مقالات مختارة
محمد رضا صادقي – صحيفة الأخبار
وصلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى أشدّ مراحلها حرجاً. وكانت شبكة «سي أن أن» الأميركية قد أفادت بأن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد أعلن بدء الحملة الجديدة تحت عنوان «Day-D الاقتصادي» (Economic D-Day، والتسمية مستلهمة من عملية إنزال النورماندي في الحرب العالمية) و«عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast) لإغلاق الشرايين المالية والعملاتية كافة لإيران وبشكل كامل.
وقد أدى الحصار والعقوبات إلى انخفاض حجم الصادرات والواردات الرسمية لإيران بنسبة 35% تقريباً، وزيادة الضغوط التضخمية على المعيشة الداخلية. كما أكد عبد الناصر همتي، المحافظ العام للبنك المركزي الإيراني، أن البلاد تواجه عدة تحديات متزامنة تشمل «أقصى درجات العقوبات، الحصار البحري، انقطاع الصادرات النفطية، والعجز الشديد في الميزانية». كما يوضح بيان وزارة الخزانة الأميركية الصادر في 24 آب أن واشنطن فرضت عقوبات على 60 فرداً وكياناً مالياً، ومدّت نطاق الضغوط إلى شبكات الصرافة في دبي وفرع «بنك مصر» في الإمارات، محاولةً بذلك إغلاق آخر منافذ التسوية المالية بالعملات الأجنبية لإيران.
الحدود البرية والمناطق الشمالية
على الرغم من الضغوط الشديدة في الجنوب، فإن الموقع الجيوسياسي لإيران حال دون الشلل التام للتبادلات التجارية. وكان علي مدني زاده، وزير الاقتصاد الإيراني، قد أشار في تصريحات بتاريخ 27 أيار بأن الاستراتيجية الأساسية للحكومة هي التحول التجاري نحو الحدود البرية الممتدة على طول 6000 كيلومتر وموانئ بحر قزوين التي يبلغ طولها 700 كيلومتر. يُنظر إلى المعابر البرية، كـ«كابيكوي–رازي» مع تركيا، ومحاور الترانزيت المنطلقة من موانئ گوادر وكاراتشي في باکستان، على أنها مسارات بديلة لواردات البضائع. وفي الشمال، بات معلوماً استمرار تنشيط التبادلات مع روسيا ودول آسيا الوسطى عبر بحر قزوين. ووفق تقارير، يتيح ميناء تشابهار، باعتباره نقطة ارتكاز لممر الملاحة الدولي شمال-جنوب (INSTC)، وبسبب وقوعه على ساحل بحر عمان وخارج نطاق حصار مضيق هرمز، إمكانية وصول إيران الترانزيتي إلى أسواق الهند وآسيا الوسطى.
شريان الترانزيت السككي وإعادة ضبط التجارة مع الصين
يشكل استمرار التعاون التجاري مع بكين الركيزة الأساسية لمرونة إيران. وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن حركة قطارات البضائع في الممر السككي الممتد بطول 10 آلاف كيلومتر بين المدن الصناعية الصينية (مثل شيان وييوو) وطهران قد زادت من قطار واحد أسبوعياً إلى قطار كل 3 إلى 4 أيام. وينقل هذا المسار السككي البضائع خلال 12 إلى 15 يوماً، وهو أسرع بكثير من المسار البحري الذي يستغرق شهراً كاملاً. ووفقاً لتقرير «أورآسيا ريفيو»، بدأ عبر هذه الشبكة السككية — بالإضافة إلى استيراد القطع الصناعية — تصدير المنتجات البتروكيماوية، القطران، والشحنات التجريبية من النفط الخام بواسطة صهاريج السكك الحديدية. ومن الناحية السياسية، أعلن لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، في 25 آب أن التعاون بين الصين وإيران يتم دائماً في إطار القوانين الدولية وينبغي ألا يتعرض للعرقلة. كما أفاد معهد دراسة الحرب (ISW) أن إيران تمكنت عبر هذه الممرات من تأمين المواد الأساسية مثل بيركلورات الصوديوم لصناعاتها الحساسة.
رغم أن المسارات البرية حالت دون العزلة التامة إلا أنها تواجه قيوداً جادّة
وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، استناداً إلى بيانات معهد «كبلر»، أن الصين استوردت من إيران منذ بداية عام 2026 ما يقارب 1.2 مليون برميل نفط يومياً. وتم شراء الجزء الأكبر من هذا النفط بواسطة مصافي القطاع الخاص الصيني (Teapot) وعبر عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في المياه الماليزية، وتتم التسوية المالية خارج نطاق الدولار وبواسطة اليوان والعملات المشفرة. ويُعزى عدم فرض الخزانة الأميركية عقوبات على البنوك الحكومية الصينية الكبرى إلى خشية البيت الأبيض من إغضاب بكين عشية اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في 24 أيلول، وإلى أوراق الضغط الصينية المتمثلة في تعليق قيود تصدير «المعادن النادرة».
الدور الاستراتيجي لروسيا وقمة شانغهاي
أصبح الاتحاد الروسي، إلى جانب القوى الأوراسية الأخرى، الركن الأساسي للمرونة الجيوسياسية الإيرانية. لقد شارك مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإيراني، في قمة قادة منظمة شانغهاي للتعاون (SCO) في بيشكيك لإجراء مشاورات مكثفة لجلب المساعدات الاقتصادية وتفعيل آليات تبادل جديدة. وقد سرعت روسيا ترانزيت البضائع الأساسية والمعدات إلى موانئ أنزلي وأمير آباد من خلال زيادة خطوط الملاحة في بحر قزوين، وتتم التسوية المالية بالكامل على أساس الروبل والريال. ووفقاً لتقرير «هندوستان تايمز»، تم وضع تطوير ممر شمال-جنوب على جدول الأعمال الرئيسي للقمة المقبلة لقادة «بريكس» في الهند.
ويظهر تحليل المسارات البديلة أن المسارات البحرية التقليدية في الخليج خضعت لأشد أنواع الحصار، وانخفض تحميل النفط الخام في آب إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يومياً، رغم أن إيران حافظت على جزء غامض من الصادرات باستخدام أسطول الظل. في المقابل، وفر المسار البحري لبحر قزوين تبادلات آمنة لدخول الحبوب، وعزز الممر السككي الممتد بطول 10 آلاف كيلومتر مع الصين التجارة البرية بتسويات اليوان، كما تعوض المعابر البرية مع تركيا وباكستان النقص في البضائع الأساسية عبر ترانزيت يستغرق من 3 إلى 7 أيام.
التحديات البنيوية، الفجوة في واشنطن، واقتصاد الحرب
رغم أن المسارات البرية حالت دون العزلة التامة، إلا أنها تواجه قيوداً جادة. وحذر مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، من أن تكلفة النقل البري تبلغ 4 إلى 5 أضعاف المسار البحري، وأن سعة القطارات لا يمكنها استبدال الموانئ الجنوبية بالكامل. ومع ذلك، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي في 28 آب أن إيران تمكنت خلال فترة وقف إطلاق النار من «كسر الحصار البحري» وباعت ما بين 70 و80 مليون برميل نفط من مخزوناتها العائمة فوق الماء. ومن جهة أخرى، كشف مركز «سوفان» وصحيفة «واشنطن بوست» أن كبار القادة العسكريين الأميركيين أعلنوا في رسالة رسمية إلى بيت هيغسيث، وزير الحرب، أن استمرار الحصار العسكري ضد إيران أصبح «غير قابل للاستمرار» وأنه يعرّض الجاهزية القتالية للقوات الأميركية للخطر أمام المنافسين الآخرين.
خاتمة: الآفاق الاستراتيجية
يُظهر رصد الأخبار والتطورات أن الحرب الاقتصادية والحصار البحري للولايات المتحدة، رغم تسببهما في التضخم وتكاليف الترانزيت الباهظة، لم يحققا هدفهما في شل حركة إيران. إنّ العمق الجيوسياسي لإيران، والاعتماد على 6000 كيلومتر من الحدود البرية، والمشتريات المستمرة للصين بواقع 1.2 مليون برميل اعتماداً على ورقة ضغط المعادن النادرة، والدعم الترانزيتي والمالي لروسيا، قد شكلت جميعها نموذجاً للمرونة في مواجهة «Day-D الاقتصادي». وستعتمد استمرارية هذا التوازن على قدرة إيران على إدارة تكاليف الترانزيت البري ومدى ثبات التحالف الشرقي في مواجهة الجولة الجديدة من النزاعات العسكرية في الخليج.