ فما الذي يمنعنا من الدفاع العملي في الميدان؟".

ولأن القائد الشهيد كان يقرن الفكر بالعمل، وضع خطوطًا حمراء قاطعة لحماية نسيج الأمة، معتبرًا إهانة مقدسات الآخرين أو تكفير أي مذهب إسلامي يصب في مصلحة معسكر الكفر. وقسّم بوعيه الثاقب القوى التخريبية التي تحارب جبهة الوحدة إلى صنفين يتساويان في كارثية النتائج؛ الأيدي المغرضة من وعاظ السلاطين، وأموال النفط، والمراكز الاستكبارية التي تمول تأليف الكتب وإشعال الفتن الطائفية لحرف البوصلة عن العدوّ الحقيقي، والعناصر الساذجة والغافلة داخليًا التي تبث الفرقة من خلال كلمات وشعارات ومنابر غير مدروسة، مؤكدًا أن التبعات السلبية للسذّج لا تقل أحيانًا عن مؤامرات المغرضين.

إن المعادلة الذهبية التي يتركها لنا الإمام الشهيد في يوم وداعه هي أن مواطن الاشتراك بين المسلمين من الإيمان بإله واحد، وقبلة واحدة، ورسول واحد، وقرآن واحد، وأركان الشريعة الكبرى من صلاة وصوم وزكاة وحج، هي أوسع وأعمق بكثير من نقاط الافتراق. وبناءً على هذا التأصيل، كان يرى أن وجود العدوّ المشترك والصهاينة الغاصبين في قلب البلدان الإسلامية كان يفترض به أن يكون الأداة الأكبر لتقريب المسلمين وجعلهم جبهة ويدًا واحدة، لا أن تنجح السياسات الدولية في اتّخاذ هذه القضية وسيلة لبث الاختلاف الحقيقي بين الحكومات المسلمة. ومن هنا، غدت قضية فلسطين وفك التبعية عن الاستكبار الصهيوني - الأميركي في فكر الإمام محك الاستقلال الحضاري والمعيار الفعلي للوحدة، مؤكدًا أن الرّدع الجيوسياسي يتطلب تعايشًا أخويًا ميدانيًا يتجاوز التعالي القومي والعنصري، ويلتقي في متاريس المقاومة وصفوف صلوات الجماعة ومنابر الفكر.

تتجلى عظمة إرث الإمام الشهيد الخامنئي في كونه مهندس المأسسة الحضارية للفكرة؛ فلم يترك الوحدة مجرد أمنية ثورية، بل صاغها في برامج إجرائية وسياسات دولية متكاملة. لقد بادر بقوة وعزيمة إلى إعادة إحياء الفكر التقريبي عبر تأسيس "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية"، داعيًا المتكلمين، والفقهاء، والفلاسفة وغيرهم للاجتماع وصياغة مجاميع فقهية مشتركة بنظرة إيجابية وأسلوب علمي رصين يرضي الله تعالى، وحوّل "أسبوع الوحدة الإسلامية" (بين الثاني عشر والسابع عشر من ربيع الأول) من مناسبة احتفالية تقليدية بذكرى المولد النبوي الشريف إلى محطة سنوية زاخرة بالعطاء الفكري واللقاءات الحية بين العلماء كصمام أمان ضدّ الفتن. وقدّم تجربة الجمهورية الإسلامية كشاهد عملي ونموذج تطبيقي واقعي، حيث اختلطت دماء الشيعة والسنة والقوميات المختلفة في جبهات حرب الثماني سنوات دفاعًا عن حدود الإسلام، وعاشوا بتصافٍ وصميمية داحضة لكل مؤامرات العدوّ الرامية إلى عزل الثورة وتصويرها كمشروع مذهبي ضيق. وبذلك أرسى معادلة فريدة تفصل الخلاف الفكري عن الميدان السياسي، مبرهنًا على أن الاختلاف في العقائد الفقهية بإمكانه ألا يؤثر أبدًا على ساحة العمل السياسي والجهادي والمقاوم، ومحققًا جبهة إقليمية مقتدرة تقف بصلابة ضدّ الهيمنة الخارجية.

ولقد تجلّى البرهان العملي والميداني الأكثر سطوعًا على صدق نموذج الرؤية الوحدوية للإمام الشهيد، في الدعم المطلق واللامحدود الذي قدمه للقضية الفلسطينية وفصائل مقاومتهم الباسلة، عابرًا بها فوق كل الحواجز المذهبية والحدود الجغرافية المصطنعة. فلم يكن الوقوف مع فلسطين في منطق القيادة حبرًا على ورق البيانات، بل كان سياسة استراتيجية مدفوعة بالدم والسلاح والإمكانات. وبموازاة الدعم العسكري والسياسي المستمر، أثبتت التجربة العملية أن فكر الإمام نجح في تحويل فلسطين إلى قطب رحى "محور المقاومة"، مبرهنًا للعالم أجمع أن الشيعي في لبنان وإيران واليمن والعراق يلتقي في ذات الخندق الجهادي مع أخيه السني في غزة والضفة والقدس. هذا التعاضد المصيري والتحام الدم بالدم في مواجهة آلة القتل الصهيونية-الأميركية قدّم للعالم الإسلامي أبلغ درس تطبيقي؛ وهو أن قوة الأمة تكمن في تلاحمها الميداني، وأن الفروق الفقهية لا مكان لها في متاريس العزة والدفاع عن حياض الإسلام ومقدساته.

وفي خطابه الوداعي الممتد عبر الأجيال، لا يحصر الإمام الشهيد مسؤولية إنجاز الوحدة في عاتق الحكومات والأنظمة السياسية التي قد تقع في فخ الاستكبار وتُخدع بعناوينه، بل يوزع الواجب الأكبر والأثقل على كاهل النخب والشخصيات الثقافية والدينية، والعلماء، والخطباء، والكتّاب، والصحفيين، وأصحاب المطابع والنفوذ. كان يطالبهم دومًا بالتحلي بالوعي، واليقظة، ومعرفة الزمان؛ لضمان عدم استقرار العدوّ في خندق الأصدقاء، والحذر الشديد من مهاجمة الأصفياء بدلًا من العتاة الجبابرة. فالحكومات والكتّاب والإعلام المسؤول يجب أن يطلقوا شعارات واحدة ويدعوا بإعلام موحد لصد مؤامرات الحرب الناعمة والتسقيط بتهم الإرهاب الكاذبة ومزاعم انتهاك حقوق الإنسان التي يروجها الغرب بغية إبعاد الرأي العام العالمي وخلق الهوة والبون بين الشعوب وبين هذا المقر الإسلامي القرآني الشامخ.

اليوم، والأمة تشيّع هذا الطود الشامخ، نخلص بيقين إلى أن الرؤية الفكرية والسياسية للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي تثبت أن الوحدة الإسلامية ليست منظورًا فكريًا فحسب بل هي حيوية وجودية ومشروع إستراتيجي للمستقبل. إن الصحوة الإسلامية التي انطلقت طوال الأعوام الماضية وتعرفت من خلالها المجتمعات على أهمية أرصدتها المعنوية تفعل فعلها في البيئة العالمية ولن تذهب هباءً منثورًا، وسيكون مصير الأمة رهنًا بمثل هذه المشاريع الوحدوية الشجاعة. إن المستقبل رهن بثقة الأمة في السير على هذا الصراط المستقيم، والالتفاف حول المحور النبوي الموحد؛ فإذا حافظت الأمة على وعيها ووضعت أيديها في أيدي بعضها بعضًا، سيبطل الله كيد الأعداء ومكرهم، وستنال عزة التاريخ وشموخه، ممهدة الطريق لمستقبل حُر، عزيز، ومقتدر تسقط على عتباته كلّ عروش الطغيان والاستكبار المعاصر.

الكلمات المفتاحية
مشاركة