نقاط على الحروف
تدمير المدن والقرى، بشكل ممنهج، ومحو معالمها وتحويلها الى أراض قاحلة يرتبط إرتباطًا وثيقا بمفهوم الإبادة الجماعية وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقب عليها لعام 1948؛ عندما يتقاطع مع نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية.
هذه الممارسات، والتي تشمل التهجير القسري الواسع وتدمير مقومات الحياة الأساسية ومسح البنية التحتية المدنية، تدخل ضمن الأفعال المحظورة قانونًا؛ كونها تستهدف الوجود المادي والاجتماعي للجماعة المقصودة بشكل مباشر.
تندرج ممارسات قوات الاحتلال "الإسرائيلي"، في جرف القبور والاعتداء على المقابر في القرى المحتلة، سواء في جنوب لبنان أم الأراضي الفلسطينية، ضمن استراتيجية عسكرية ونفسية ممنهجة، تتجاوز الأهداف الميدانية المباشرة لترتبط مع أبعاد وجودية ورمزية.
تتلخص الدوافع والأسباب، خلف هذه الممارسات، في الجوانب الآتية، محو الذاكرة الجماعية والتطهير الرمزي؛ حيث المقابر ليست مجرد مساحات لدفن الموتى؛ هي تمثل أرشيفًا حجريًا للانتماء وخرائط عائلية وتاريخية تربط السكان الأصليين بأرضهم؛ لذلك يهدف تجريفها إلى قطع السلسلة الروحية والمادية بين الأحياء وجذورهم وطمس هوية المكان التاريخية. ومنع مقومات العودة وكسر الارتباط بالمكان؛ بتدمير معالم الحياة والقرى، وفي مقدمتها دور العبادة والمقابر. إذ تسعى المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" إلى خلق بيئة طاردة مستقبلًا يصعب على المهجرين العودة إليها أو تعرّف معالم قراهم؛ ما يسهّل فرض وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة وأغراض هندسية وعسكرية ميدانية. إذ، في كثير من الأحيان، يستخدم الجيش "الإسرائيلي" الجرافات العسكرية لتسوية هذه المساحات بالأرض بهدف كشف التضاريس وتأمين تحركات الآليات المدرعة وتدمير أي تحصينات أو مواقع محتملة؛ فضلًا عن تحويل بعض المساحات المرتفعة أو المكشوفة، والتي تضم مقابر أو محيطها، إلى نقاط رصد أو تمركز مؤقتة. والضغط النفسي والمعنوي؛ إذ يشكل الاعتداء على حرمة الموتى حربًا نفسية قاسية تُشن على المجتمعات المحلية وعائلات الضحايا؛ بإمعان الاحتلال في كسر المحرمات الإنسانية والأخلاقية والنيل من رمزية الشهداء والراحلين.
عندما يقترن التدمير المادي الشامل بنية مبيّنة لقطع سبل بقاء السكان ومنع عودتهم؛ بإفراغ الأرض من محتواها البشري والحضاري؛ فان التكييف القانوني يتجاوز مجرد العمل العسكري المدمّر ليرقى الى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والابادة الجماعية. بحسب ما نصت عليه اتفاقيات جنيف وروما.
وبعيدًا عن الدولة التي دفنت رأسها في الوحول الأميركية، يجب على المؤسسات الحقوقية والمعنية بشكل مباشر، مثل البلديات وغيرها، جمع الأدلة وتوثيقها والتحرك باتجاه المؤسسات الدولية ورفع الدعاوى القانونية ضد الاحتلال الصهيوني، على الأقل لحفظ الحقوق القانونية.
إن العمل بالبند الـ١٣ من ما يُسمّى "اتفاق الإطار"، في ظل هذه الانتهاكات الصارخة، يمثل تقييدًا غير مشروع لسيادة الدولة اللبنانية، ويسهم في شرعنة واقع ديموغرافي مفروض بالقوة، ما يستوجب إلغاء هذا البند فورًا، والبدء بإجراءات توثيق دولية لتقديم ملف متكامل أمام المحاكم الجنائية الدولية، لأن الحق في العودة وفي الوجود في الأرض هما حقان غير قابلين للتصرف أو التفاوض، بموجب القانون الدولي..
لذلك كله؛ السؤال: هل الدولة تُعدّ مساهمة في هذا التدمير المنهج؟ أو تدمير الجغرافيا لخلق مشكلة الديموغرافيا؟ .. ثم ماذا عن القضية التي لا تقل خطرًا عما تقدم؛ وهي قضية توطين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية، وأيضًا النازحين السوريين، والسؤال الذي يطرح نفسه على السلطة اللبنانية: هل تستطيع، وهي بهذا الضعف، أن تطلب ترحيلهم إلى الأراضي التي أتوا منها أم ستنصاع للمطالبة الأميركية و"الاسرائيلية"؟ أم أن المشروع الصهيوني بات ينفذ بأدوات لبنانية- صهيونية؟