اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي انتقال من الدفاع إلى الهجوم... إيران لأميركا: نحن مَن يحدّد قواعد اللعبة

مقالات مختارة

هيدغر لم يكتب «ولاية الفقيه»: في تفكيك خلط مصطفى علّوش
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

هيدغر لم يكتب «ولاية الفقيه»: في تفكيك خلط مصطفى علّوش

58

علي محمود هاشم – صحيفة الأخبار

ليس كل مقال يكثر فيه ذكر «الأنطولوجيا» و«العدمية» و«التقنية» مقالًا فلسفيًّا. أحيانًا تتحوّل المصطلحات الفلسفية إلى ستار يخفي وراءه ضعف الحجة وغياب الدليل. وهذا تحديدًا ما يحدث في مقال مصطفى علّوش المُعنون «فلسفة هيدغر في ولاية الفقيه!» (نُشر في «المدن»، 23/7/2026). فالمقال ينطلق من واقعة صحيحة جزئيًّا، هي حضور هيدغر في بعض اتجاهات الفكر الإيراني المعاصر، ثم يبني عليها نتيجة لم يثبتها: أن فلسفة هيدغر استُخدمت لتسويغ ولاية الفقيه وإضفاء الشرعية الفلسفية عليها.

بين المقدّمة والنتيجة توجد فجوة هائلة لم يملأها الكاتب بنصٍّ واحد من الإمام الخميني، ولا بإحالة إلى كتاب فقهي، ولا بعبارة لرضا داوري أردكاني تشتق سلطة الولي الفقيه من «الكينونة»، ولا حتى بفقرة لأحمد فرديد تفسّر ولاية الفقيه من خلال مفهوم التقنية أو الـ«غِشتل» الهيدغري. المقال، في جوهره، يقوم على التداعي الحر: هيدغر أثّر في فرديد، وفرديد أيّد الجمهورية الإسلامية، والجمهورية تعتمد ولاية الفقيه، إذًا هيدغر دخل في ولاية الفقيه. وهذا ليس تاريخًا للأفكار، بل مغالطة في الانتقال من التأثير الثقافي العام إلى النسب الفكري المباشر.

أول ما يكشف ضحالة معرفة الكاتب بهيدغر هو شرحه بين قوسين أن «الكينونة» تعني «الوجود البشري». هذا خطأ ابتدائي لا يقع فيه طالب قرأ الصفحات الأولى من أي مدخل جدّي إلى هيدغر. الكينونة، أي Sein، ليست الوجود البشري، والإنسان ليس هو الكينونة. الكائن الإنساني الذي يدرس هيدغر نمط وجوده يُسمّى Dasein، فيما سؤال الكينونة هو السؤال عمّا يجعل الموجودات مفهومة بوصفها موجودات. بل إن «الفرق الأنطولوجي» بين الكينونة والموجود هو أحد المفاتيح الأساسية في فلسفة هيدغر. مساواة الكينونة بالوجود البشري تمحو في عبارة واحدة المسافة التي أقام عليها هيدغر مشروعه كله.

ليس هذا هفوة لغوية صغيرة. من لا يميّز بين الكينونة والوجود الإنساني لا يستطيع أن يحاكم قراءة الإيرانيين لهيدغر، ولا أن يقرّر من فهمه ومن أساء فهمه. إنه يشبه من يكتب عن ماركس ثم يساوي بين «القيمة» و«سعر السلعة»، أو عن فرويد ثم يعرّف اللاوعي بأنه ما لا يتذكره الإنسان. الخطأ هنا يطاول المفهوم المؤسّس، لا أحد فروع النظرية.

أمّا الخطأ الأكبر فهو تاريخي. ولاية الفقيه لم تظهر بعد ترجمة هيدغر إلى الفارسية، ولم يخترعها أحمد فرديد، ولم تحتج إلى فيلسوف ألماني حتى تدخل الفقه السياسي الشيعي. إنها مسألة نوقشت داخل التراث الأصولي الإمامي، واتّخذت صياغة أكثر منهجية لدى الملا أحمد النراقي في العصر القاجاري، قبل ولادة هيدغر بعقود. ثم قدّم الإمام الخميني نظريته في الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه في دروسه في النجف سنة 1970، أي قبل انتصار الثورة بنحو تسع سنوات، مستندًا إلى أدلة فقهية وكلامية وروائية تتعلق بالنيابة العامة للفقيه، وضرورة تنفيذ الأحكام وإقامة الحكومة في عصر الغيبة. وقد ظلّت حدود الولاية ومعناها موضع خلاف داخلي بين الفقهاء والتيارات الشيعية، لا مسألة محسومة بفلسفة وافدة من ألمانيا.

