عين على العدو
قال أفنير بن زاكِن، وهو مؤرخ العلوم وعضو هيئة التدريس في القرية الأكاديمية أونو ورئيس "معهد الفكر الإسرائيلي"، إن: "بقاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في الحكم طوال هذه السنوات لا يمكن تفسيره فقط بمهاراته السياسية أو ضعف خصومه أو التحولات التي شهدها المجتمع "الإسرائيلي"، كما هو شائع، إنما يرتبط بعامل أعمق يتمثل بتزامن مسيرته السياسية، بصورة تكاد تكون تامة، مع عصر العالم أحادي القطب، حين كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم"، على حد تعبيره.
في مقال له، نشر في صحيفة "هآرتس"، أضاف أن العالم أحادي القطب منح الولايات المتحدة ما وصفه بـ"الامتياز الأندر في السياسة الدولية"، وهو حق ارتكاب الأخطاء من دون أن ينعكس ذلك على مكانتها العالمية، موضحًا أن كل قوة عظمى تخطئ، لكن في غياب منافس قادر على استغلال تلك الأخطاء، فإنها لا تؤدي إلى تغيير ميزان القوى.
تابع زاكن أن هذا الواقع مكّن الولايات المتحدة من خوض حروب طويلة والاحتفاظ بمئات القواعد العسكرية في العالم وتمويل النظام الدولي، وفي الوقت نفسه تقديم دعم يكاد يكون غير مشروط لـ "إسرائيل"، حتى عندما لم يكن ذلك ينسجم ومصالحها.
أردف أن العلاقات الخاصة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة كانت بدورها نتاجًا للنظام العالمي أحادي القطب، موضحًا أن التحالف الاستراتيجي بين الجانبين بُني تدريجيًا، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدءًا بتزويد "إسرائيل" بطائرات "سكايهوك" في العام 1968، ثم تعزز عقب الجسر الجوي للمساعدات العسكرية خلال حرب تشرين الأول 1973، لافتًا إلى أن هذا التحالف بلغ ذروته بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وهي المرحلة التي شهدت أيضًا ذروة نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية "الإسرائيلية" (آيباك) في واشنطن.
كما رأى أن ذلك لم يكن نتيجة تغير في اللوبي نفسه، لأنه كان يعمل في ظل نظام دولي امتلكت فيه الولايات المتحدة ما يكفي من القوة، وما يكفي من هامش الخطأ، لتقديم دعم يكاد يكون غير محدود لـ "إسرائيل" من دون أن تتحمل كلفة استراتيجية، على حد قوله.
بحسب أفنير بن زاكِن، كان نتنياهو الزعيم الذي تلاءمت مزاياه أكثر من أي شخص آخر وتلك الظروف. لذلك طال عمره السياسي أكثر من خصومه جمعيًا. كما كان نتنياهو مستعدًا للوقوف إلى جانب المعسكر المحافظ في الولايات المتحدة، حيث أخذت تيارات القومية البيضاء على أطرافه تزداد قوة، ويخاطر بمواجهة علنية مع أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة، لأنه افترض أن التحالف الاستراتيجي بين الطرفين قوي بما يكفي لتحمّل الاستقطاب المتزايد داخل السياسة الأميركية.
كما قال: "عندما تبنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في العام 2018، موقف نتنياهو وانسحبت من الاتفاق النووي، بدا وكأن الرهان قد نجح. لقد تبنت الولايات المتحدة سياسة اقتربت إلى حد كبير من رؤية حكومة "إسرائيل"، انطلاقًا من افتراض أن نتائجها ستكون محتملة، إلا أن الظروف التي جعلت نتنياهو الزعيم الأكثر ملاءمة لم تعد قائمة. إذ أظهرت الحرب مع إيران أن أميركا لم يعد لديها هامش الحركة الذي تمتعت به طوال ثلاثة عقود منذ حرب الخليج.
ليس من قبيل الصدفة أن يختار روبرت كاغان، وهو المفكر المرتبط أكثر من أي شخص آخر بالمحافظين الجدد الأميركيين وبفكرة الهيمنة الأميركية، عنوان "كش ملك في إيران" للمقال الذي نشره بعد الحرب في مجلة "ذي أتلانتيك". لم يكن ذلك اعترافًا بالهزيمة في الحرب بقدر ما كان اعترافًا من أحد أبرز منظّري مفهوم الهيمنة الأميركية بأن اللحظة الأحادية القطب قد انتهت".
كما أكد أن هامش الخطأ في واشنطن تقلّص، بصورة دراماتيكية، في مواجهة الصين وروسيا والهند وقوى إقليمية أخرى. إذ كل قرار، في الشرق الأوسط، ينعكس اليوم على المنافسة مع بكين وعلى العلاقات مع موسكو وأسواق الطاقة وميزان القوى العالمي. وقد يترتب عليه ثمن باهظ. إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على أن تعد الشرق الأوسط ساحة منفصلة؛ فكل خطوة تُفحص اليوم بكونها جزءًا من صراع أوسع بكثير.
كذلك، أشار إلى أن: "المفارقة هي أن الحرب التي كان المقصود منها كبح إيران تنتهي وإيران تقترب أكثر من أي وقت مضى من مكانة القوة المهيمنة إقليميًا في الخليج. هذا هو بالضبط معنى تقلص هامش الخطأ، فخطوة أعطت في بدايتها انطباعًا بأن الولايات المتحدة قادرة على تشكيل العالم كما تشاء، سرّعت تآكل هامش الخطأ الذي كانت تتمتع به".
خلص المؤرخ الإسرائيلي إلى القول: "لقد انتهى عصر العالم أحادي القطب، ومعه انتهى عصر نتنياهو".