اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حزب الله يدين اقتحام عصابات المستوطنين عدة قرى قرب نابلس: جريمة جديدة ضدّ الإنسانية

نقاط على الحروف

 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 "نيترات الأمونيوم" في حولا.. إعلام التلفيق: "إجت الرزقة"

"نيترات الأمونيوم" في حولا... حين يبحث الإعلام عن الفتيل قبل الحقيقة
189

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

يوم الثلاثاء الماضي، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) أنها عثرت على نحو 4 أطنان من مادة "نيترات الأمونيوم" شديدة الانفجار في بلدة حولا. الخبر المذكور تلقفته وسائل إعلام لبنانية على قاعدة "إجت الرزقة". ليس المهم التدقيق في الجهة المالكة، الاتهامات جاهزة غب الطلب، والمطلوب إسقاطها على حزب الله. كيف لا؟ وهذه الوسائل تعمل منذ فترة على تحضير حملة "خبيثة" لشنها على حزب الله في ذكرى انفجار المرفأ في 4 آب. لذلك تجد فيها "فرصتها" بعدما استنفدت خلال 6 سنوات كل أنواع الكذب والحيل والسيناريوهات. وبما أنّ الحملة مجهّزة سابقًا، فليس المطلوب وفق قناعات هذه الوسائل سوى "تدعيمها" بـ "الخبرية الطازجة" للإيحاء بأنّ "نيترات حولا" الجنوبية جزء لا يتجرأ من "نيترات المرفأ". وعليه، تنفّست هذه الوسائل الصعداء على قاعدة: أخيرًا زهق الباطل، وانتصرت العدالة، والمتهم كما أعلنا مرارًا وتكرارًا هو حزب الله. وذلك بدل أن يكون المتهم الأساس والأول هو العدو "الإسرائيلي" الذي يعبث في تلك المناطق، فتعمل هذه الوسائل مع الأسف إلى تبرئة العدو واتهام جهة لبنانية ظلمًا وافتراء. 

وهكذا تحول خبر "نيترات الأمونيوم" سريعًا إلى مادة جاهزة لبناء روايات واتهامات باطلة من بنات أفكار مروجيها الذين ــ يا للأسف ــ لا يعملون وفق ذهنية الإعلام، فهذا الأداء لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد خطأ مهني ناتج عن التسرع في النشر، بل يثير تساؤلات أوسع حول وظيفة بعض الوسائل الإعلامية وحدود التزامها بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للصحافة التي باتت في أسفل السافلين. فعندما تُقدَّم فرضية غير مثبتة باعتبارها حقيقة، ثم تُبنى عليها عناوين وتحليلات واستنتاجات سياسية، يصبح الخبر أداة لخدمة سردية مسبقة أكثر منه وسيلة لنقل الوقائع. وتتحول وظيفة الإعلام من البحث عن الحقيقة إلى البحث عمّا يدعم رواية جاهزة، حتى لو استدعى ذلك القفز فوق قواعد التحقق المهني وإهمال المعطيات التي قد تناقضها. لذلك، لم يكتف بعض الإعلام برشّ البهارات على "الملح الأبيض" كما يُعرّف "نيترات الأمونيوم"، بل أضاف إليه اتهامات جاهزة، ليقدّم للجمهور طَبَقًا من السرديات السياسية. وأمام هذا الأداء، تبدو مختلف هذه الوسائل الإعلامية "ساقطة" بكل المعايير، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تعمد فيها إلى نشر روايات سرعان ما تتهاوى أمام الوقائع، دون مراجعة أو اعتذار. ومع تكرار هذا النمط، لا يعود السؤال عن دقة خبر بعينه، بل عن مدى التزام هذه الوسائل أصلًا بوظيفتها الأساسية: نقل الحقيقة كما هي، لا كما تقتضيها السرديات السياسية.

لكن الوقائع لم تسر في الاتجاه الذي أرادته تلك الوسائل على قاعدة "حبل الكذب قصير"، فقد أصدرت بلدية حولا بيانًا نفت فيه الروايات التي جرى تداولها، وحمّلت العدو الإسرائيلي المسؤوليّة الكاملة والمباشرة عن إدخال هذه المواد. كذلك، أهابت بالوسائل الإعلامية كافة توخي الدقة ونقل الأخبار بموضوعية ومهنية بعيدًا عن الأهواء السياسية. قبل أن يُقرّ جيش الاحتلال رسميًا بأن المواد تعود إليه، مدعيًا أنها استُخدمت لأغراض عملياتية وتدمير بنى تحتية تابعة لحزب الله. وفي السياق، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر مطلع أن الحاويات التي ضُبطت كانت تحمل كتابات باللغة العبرية، في معطى إضافي يناقض السردية التي رُوّج لها منذ اللحظة الأولى. ولم تقتصر الوقائع على البيانات الرسمية، بل عززتها أيضًا شهادات ميدانية من أبناء البلدة. فقد أكد أحد أصحاب المحال التجارية المتضررة في حولا، أن قوات الاحتلال استخدمت هذه المواد في تفجير محال ومنازل داخل البلدة، ومنها محله. أكثر من ذلك، فالمكان وباعتراف المواطن كان قد خضع  بعد انتهاء حرب 2024  للكشف والمعاينة من قبل مجلس الجنوب وجهاد البناء بعد الأضرار التي طالته، ولم يُعثر فيه حينها على أي مواد من هذا النوع.

وبانكشاف الوقائع، لم يعد السؤال عمّا إذا كانت الرواية التي رُوّج لها صحيحة أم لا، بل كيف صُنعت هذه الرواية أصلًا، وكيف انتقلت فرضية غير مثبتة إلى عناوين جازمة وتحليلات سياسية جاهزة خلال ساعات قليلة. وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التوقف عند مضمون التغطية الإعلامية نفسها، لرصد آليات التأطير والانتقاء والربط التي اعتمدتها تلك الوسائل في تقديم الخبر، وكيف تحوّل حدث ميداني إلى مادة تخدم سردية سياسية محددة.

النهار: من الخبر إلى الاتهام

البداية مع صحيفة "النهار" التي منحت الخبر موقع الصدارة، فوضعت على صفحتها الأولى وبالمانشيت العريض سؤالًا: "حزب الله يخزّن نيترات الأمونيوم جنوبًا؟". ورغم أن العنوان صيغ على هيئة سؤال،  فإن العنوان الثانوي في الصفحة الداخلية كان مباشرًا وواضحًا في اتهامه، حيث عنونت "4 آلاف كيلوغرام من نيترات الأمونيوم في الجنوب تعيد فتح ملف انفجار المرفأ ومسؤولية "حزب الله"". كذلك، فإنّ متن الخبر اتجه منذ فقراته الأولى إلى ترجيح فرضية محددة، من خلال ربط العثور على المادة مباشرة بذكرى انفجار مرفأ بيروت، وإعادة استحضار الاتهامات السابقة التي وُجهت إلى حزب الله، قبل الانتقال إلى القول إن المادة التي عُثر عليها في حولا "من المرجح أنها تعود إلى حزب الله، إذ لا تملك أي جهة أخرى القدرة على استيرادها ونقلها وتخزينها دونه".

ولا يبدو هذا الربط اعتباطيًا، بل يندرج ضمن ما تعرفه نظريات الإعلام بـ"التأطير الإعلامي"، حيث لا يُكتفى بعرض الحدث، وإنما يُقدَّم داخل إطار تفسيري محدد يدفع المتلقي إلى فهمه من زاوية بعينها. فبدل الاكتفاء بنقل إعلان "اليونيفيل" وما تضمنه من معلومات، عمدت الصحيفة إلى استحضار ملف انفجار المرفأ والاتهامات المرتبطة به، بما يوجه القارئ منذ اللحظة الأولى نحو استنتاج سياسي معين، رغم أن الوقائع المتوافرة آنذاك لم تكن تحسم هوية الجهة المالكة للمواد. واللافت أن الخبر لم يكتف بعرض الوقائع، بل تجاوزها إلى بناء استنتاجات قطعية استندت إلى ترجيحات وافتراضات، قبل أن تظهر لاحقًا معطيات وبيانات ناقضت هذه الرواية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بالفصل بين الخبر والرأي، وبين المعلومة المثبتة والاستنتاج السياسي، وهو ما أسلفناه سابقًا. 