كان على علّوش، لو أراد إثبات عنوانه، أن يبيّن أين دخل هيدغر في هذا البناء الفقهي. هل استشهد الخميني بـ«الوجود والزمان» في دروس ولاية الفقيه؟ هل استُنبطت نيابة الفقيه من نقد التقنية؟ هل ورد مفهوم «الانكشاف» في المناقشات الدستورية المتعلقة بموقع القائد؟ أين النص الذي يجعل الفقيه تطبيقًا سياسيًّا لـ«راعي الكينونة»؟ لا شيء من ذلك موجود في المقال، لأن ما يدّعيه ليس موجودًا أصلًا بهذا الشكل.

صحيح أن فرديد قدّم قراءة إيرانية لهيدغر، وربط نقد الغرب بفكرة «غربزدگی»، ثم أعلن بعد الثورة أن فكر هيدغر يتوافق مع الروح الأساسية للجمهورية الإسلامية. وهذه واقعة ينبغي عدم إنكارها. لكن قول فرديد إن هيدغر ينسجم مع «روح الجمهورية» لا يعني أن هيدغر هو المصدر الفلسفي لولاية الفقيه. قد يرى قومي أوروبي أن نيتشه ينسجم مع «روح الأمة»، من دون أن يكون دستور بلاده مشتقًّا من «إرادة القوة». وقد يستعمل ماركسي مفاهيم فرويد في تفسير الثقافة من دون أن تصبح نظرية فائض القيمة مشتقّة من التحليل النفسي. ثمّة فرق بين التوظيف البلاغي، والتقاطع المفهومي، والتأثير الثقافي، والتأسيس النظري. مقال علّوش يسحق هذه الفروق كلها ليصنع علاقة سببية من مجرّد التجاور.

والأطرف أن المقال يهدم عنوانه بنفسه. فهو يعترف بأن هيدغر «لم يطرح قط نظرية في الحكم الديني»، وأنه لم يكتب فلسفة للمرجعية الفقهية، ثم يعترف بأن رضا داوري أردكاني «لا يساوي ببساطة بين هيدغر وولاية الفقيه». إذا كان هيدغر لم يضع نظرية حكم، وإذا كان أبرز ممثّلي الهيدغرية الإيرانية لا يشتق ولاية الفقيه منه، فمن أين جاءت «فلسفة هيدغر في ولاية الفقيه»؟ لا يبقى من العنوان سوى الإثارة الصحافية.

ويزداد التلاعب وضوحًا حين يستنجد الكاتب بـ«فصول كامبردج» التي تقول إن فرديد أساء فهم هيدغر، موحيًا بأن الأمر خلاصة أكاديمية مُقرّرة. والحقيقة أن «Fardid Misunderstood Heidegger» ليس حكمًا صادرًا عن جامعة كامبردج ولا إجماعًا لمجموعة من الباحثين، بل عنوان فصل بقلم إحسان شريعتي ضمن قسم يضم حوارات وشهادات متعارضة عن فرديد. والكتاب نفسه يتضمن فصولًا بعناوين مثل «فلسفة فرديد لم تكن سياسية» و«فكر فرديد كان ما بعد حداثي» و«كان فرديد رجلًا عظيمًا وله إخفاقات كثيرة». نشر كامبردج هذه الآراء لا يحوّل كل عنوان منها إلى حكم المؤسسة أو إلى حقيقة نهائية. استعمال اسم دار النشر بدل تعريف القارئ بطبيعة الفصل وصاحبه هو شكل من الاتكاء على الهيبة الأكاديمية لتعويض ضعف الحجة.

بل إن أطروحة علي ميرسباسي التي يعتمد عليها هذا النوع من المقالات ليست محل إجماع. إنها قراءة سجالية ترى أن أيديولوجيا الجمهورية الإسلامية تأثّرت بـ«الحداثة المضادة» الأوروبية وبصورة خاصة هيدغر، وقد أشار بعض مراجعي الكتاب إلى أن المؤلف يسعى إلى إظهار شبه «زرع مباشر» لنقد هيدغر في إيران عبر فرديد. كما وُجّه نقد إلى ادعائه وجود علاقة مباشرة بين فلسفة فرديد والتطورات الاجتماعية والسياسية للثورة، لأن هذه العلاقة تبقى بحاجة إلى برهنة تاريخية أدق. علّوش أخذ أكثر صيغ هذه الأطروحة سجالية، ثم قدّمها كأنها حقيقة انتهى البحث منها.

أمّا إدخال هنري كوربان في السلسلة التي تنتهي بولاية الفقيه، فهو خلط آخر. أسهم كوربان بلا شك في التعريف بالفلسفة الإسلامية الإيرانية، وبالسهروردي والمُلّا صدرا والعالم المثالي والتأويل الباطني، وكان من أوائل مترجمي هيدغر إلى الفرنسية. لكنه قدّم التشيّع أساسًا بوصفه تقليدًا عرفانيًّا وباطنيًّا وروحيًّا، حتى إن الباحثين انتقدوه لأنه بالغ في اختزال التشيّع إلى الباطنية وأهمل أبعاده الفقهية والاجتماعية والسياسية. وقد وُصف مشروعه بأنه بناء للتشيّع بوصفه مشروعًا صوفيًّا وغير سياسي في جوهره. كما توفي كوربان في 7 تشرين الأول 1978، قبل انتصار الثورة وإقرار دستور الجمهورية الإسلامية. تحويل هذا المشروع الروحاني إلى جسر مباشر نحو ولاية الفقيه لا توضحه الوقائع، بل يناقض طبيعة قراءة كوربان نفسها.

ثم يعلن الكاتب أن العرفان الإسلامي «ليس نظرية سلطة، بل تجربة سلوك فردي وروحي ومعرفي». هذه العبارة بدورها تكشف جهلًا بتاريخ مفاهيم الولاية والإمامة والإنسان الكامل والقطب والنيابة في الفكر الإسلامي. لا يعني ذلك أن العرفان ينتج آليًّا دستورًا أو حكومة، لكنه لم يكن دومًا تجربة فردية معزولة عن تصورات السلطة والهداية والتراتبية الروحية. والدراسات المتعلقة بنظرية الخميني تشير إلى أن بناءها استند، بدرجات متفاوتة، إلى التاريخ الشيعي والكلام والعرفان والفقه. المفارقة أن علّوش يبالغ في دور هيدغر الأجنبي، ثم يختزل في الوقت نفسه المصادر الإسلامية الداخلية التي تتيح فهمًا أكثر جدّية لفكر الخميني.

ليس الاعتراض، إذًا، على القول إن هيدغر أثّر في جزء من الفكر الإيراني. هذا صحيح وموثّق. وليس الاعتراض على أن فرديد استعمل نقد الحداثة الغربية ضمن خطاب مؤيّد للجمهورية الإسلامية. هذا أيضًا صحيح. الاعتراض هو على تحويل هاتين الحقيقتين إلى دعوى ثالثة مختلفة تمامًا: أن هيدغر منح ولاية الفقيه أساسها الفلسفي.

لكي تثبت مثل هذه الدعوى، يجب تقديم سلسلة انتقال مفهومية ووثائقية: نصوص هيدغر التي استُعملت، والوسيط الإيراني الذي نقلها، والنصوص السياسية أو الفقهية التي تبنّتها، والكيفية التي غيّرت بها تعريف الولاية أو شرعية الفقيه أو بنية الدولة. لكن المقال لا يفعل ذلك. يستبدل الوثيقة بالتلميح، والبرهان بعبارة «بعض الدراسات»، والنسب الفكري بتشابه المزاج المعادي للحداثة.

الصياغة العلمية المقبولة هي القول إن بعض المثقّفين الإيرانيين استثمروا نقد هيدغر للحداثة والتقنية في بناء خطاب حضاري مُعادٍ للمركزية الغربية، وإن بعض هؤلاء أيّد الجمهورية الإسلامية ومنحها لغة فلسفية إضافية. أمّا القول إن في ولاية الفقيه «فلسفة هيدغر»، فهو تضخيم دعائي لا يصمد أمام أبسط اختبار للمفاهيم أو للتسلسل التاريخي.
إن جهل المقال لا يظهر في أنه انتقد إيران أو ولاية الفقيه؛ فمن حقه أن ينتقدهما كما يشاء. يظهر جهله حين لا يعرف الفرق بين الكينونة والوجود الإنساني، وبين الفقه والعرفان، وبين التأثير والتأسيس، وبين تأييد نظام سياسي واشتقاق نظريته الدستورية، وبين عنوان فصل حواري و«حكم أكاديمي صادر عن كامبردج».

والخلاصة أن هيدغر دخل إيران فعلًا، ودخل النقاش حول الغرب والتقنية والأصالة. لكنه لم يدخل دروس النجف في ولاية الفقيه، ولم يجلس بين النراقي والخميني ليمنحهما نظرية الحكم، ولم تتحوّل «الكينونة» إلى مادة دستورية. الذي فعل ذلك هو مقال مصطفى علّوش وحده: اخترع الصلة أولًا، ثم أمضى معظم مقاله في الاعتراف بأنها غير موجودة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة