خاص العهد
ملايين الناس من مختلف مدن ومحافظات العراق، ومن مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، ومن شتى التوجهات والانتماءات السياسية والقومية والدينية والمذهبية، تتهيأ بحماس منقطع النظير للمشاركة في مراسم تشييع الشهيد القائد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (رض) المقررة يوم الأربعاء، الثامن من شهر تموز/يوليو الجاري في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة. ولا شك أن الحدث سيكون تاريخيًا، وسيكمل المشهد المليوني الباهر في إيران، حيث الحشود الغفيرة التي شاركت وذرفت الدموع وبكت على رحيل القائد الخامنئي (قده).
ماذا يعني تشييع الشهيد السيد الخامنئي في العراق؟.. هذا السؤال وجهناه لبعض النخب الإعلامية والثقافية والسياسية العراقية، وجاءت الإجابات على النحو التالي:
كسر القيود الجغرافية والقومية
يؤكد الباحث في شؤون محور المقاومة أحمد الخزعلي، "أن مراسم تشييع الإمام الشهيد الخامنئي قدس الله سره الشريف، في العراق، تبرز عنوان الانتماء والولاء للإسلام وأهله وامتداداته، وهذا يُعدُّ مكسبًا وانتصارًا للنهضةِ الحسينيةِ التي ما زلنا نعيشُ أيامَها وذكراها السنوية الأليمة. وقد بات واضحًا للعدو والصديق أنَّ الاعتداءَ على الجارةِ إيران هو اعتداءٌ على العراق وأهله، وأنَّ النظام السياسي للولاياتِ المتحدة الأميركية يدرك أن هوية العراق هي الإسلام المثبت في دستور الدولة، وأنَّ عنوان المرجعيةِ في العراقِ وإيرانَ خطٌّ أحمرُ (دينيٌّ مقدسٌ)".
ويشير الخزعلي إلى "أن واحدة من مميزات هذه المراسم المليونية أنها يمكن أن تكسر تلك القيود الجغرافية والقومية التي أسس لها الأعداء لمنع وحدة أمتنا الإسلامية. ومن نعم اللهِ أنَّ العدوَّ قبلَ الصديقِ يدرك ثمرات وجود الجثمان الطاهر للشهيد القائد (قدس سره الشريف) في العراقِ. فالمراسم التي حصلت في إيران لها مكانةٌ وقيمةٌ، ولكن في العراقِ يتسع الأمر، ويأخذ أبعادًا محلية وإقليمية ودولية وأممية وجيوسياسية؛ فالعزاءُ هنا لا يمثل العراق وأهلهُ فحسب، بل إنه يمثل مراسم لجبهة المقاومة الإسلامية جمعاء".
الارتباط العقائدي
وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي والمحاضر في مديرية التوجيه العقائدي لهيئة الحشد الشعبي الدكتور علي الطويل، "أن تشييع الشهيد السيد الخامنئي (رض) في العراق هو دليل على الارتباط العقائدي، إذ إن المرجعية الدينية عند المسلمين الشيعة تعد إحدى الركائز الأساسية في الاعتقاد، لذا فإن تشييع هذا المرجع الكبير من دلالات التمسك بالارتباط العقائدي".
ويؤكد الطويل، في معرض إجابته، "أن المعركة مع العدو لم تعد معركة مرحلية، فقد أعلن العدو أنها معركة وجودية، المستهدف فيها هو الإسلام المحمدي الأصيل، ومن متطلبات معركة كهذه أن لا تبقى حبيسة الميدان فقط؛ لأن الميدان صفحة واحدة من صفحاتها، بل يجب أن يظهر فيها الوجود الشعبي؛ لأنه مستهدف بالحرب الناعمة والإدراكية وغيرها".
ويضيف الطويل قائلًا: "الوجود الشعبي المكثف هو استعراض للقوى المؤمنة في مواجهة العدو، ومن خلاله تنطلق الرسائل المهمة والبليغة والمعبرة عن القوة والإرادة والحزم والتماسك والشجاعة والبذل والتضحية".
حدث استثنائي
من جانبه، يقول المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، الدكتور علي فاضل الدفاعي، "إنَّ التشييع المليوني المهيب لآية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (قدس سره الشريف)، لا يمثل مجرد وداعٍ لقائدٍ كبير، بل هو بمنزلة استفتاء شعبي متجدد على نهج المقاومة والكرامة والاستقلال، حيث إن الحشود المليونية تحمل رسالةً واضحة إلى العالم مفادها، أن الشعوب الواعية قادرة على تشخيص عدوها الحقيقي، وأنها أكثر ثباتًا وإصرارًا على طريق الحق في مواجهة مشاريع الهيمنة والظلم مهما غلت التضحيات، ومهما اشتدّت المعركة".
ويؤكد الدفاعي، "أن هذا المشهد التاريخي درس إنساني خالد يجسد قوة التماسك الشعبي وروح الإيمان الحقيقي، ويكرّس حقيقة أن المبادئ الراسخة لا تُهزم، وأن إرادة الأحرار تبقى أقوى من كل محاولات الترهيب والعدوان"، وسواء في إيران أو في العراق، فإن التشييع يعدّ حدثًا استثنائيًا، وفرصة نادرة لبداية صفحة خالدة في تاريخ الأمة، واستلهام ولادة جديدة لعهد من الثبات والعزة، ومن الوفاء لهذه المسيرة، فإن الشعب العراقي الأصيل سيكون حاضرًا بقوة، ليؤكد أن العراق سيبقى شريكًا في حمل راية الحق والتمسك بطريق العزة والكرامة والوفاء لدماء الشهداء".
عمق إستراتيجي
فيما يشير الباحث والأكاديمي في جامعة كربلاء، الدكتور سعد صاحب الوائلي، إلى "أن تشييع الجثمان القدسي للإمام الخامنئي (رض) في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، ليس ترجمة عملية واقعة لقضية وحدة محور المقاومة فحسب، بل هو حدثية عظمى تسطرها المشاركة المليونية في الداخل العراقي، وهي بكل الأحوال والمعايير تبعث برسائل غاية في الوضوح والإبانة للقوى الدولية والإقليمية، من ضمنها من ناصبوا العداء لإيران وللتشيّع، مفادها أن محور المقاومة ليس تحالفًا سياسيًا عابرًا، بل هو ترابط صميمي وقدسي وشعبي متعاظم وعابر للحدود مهما تفرعن طغاة العصر أو رفضته الجغرافيا السياسية المصطنعة ومن وراءها".
ويضيف الوائلي: "الأمر الآخر هو أن هذا التشييع العظيم، يمثل فشلًا ذريعًا لجميع مشاريع العزل الجغرافي بين أبناء المذهب الواحد، أو أبناء المصير الواحد، ما يعني ويثبت حقيقة أن هذه الحشود العظيمة، أبطلت جميع المحاولات المتواصلة ومنذ عقود لفك الارتباط الديني والمذهبي والثقافي، بل حتى السياسي في بعض جوانبه، بين الشعبين الشقيقين العراقي والإيراني، ليؤكد من جديد مديات العمق الإستراتيجي المتداخل للدين والمذهب وتغلغله شعبيًا وجماهيريًا في. ما بين إيران والعراق".
فضلًا عن ذلك- والكلام للوائلي-"إن هذا التشييع المليوني يقاس بأنه ليس مجرد وداعٍ لجثمان قائد، بل هو إعلان لاستمرارية منهج، ويطلق رسائل تحدٍ واضحة تكشفها الحشود، مقتضاها أنَّ غياب القائد، لا يعني غياب المشروع، بل هو يمثل وقودًا جديدًا لمزيدٍ من الثبات والصلابة لهذا المحور وشدة تماسكه".
قمة الوفاء
أما الإعلامي والناشط السياسي، جبار نصيف اللامي، فيقول: "أن يكون هناك تشييع مليوني للشهيد السيد علي الخامنئي قدس سره الشريف في العراق، فهذا معناه تسطير لقمة الوفاء الشعبي والاجتماعي والديني لشخصية عالمية جذورها علوية، أفنت حياتها في خدمة الإنسانية، والدفاع عن الإسلام وقيمه السامية، وعن الحوزة العلمية الشريفة، وعن كل الشعوب المظلومة والمستضعفة. تلك الشخصية التي نشأت وترعرعت في المدن الدينية المقدسة، ونهلت صفات البطولة والشجاعة والتضحية ومقارعة الاستبداد ونصرة المظلومين بالعالم من أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن قائد ثورة المظلومين الإمام الحسين، وغيرة وشهامة أخيه وحامل لوائه أبي الفضل العباس عليهما السلام".
ويضيف اللامي قائلًا: "إن المشاركة المليونية في تشييع الإمام القائد الخامنئي (رض) في العراق، تمثل أبسط شيء للوفاء وردّ الجميل قبال المواقف الإنسانية المشرفة للشهيد القائد مع العراق والعراقيين في الظروف والمحطات الصعبة، لا سيما بعد تعرض البلاد للغزو والاحتلال الأميركي، وللإرهاب التكفيري من قبل تنظيمي القاعدة وداعش".
نقطة تحول مهمة
إلى ذلك، يعتبر الفنان التشكيلي علي عاتب، التشييع المليوني المبارك في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، "نقطة تحول إستراتيجي في صراع النفوذ، وإعلان جماهيري كبير لصالح معركة الحق ضد الباطل، فضلًا عن أنه يؤكد العمق العقائدي والترابط الأزلي بين مكونات التشيع الذي يلغي الحدود، وينسف جميع المخططات الخبيثة الرامية إلى تمزيق الأمة الإسلامية، وإثارة الفتن والحروب بين شعوبها، وبالتالي تنفيذ مخطط تفتيت وتقسيم جبهة محور المقاومة".
ويضيف بالقول: "يأتي التشييع الكبير والمهيب مع رمزية الاماكن المقدسة بالعراق بالنسبة للعالم الإسلامي، فرصة تاريخية للعراقيين للسير في جنازة سيد المقاومة رضوان الله عليه، والتعبير عن حبهم له، واندكاكهم في معركة الشرف والكرامة ضد أعداء الدين والإنسانية".