إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت (11 تموز/يوليو 2026)، بتحليل نتائج ورسائل التشييع المهيب الذي انتهى يوم أمس بدفن جثمان الإمام الشهيد في الحرم الرضوي المقدس، وقد ركزت الصحف على أن هذا التشييع أعاد إحياء مبادئ القائد الشهيد التي كان يدعو لها ولكن هذه المرة تم إحياؤها في منطقة غرب آسيا عمومًا لا في إيران خصوصًا.
التشييع: سردية مختلفة للمجتمع الإيراني
بداية كتبت صحيفة وطن أمروز: "أحيانًا ما يُنتج حدث اجتماعي بيانات كثيفةً لا يُمكن الحصول عليها من أي استطلاع أو بحث. كان الحشد الهائل من الناس في إيران والعراق لتوديع جثمان الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي مثالًا على ذلك؛ حدثٌ أظهر أن بعض الافتراضات حول العلاقة بين الدين والسياسة، ومصادر الشرعية السياسية، وآليات التعبئة الاجتماعية، لم تعد قابلةً للدفاع عنها بسهولة.
إذا اعتبرنا هذا التشييع مستودعًا ضخمًا للبيانات الاجتماعية، فلا بد لنا أن نسأل أنفسنا: ما هي النظريات الشائعة في المجال السياسي الإيراني التي تتطلب هذه الجنازة العظيمة مراجعة؟ هل لا يزال بالإمكان تفسير سلوك المجتمع الإيراني بنفس الأطر التحليلية السابقة، أم أن هذه الجنازة تُنذر بظهور واقع جديد؟
[...] هل أدى دخول رجال الدين والسلطة إلى السياسة إلى تقليل شعبية هذه المؤسسة؟ من أقدم الآراء وأكثرها تأثيرًا في المناخ الفكري الإيراني، ضرورة ابتعاد رجال الدين عن السياسة حفاظًا على مكانتهم ومصداقيتهم. حتى قبل الثورة الإسلامية، سعى أنصار هذه النظرية إلى منع قيام حكومة إسلامية بهذا المنطق. فقد اعتقدوا، ولا يزالون يعتقدون، أن دخول السلطة الدينية في إدارة الدولة سيؤدي تدريجيًا إلى استنزاف رصيد رجال الدين الروحي، إذ سيلقي الناس باللوم على المؤسسة الدينية في الإخفاقات الإدارية وصعوبات الحكم.
وتابعت الصحيفة: "بعد الثورة الإسلامية، نصح هؤلاء الطلاب ورجال الدين بالابتعاد عن السياسة وهيكل الدولة حفاظًا على القداسة التاريخية لهم، إلا أن جنازة قائد الثورة الإسلامية الشهيد، التي حضرها الملايين، وضعت هذه النظرية موضع تساؤل جدي. فإذا كان الوصول إلى السلطة يؤدي بالضرورة إلى تآكل رأس المال الاجتماعي للسلطة، كان من المتوقع أن تواجه أعلى سلطة دينية وسياسية في البلاد نوعًا من النفور العاطفي من المجتمع بعد 37 عامًا على رأس النظام. لكن ما شوهد في الشوارع كان صورة مختلفة تمامًا. حضر ملايين الأشخاص جنازة القائد الشهيد الحكيم للثورة الإسلامية، والشخصية الشيعية البارزة، بدافع عاطفي وأيديولوجي واجتماعي، مما جعل هذا الحضور أحد أكبر التجمعات في التاريخ المعاصر. ففي تاريخ التشيع، لم يسبق أن شهدنا مثل هذا الحشد الكبير وبهذه الشدة من الحزن لحضور جنازة شخصية دينية. أظهر هذا الحدث أنه لا توجد علاقة خطية أو حتمية بين "تدين السلطة" و"تآكل المكانة الدينية". فإذا ما استطاعت الشخصية الدينية، إلى جانب أداء مسؤوليتها السياسية، أن ترسخ في الذاكرة الجماعية للمجتمع كرمز للدفاع عن الاستقلال والهوية والكرامة الوطنية، فإنها لن تفقد رأس مالها الاجتماعي فحسب، بل ستزيد من نفوذها".
2- القومية في مواجهة الأمة؟ في السنوات الأخيرة، دعا بعض المحللين السياسيين إلى التخلي عن مفهوم الأمة الإسلامية، وشددوا على النزعة القومية. [...] هذه الثنائية خاطئة من أساسها. فكما لا يُعقل أن يُقارن أي سياسي حكيم بين الدبلوماسية والقوة العسكرية، أو أن يقول إن على الدولة أن تختار أحدهما، فإن القومية والأمة الإسلامية هما أيضاً عنصران متكاملان، وليسا متنافسين. تتطلب الدولة الفعّالة تماسكًا وطنيًا وشبكات تضامن عابرة للحدود، تمامًا كما تتطلب اقتصادًا وأمنًا، وقوة صلبة وقوة ناعمة. كانت جنازة قائد الثورة الإسلامية الشهيد في العراق، التي شارك فيها الملايين، شاهدًا هامًا على أن النزعة القومية، بالمناسبة، لا تزال حاضرة. خرج ملايين الأشخاص في بلد آخر، لا تربطهم بإيران أي صلة بالجنسية أو المصالح الوطنية، لتأبين قائد إيران الشهيد. لا يمكن تفسير هذا الحدث بمنطق الدولة/الأمة على الإطلاق. ما جعل هذا الحضور ممكنًا هو شبكة من الروابط الدينية والتاريخية والثقافية والعاطفية، التي تُعدّ في أدبيات العلوم السياسية أحد أهم مصادر القوة الناعمة. في الأزمات السياسية والأمنية، يمكن لهذا الرصيد العابر للحدود أن يصبح قدرةً لا مثيل لها على التعبئة الإقليمية، وتعزيز العمق الاستراتيجي، وتوسيع النفوذ الثقافي. لذا، تُبرز جنازة إمام الثورة الإسلامية الشهيد في العراق القدرة الحية والفعّالة للنزعة القومية جنبًا إلى جنب مع الهوية الوطنية الإيرانية. لعلّ أهمّ درسٍ مستفاد من هذا الحدث هو ضرورة تحلّي علماء الاجتماع بمزيدٍ من التواضع، وعدم التسرّع في استبعاد زوال ظاهرةٍ عظيمةٍ كالأمة الإسلامية.
3- ازدواجية ولاية الفقيه والديمقراطية: هل انقطعت صلة المجتمع الحديث بمؤسسة الولاية؟ من النظريات المؤثرة الأخرى في العقود الأخيرة، نظرية مفادها أن المجتمع الإيراني الحديث يتجه تدريجيًا نحو التخلي عن مؤسسة ولاية الفقه، وأن المصادر الرئيسية للشرعية السياسية يجب أن تُستمد بشكل متزايد من المؤسسات المنتخبة. [...] شكّل تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، التي حضرها الملايين، اختبارًا حقيقيًا لهذه الحجج. لو فقدت مؤسسة الولاية قدرتها على بناء الروابط الاجتماعية، لما كان من المتوقع أن يُثير فقدان قائدها ردة فعل واسعة وعميقة بين ملايين الناس، داخل إيران وخارجها.
أظهر هذا الحدث أن ولاية الفقيه، على الأقل في تجربة الجمهورية الإسلامية، هي مؤسسة شعبية تمامًا كمؤسستي البرلمان والرئاسة، المرتبطتين ارتباطًا وثيقًا بصناديق الاقتراع. ولاية الفقيه مؤسسة قادرة على توليد الشرعية، ورأس المال الاجتماعي، وثقة الجمهور، والتضامن الوطني. إن علاقة الولاية بالشعب ليست مجرد علاقة أمر وطاعة، بل تقوم على شبكة من الثقة والمودة والشعور بالمسؤولية المشتركة والهوية الجماعية. هذا ما يميزها عن النماذج الكلاسيكية القائمة على الهيمنة أو الاستبداد.
أظهرت جنازة القائد الشهيد أن مؤسسة الولاية قادرة على تعزيز شرعية النظام السياسي وقبوله. ربما لا يستطيع أي رئيس، مهما بلغت شعبيته، تحقيق تعبئة اجتماعية شاملة كهذه على نطاق جغرافي وعاطفي مماثل. لذا، حتى أولئك الذين لا يتفقون مع الأسس النظرية لولاية الفقيه، إذا كانوا مهتمين بتعزيز الشرعية والتماسك الوطني، فإنهم مضطرون إلى أخذ هذه القدرة الاجتماعية على محمل الجد في تحليلاتهم.
يبدو أن أهم أثر لجنازة قائد الثورة الإسلامية الشهيد على العلوم الاجتماعية هو أن السياسة في إيران لا يمكن فهمها فقط من خلال النماذج الغربية التقليدية. فالمجتمع الإيراني لا يزال يتغذى على موارد تاريخية ودينية وحضارية تتجلى بوضوح في المنعطفات الحاسمة.
وقد أفرزت الجنازة الكبرى للقائد الشهيد ثروة من البيانات الجديدة التي تطرح مجموعة من التساؤلات الجديدة لفهم المجتمع الإيراني وإعادة النظر في النظريات الشائعة في العلوم السياسية وعلم الاجتماع".
تحذير ودّي ولطيف!
بدورها، كتبت صحيفة كيهان: "شهد العالم أجمع مراسم التشييع التاريخي والفريد لقائد الثورة وعائلته في إيران والعراق. ولعلّ من أبرز ما تبادر إلى أذهان المشاهدين الأجانب، وحتى الإيرانيين، عند مشاهدة هذه المشاهد المهيبة والمذهلة، هو مدى بُعد ما قيل عن "إمام الأمة الشهيد" و"الجمهورية الإسلامية الإيرانية" خلال سنوات الدعاية عن الواقع، ومدى حبّ الناس لهذا الرجل الحكيم. تخيّلوا لو أُتيحت فرصة إقامة جنازته في دول أخرى كلبنان واليمن وباكستان وغيرها! كم من المشاهد الفريدة الأخرى كان من الممكن أن تُخلق! وقد أعلنت وسائل الإعلام أن أكثر من 40 مليون شخص في إيران والعراق حضروا جنازته، ولو أُتيحت فرصة إقامة الجنازة في دول أخرى، لكان هذا العدد أكبر بكثير.
هناك عدة نقاط جديرة بالذكر في هذا الشأن:
1. لعلّ من أبرز الأكاذيب التي روّج لها العدو على نطاق واسع، وكرّرها مرارًا وتكرارًا، حول الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائد الثورة في السنوات التي أعقبت الثورة، هي نفور الشعب من النظام وقائده، القائد الشهيد. فباستخدام أساليب إعلامية، وميزانيات ضخمة، وإنشاء مئات المنافذ الإعلامية، تمّ التلاعب بالرأي العام إلى حدّ جعل بعض مؤيدي النظام يعتقدون أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية غير شعبية. ولترسيخ هذا الاعتقاد الزائف، استُخدمت العقوبات الاقتصادية أيضًا، حتى لا يساور أحد أي شكّ في ذلك. [...] وقد أظهر الحشد الهائل الذي حضر جنازة الزعيم الشهيد بوضوح خطأ العدو.
2. [...] خلال تلك الجنازات المهيبة، قام ترامب ببعض الأمور المحددة التي من المهم فهمها. أولها أنه بدأ يطلق ألفاظًا نابية متوترة ويكذب صراحةً. ربما كان سبب ردة فعل ترامب المتوترة وغضبه هو رؤية ذلك الحشد الهائل. أدرك ترامب حجم الإهانة التي وجهوها إليه. لو أدرك النرجسيون أن الآخرين يرونه "أحمق"، لغضبوا بالتأكيد! لذلك، إذا أردنا تحليل سلوكه الأخير في إطار علم النفس، يمكننا القول إن جذر إهانات ترامب المتوترة ضد هذا العدد الهائل من السكان وقادة هذا البلد هو، أولًا، أنه أدرك أنه خُدع بتقارير كاذبة ودخل في حرب لم يكن من المفترض أن يقف فيها شعب ذلك البلد إلى جانبه، بل ضده تمامًا، بل وهتفوا بشعار الانتقام. ثانيًا، إن مجرد شعوره بالخداع والإذلال يزعجه. على حد تعبير أحد كتّاب صحيفة واشنطن بوست، "أدرك ترامب الآن مدى خطورة الموقف الذي دخل فيه".
حامي الإسلام وإيران
هذا؛ وكتبت صحيفة إيران: "بعد جنازة ملايين الإيرانيين، والوداع التاريخي الذي خيّم على المدن العراقية من مختلف أنحاء المنطقة، ووري جثمان القائد الإيراني الشهيد الثرى في مرقد الرضوي المقدس.
[...] أظهر الحزن العميق الذي عمّ الإيرانيين وشعوب المنطقة أن استشهاد آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي لم يزل يُدمي قلوب وعقول المحررين، ليس في إيران فحسب، بل في منطقة غرب آسيا بأسرها. عندما وصل جثمان القائد الشهيد إلى العراق، ظنّ العدو أنها فرصة سانحة لتعويض بعض هزائمه. لم يكن يعلم أن الشهيد الخامنئي كان أقوى من "آية الله السيد علي خامنئي"، وأكثر خطورة على أعداء إيران. بعد هذا التقدم الجديد للعدو، نهض أبناء الشهيد خامنئي، وألحقوا بالعدو هزيمة جديدة. لأن استشهاد الإمام الخامنئي لا يعني نهاية خامنئي، بل هو بداية جديدة على درب خامنئي لأبنائه، بعزيمة أشد، وأقدام راسخة، وقبضات قوية.
[...] لقد تحولت هذه الجريمة إلى نقيضها؛ فقد حطمت زجاجة عطر مبادئ آية الله الخامنئي ومعتقداته وإيمانه، وما رآه العدو خلال أيام الجنازة في إيران والعراق كان نتيجة نشر عبير قائد شهيد لم تكن مبادئه استقلال إيران فحسب، بل تحرير الأمم الحرة في العالم من قيود الكبرياء. بعد اغتيال العدو للإمام علي الخامنئي في طهران، بات على إيران مواجهة إرثه في كل مدينة وبلد في غرب آسيا.
[...] لقد غرس القائد الشهيد بدمائه شعلة الاستقلال الإيراني، شعلةٌ عمرها لا يقل عن ثلاثمائة عام في العصر الحديث، وكانت الثورة الإسلامية إحدى أسمى تجلياتها."