المركزية: من حولا إلى المرفأ... الاتهام الباطل أولًا

ولم تقتصر هذه المقاربة على صحيفة "النهار"، بل انتقلت إلى وسائل أخرى أعادت إنتاج السردية نفسها، مستفيدة من التوقيت الزمني المرتبط بالذكرى السنوية لانفجار مرفأ بيروت. فقد تعاملت بعض التغطيات مع العثور على المواد في حولا لا بوصفه حادثة منفصلة تحتاج إلى التحقق من تفاصيلها وهوية الجهة المسؤولة عنها، خاصة في ظل الاحتلال "الإسرائيلي" المستمر لهذه المنطقة، بل باعتباره امتدادًا مباشرًا لملف المرفأ، من خلال استدعاء ذاكرة الانفجار وإعادة طرح الاتهامات الباطلة والسابقة قبل اكتمال المعطيات.

ويظهر ذلك بوضوح في تقرير موقع "المركزية"، الذي اختار عنوانًا لافتًا: "القرار الاتهامي في ملف المرفأ على همّة النيابة التمييزية... الحقيقة آتية!"، ثم ربط في مقدمته بين العثور على نيترات الأمونيوم في حولا وبين انفجار المرفأ، مضيفًا: "تردَّد أنها تعود إلى حزب الله"، قبل أن يقدم هذه الفرضية ضمن سياق سياسي وقضائي أوسع.

ولا تكمن الإشكالية هنا في استحضار ملف المرفأ بحد ذاته، وهو ملف لا يزال مفتوحًا أمام القضاء، بل في الانتقال من معلومة أولية حول العثور على مواد متفجرة إلى بناء رابط اتهامي معقد يقوم على الترجيح والاستنتاج، بما يجعل القارئ أمام إطار تفسيري محدد قبل اكتمال التحقيقات أو ظهور أي دليل حاسم حول الجهة المالكة للمواد.

 "MTV": سؤال غير بريء 

ولم تكتفِ قناة الـ "MTV" بعرض الخبر، بل اختارت له عنوانًا يحمل دلالات تأطيرية واضحة: "نيترات حولا من نيترات المرفأ؟". ورغم أنه جاء بصيغة السؤال، فإنه يربط في ذهن المتلقي بين الواقعة الجديدة وانفجار مرفأ بيروت. والسؤال هنا لا يؤدي وظيفة الاستفهام المجرد، بقدر ما يستحضر إطارًا تفسيريًا قائمًا، ويدفع الجمهور إلى قراءة الحدث من خلاله، حتى في غياب أي معطيات أو نتائج تحقيق تربط بين الواقعتين.

وقد قالت القناة حرفيًا في مقدمتها: "برز خبر أمني لافت، فقد عثرت اليونيفيل على 4 آلاف كيلوغرام من مادة الأمونيوم أثناء عملية تفتيش قرب حولا الحدودية، فلمن هذه "النتيرات"؟ هل هي "إسرائيلية" كما تدل الكتابات عليها أم أنها لجهة أخرى؟". ومن هنا، فإن طرح السؤال بصيغة "لجهة أخرى" لا يُقرأ بمعزل عن السياق التراكمي لهذه القناة، حيث دأبت الـ "MTV" في تغطيتها لملف انفجار مرفأ بيروت على توجيه الاتهامات "الملفقة" إلى حزب الله أو الإيحاء بمسؤوليته، ما يدل حتمًا على أنّ السؤال غير بريء مطلقًا بل توجيه للمشاهد لاستحضار سردية "خبيثة" لطالما روّجت لها. وبهذا المنطق يحق لأي كان أن يسأل: هل نيترات القيادي في القوات اللبنانية ابراهيم الصقر من نيترات المرفأ؟. 

الحدث: الأحجية تتحوّل إلى اتهام

وتحت عنوان: ما الرابط بين ما تم اكتشافه في جنوب لبنان ونيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت؟" ــ بما يفترض وجود علاقة بين الواقعتين قبل إثباتها ــ فتحت قناة الحدث السعودية هواءها لخدمة السردية التي لطالما روّجت لها عبر اتهام حزب الله بانفجار المرفأ. فنبشت ضيفها فارس خشان لتسمع ما تهوى وتريد ويحلو لها علّها تصل إلى استنتاج يربط نيترات حولا بنيترات المرفأ ثمّ بحزب الله، كما يدور في مخيلة المعنيين في القناة. ويظهر ذلك بوضوح من خلال مسار الحوار، إذ انتقل النقاش سريعًا من سؤال الجهة المالكة للمواد التي عُثر عليها في حولا إلى استحضار ملف انفجار المرفأ، رغم أن الضيف نفسه أقرّ في بداية حديثه بأن القضية "أحجية" وأن المعطيات لا تسمح بحسم الجهة التي تعود إليها هذه المواد.

 بعدها، يبدأ الرجل بالتماهي رويدًا رويدًا مع سردية مستضيفيه، فيسأل: هل هناك من دخل إلى هذه المنطقة تسللًا وترك كميات تلو الكميات حتى يقوم بعملية ضد الجيش "الإسرائيلي" فيها فتكون والحالة هذه لحزب الله؟. يرسم المتحدث سيناريو خيالي جدًا، فمن يعلم جغرافية المنطقة هناك يعلم أن الفرضيات التي تدور في رأسه بعيدة كل البعد عن الواقع، وغير قابلة للتحقيق. ويكمل سرديته ليخلص إلى أن القضية ليست هنا، القضية هذه تعيدنا طبعًا إلى مرفأ بيروت، إلى انفجار الرابع من آب/أغسطس 2020. ويشدّد على هذا الاستنتاج فيقول:" طبعاً تعيدنا إلى بيروت نعم. فهي المواد ذاتها.. نحن نكتشف يعني يومًا بعد يوم، ويكتشف الجميع أن نيترات الأمونيوم هو للاستخدام العسكري، ونحن نعرف بغض النظر لمن تعود هذه الكمية، نحن نعرف أنه في العام 2006 وضع حزب الله كمائن للجيش "الإسرائيلي" بـ 5000 كيلو من المتفجرات، كانت كل عبوة 5000 كيلو من المتفجرات تستعمل الأمونيوم. وبالتالي حزب الله يستخدم هذه المادة".

ويظهر في الحوار أيضًا أسلوب آخر من أساليب "التأثير" الإعلامي، يتمثل في الانتقال من الوقائع المحدودة إلى تعميمات أوسع؛ فالعثور على كمية من المواد في موقع محدد يتحول إلى مدخل للحديث عن احتمال وجود كميات أخرى في أماكن مختلفة،  لبناء سردية أوسع. وفي هذا السياق، يتنفس المذيع الصعداء ويسأل ضيفه: أفهم من حديثك بالرجوع ولإنعاش الذاكرة بانفجار مرفأ بيروت، أنك تشير إلى أنه ربما هنالك عبوات ما زالت موجودة في مناطق متفرقة يملكها حزب الله من المواد ذاتها وتشكل خطرًا حتى الآن؟ يرد خشان: بطبيعة الحال، بطبيعة الحال..  نيترات الأمونيوم يتم استخدامه في العبوات الناسفة الضخمة، يعني من خلالها تصنيع الأفخاخ، ويستخدم في شق الأنفاق".

وعليه، يُختتم النقاش بإعادة إنتاج الربط بين نيترات حولا وانفجار المرفأ، وبطرح أسئلة ذات حمولة سياسية تتعلق بمسؤولية حزب الله عن امتلاك هذه المادة واستخدامها.  

نداء الوطن: التأطير عبر الذاكرة

أما في صحيفة "نداء الوطن"،  ورغم أنّ المعالجة أتت مختلفة نوعًا ما عما سبق من حيث الشكل، إذ بدأ النص بعنوان خبري مباشر: "اليونيفيل تعثر على نحو 4 آلاف كيلوغرام من نيترات الأمونيوم في حولا"، دون إدخال اسم حزب الله في العنوان أو تحويل الخبر منذ بدايته إلى اتهام سياسي. كما نقل الموقع مضمون بيان "اليونيفيل" وتفاصيل العثور على الحاويات، قبل أن يورد معطيات أخرى مرتبطة بالمكان والظروف المحيطة بالحادث؛ بالرغم من ذلك، فإن قراءة مضمون التقرير تكشف استمرار حضور بعض عناصر التأطير التي ظهرت في تغطيات أخرى، ولا سيما من خلال استحضار انفجار مرفأ بيروت في خاتمة المادة، وربط مادة نيترات الأمونيوم بالذاكرة الجماعية للانفجار، حيث قالت الصحيفة :"ويرتبط نيترات الأمونيوم في ذاكرة اللبنانيين بانفجار مرفأ بيروت المدمّر الذي تحل ذكراه السنوية السادسة الأسبوع المقبل"، ما يسهم في إبقاء مادة نيترات الأمونيوم داخل الإطار الذهني المرتبط بانفجار المرفأ، ويعيد تنشيط الاتهامات الباطلة السياسية والإعلامية التي التصقت بهذا الملف، دون أن يقدم التقرير أي معطيات جديدة تبرر هذا الربط في سياق الخبر نفسه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة