اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "فايننشال تايمز" تدق ناقوس الخطر: انخفاض حاد في مخزون النفط الأميركي

نقاط على الحروف

علي وحسين وخليل في مرآة الـ
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

علي وحسين وخليل في مرآة الـ"MTV" 

130

دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال 

في الجزء الأول، تناولنا الإطار العام الذي ينطلق منه هذا المقال، وأوضحنا كيف يتعارض برنامج "SHI ع MTV" مع المبادئ التي تقوم عليها المسؤولية الاجتماعية للإعلام، من خلال تكريس صورة نمطية لفئة اجتماعية بعينها. كما خلصنا إلى أن الصورة التي يرسمها البرنامج للبيئة الشيعية لا تبدو انعكاسًا لواقعها بتنوّعه، بقدر ما تقدّم نموذجًا انتقائيًا يُختزل في مجموعة من الصفات السلبية، بما يجعله أقرب إلى الصورة التي يريد البرنامج ترسيخها في أذهان المشاهدين منها إلى الواقع نفسه.

أما في هذا الجزء، فننتقل من الإطار النظري إلى التطبيق العملي، كي لا يبقى الحديث في السياق الاتهامي، عبر قراءة تحليلية لعيّنة من "اسكتشات" الحلقات الثلاث الأولى لبرنامج "SHI ع MTV" الذي يُعرض على قناة  الـMTV ، بهدف رصد الأنماط المتكررة في بناء الشخصيات، وتحليل الرسائل الضمنية التي يحملها الخطاب الكوميدي الذي يستهدف البيئة الشيعية في لبنان ويُصوّرها على أنها وبمختلف مكوناتها بؤرة تخلف ورجعية وجهل واعتداء على القانون وما إلى هنالك من الصفات الموجودة في أمنيات "ورأس" القيمين على  قناة المر، فيهدف المقال من خلال تحليل المضمون إلى الكشف عن الكيفية التي تُعاد بها صناعة هذه الصورة النمطية وتكريسها داخل البرنامج، ما يُبيّن خروج القناة المذكورة عن كافة القواعد وأخلاقيات المهنة الإعلامية، في سياق اتهامات باطلة و"خبيثة" و"مسمومة" لا تمت للواقع بصلة. 

حلقة رقم 1

رسم الشخصية قبل أن تبدأ الأحداث

منذ المشهد الافتتاحي، لا يترك البرنامج للمشاهد مجالًا للتساؤل حول طبيعة الشخصية التي يريد تقديمها. فالحلقة تبدأ بشاب يدعى "وهاب جعفر" يقود سيارته وهو يستمع إلى لطمية دينية "لبيك حيدر.. علي علي علي"، ويتحدث بلهجة بعلبكية، وعندما يصل إلى مدخل قناة MTV ويُسأل إلى أين يقصد، يجيب: "مش هيدي الـMTV؟". يكتشف بعدها طبيعة المكان، فيسارع إلى إيقاف اللطمية واستبدالها بأغنية فرنسية، ويتحدث باللغة الفرنسية، فيتغير تعامل عنصر الأمن معه فورًا، ويرحب به للدخول.

يبني المشهد مفارقة كوميدية على أساس أن الانتماء الديني والثقافي الذي تعكسه اللطميات واللهجة يشكلان عائقًا أمام دخول القناة، وأن الطريق إلى القبول يمر عبر التخلي عن هذه الهوية واستبدالها بصورة مختلفة. وتقوم النكتة هنا على ربط الهوية الشيعية بصورة نمطية، ثم السخرية منها عبر الإيحاء بأن إخفاءها هو السبيل إلى الاندماج.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يدخل البرنامج شخصية أخرى تحمل اسم "علي"، تصل على دراجة نارية، تعتدي على فتاة أثناء مرورها، ثم تترجل وهي تحمل سلسلة حديدية (جنزير)، مبررة ذلك بأنها تستخدمها لقفل الدراجة لأن ثلاث دراجات سُرقت منها سابقًا. وعلى الرغم من أن المشهد يبدو في ظاهره موقفًا يوميًا، فإنه يجمع في شخصية واحدة أكثر من سمة سلبية؛ من الاعتداء على الآخرين إلى العنف، وصولًا إلى ربطها الدائم بالأدوات التي توحي بالخشونة والخطر.

وفي مشهد لاحق، يصل شاب آخر يعرّف عن نفسه باسم "علي المولى"، ويلقي التحية قائلًا: "بونجور ورحمة الله وبركاته"، قبل أن يسأل عن الإعلامي جو معلوف، ويطلب من عنصر الأمن أن يبلغه رسالة تحمل طابعًا تهديديًا: "قلّه علي المولى صار هون... وفهمك كفاية". ويستخدم البرنامج هنا الاسم والتحية الدينية لبناء شخصية توحي بالترهيب والنفوذ.

ويبلغ المشهد ذروته عندما يقف شخصان يراقبان دخول هذه الشخصيات إلى القناة، فيسأل أحدهما الآخر: "شو عم يصير؟"، فيجيبه: "الظاهر صار في شيعة على MTV". وفي اللحظة نفسها، يظهر صوت طائرة مسيّرة في السماء، فيعلّق أحدهما: "خد على MK هلق"، في إحالة مباشرة إلى الطائرات المسيّرة وربطها بحضور الشخصيات الشيعية.

ولا يغفل المشهد حتى عن الإشارة إلى الهوية المختلطة، فعند بوابة التفتيش يرن جهاز الكشف مع إحدى الفتيات بطريقة مختلفة، فيعلّق أحدهم: "صلّوا على النبي... أبوها مسيحي وأمها شيعية". وهنا تتحول حتى الإشارة التقنية الساخرة إلى وسيلة لتمييز الشخصية انطلاقًا من انتمائها الطائفي.

ومن خلال تجميع هذه المشاهد في افتتاحية واحدة، لا يكتفي البرنامج بتقديم شخصيات مختلفة، بل يرسم إطارًا ذهنيًا متكاملًا، تُربط فيه الهوية الشيعية بمجموعة من السمات المتكررة، مثل العنف، والتهديد، والتناقض، والخداع، والطائرات المسيّرة. ومن منظور تحليل المضمون، فإن أهمية هذا المشهد لا تكمن في كل لقطة على حدة، بل في اجتماع هذه الدلالات داخل المشهد الافتتاحي، بما يجعله يؤسس منذ الدقائق الأولى للصورة النمطية التي سيعيد البرنامج إنتاجها في بقية الحلقات.

حلقة رقم 2

مشهد الثراء الوهمي... عندما تتحول اللهجة إلى رمز للسخرية

في مشهد آخر، تقف المذيعة إلى جانب سيارة رباعية الدفع من طراز "G-Class" موديل 2023، وتتساءل عن هوية صاحبها. تقترب من شاب يتحدث بلهجة بعلبكية واضحة وتسأله عن عمله، فيجيب بأنه يعمل في "الغولد، البورصة، مضيق هرمز"، مضيفًا أنه يخسر "مليوني دولار" كلما أُغلق المضيق. وعندما تسأله كيف يتعامل مع هذه الخسارة، يجيب ساخرًا: "عادي... أكزاناكس". ثم تطلب منه نصيحة للشباب، فيطلق عبارة تبدو فارغة المعنى: "الحياة مدرسة وملعب والشاطر يلعب".

لكن المفارقة التي يبني عليها المشهد تأتي في نهايته؛ إذ تبتعد المذيعة عن الشاب، فيتجه إلى سيارة قديمة بالكاد تعمل، ويضطر إلى دفعها بنفسه، قبل أن تعلّق قائلة: "كذّاب ومكتر".

ظاهريًا، يبدو المشهد سخرية من شخص يدّعي الثراء، إلا أن بناء الشخصية لا يأتي عشوائيًا. فالبرنامج يحرص على إسنادها إلى شاب يتحدث بلهجة بعلبكية، ويُقحم في حديثه إشارات سياسية واقتصادية مرتبطة بمضيق هرمز، ثم ينتهي بكشفه على أنه شخص كاذب يعيش على المبالغات والأوهام.

وبذلك، لا تبقى السخرية موجهة إلى سلوك فردي، بل تتحول إلى بناء صورة نمطية تربط شريحة اجتماعية محددة بالادعاء والتباهي والافتقار إلى المصداقية. وتكرار هذا النمط في أكثر من حلقة يجعل اللهجة والانتماء الجغرافي عنصرين أساسيين في صناعة الشخصية الكوميدية، بما يتجاوز النقد الاجتماعي إلى ترسيخ دلالات سلبية مرتبطة ببيئة بعينها.

"علي" والقانون... و"علي" والانتهازية

في مشهد آخر، يظهر موظفان في إحدى الشركات بعد تلقيهما رسالة إلكترونية من قسم الموارد البشرية تتضمن تعميمًا يمنع الحديث في السياسة داخل مكان العمل. وما إن تمر لحظات حتى يسأل الموظف الذي يحمل اسم "علي" زميله عن آخر تطورات المفاوضات السياسية، فيقاطعه زميله "جاد" مذكّرًا إياه بالتعميم، فيرد "علي" مستغربًا: "إنت من النوع اللي بيلتزم بالقوانين؟".

ينتقل المشهد بعدها إلى موقف آخر، إذ يطلب "جاد" من "علي" سيجارة وقدّاحة، فيسأله الأخير: "شو بتعطيني بالمقابل؟". وعندما يجيبه زميله بأنهما زميلين في العمل، يرفض إعطاءه السيجارة، ثم يشعلها ويدخنها بنفسه أمامه.

المشهد لا يقدّم مجرد شخصية بخيلة أو انتهازية، بل يختار لها اسمًا محددًا يتكرر في أكثر من "اسكتش" داخل البرنامج، فاسم "علي" لا يبدو اختيارًا عابرًا، بل يتحول إلى شخصية نمطية تُسند إليها باستمرار صفات سلبية، من مخالفة الأنظمة إلى الأنانية والبحث عن المنفعة الشخصية حتى في أبسط المواقف اليومية.

ومع تكرار هذا البناء الدرامي في حلقات متعددة، يصبح الاسم وما يحمله من دلالة اجتماعية جزءًا من الرسالة الكوميدية نفسها، بحيث تُربط هذه الصفات تدريجيًا في ذهن المشاهد بصورة فئة اجتماعية بعينها، لا بشخصية خيالية مستقلة. وهنا ينتقل البرنامج من السخرية من سلوك فردي إلى تكريس صورة نمطية تُنسب، بصورة ضمنية، إلى جماعة كاملة.

المرض بوصفه وصمة... وربط الاسم بالبيئة

في "اسكتش" آخر، يظهر شاب يحمل اسم "خليل" داخل إحدى الصيدليات بانتظار دوائه، قبل أن تدخل فتاة ويتبادل معها الحديث. وبعد لحظات، يصل الطبيب أو الصيدلي ويناديه قائلًا: "هيدا دوا الجرب"، فتتفاجأ الفتاة، وتردّ باستنكار: "جربان؟".

تعتمد الحبكة الكوميدية هنا على إحراج الشخصية أمام الآخرين عبر ربطها بمرض جلدي يحمل في الثقافة الشعبية دلالات سلبية مرتبطة بالقذارة أو انعدام النظافة. إلا أن اللافت أن البرنامج لا يختار الأسماء بصورة عشوائية، بل يكرر استخدام أسماء مثل "علي" و"حسين" و"خليل"، وهي أسماء ترتبط في الوعي اللبناني، بدرجات متفاوتة، بالبيئة الشيعية.

وبذلك، لا تصبح النكتة موجهة إلى موقف فردي أو شخصية خيالية، بل تُسهم، مع تكرار هذا النمط في حلقات مختلفة، في بناء صورة نمطية تربط أبناء هذه البيئة بصفات أو مواقف سلبية، سواء تعلقت بالعنف أو الجهل أو المرض أو غيرها من السمات التي تتكرر ضمن السياق الكوميدي.

ومن منظور تحليل المضمون، فإن أهمية هذا المشهد لا تكمن في المزحة بحد ذاتها، بل في تراكم الرسائل المتشابهة عبر الحلقات؛ إذ تُستدعى الأسماء نفسها، والبيئات نفسها، لتكون حاملة للصفات السلبية، بينما لا تُسند هذه الصفات إلى شخصيات تنتمي إلى بيئات أخرى. وهنا تتحول الكوميديا من السخرية من موقف عابر إلى آلية لإنتاج صورة ذهنية متكررة عن فئة اجتماعية بعينها.

حلقة رقم 3

المصطلحات ليست بريئة

تبدأ الحلقة رقم 3 بمشهد تؤدي فيه مراسلة دور صحفية تكتب تقريرًا إخباريًا، فتستخدم عبارة "الجيش الإسرائيلي"، ليعترضها شاب من الجنوب مطالبًا باستبدالها بعبارة "العدو الإسرائيلي". ثم تعود لتستخدم عبارة "سيطر على مناطق"، فيطلب منها استبدالها بكلمة "احتل". إلا أن المراسلة ترفض ذلك، مؤكدة أنها "تكتب الأخبار كما تعتمدها القنوات العالمية"، وأن العمل الصحفي يقوم على الوقائع لا على "وجهات النظر والعواطف".

وبغضّ النظر عن النقاش المهني حول المصطلحات، فإن بناء المشهد يقدّم الشخصية الجنوبية بوصفها عاجزة عن الفصل بين الموقف الشخصي والعمل الإعلامي، مقابل تقديم المراسلة باعتبارها النموذج المهني والعقلاني. وهنا لا تكون السخرية موجهة إلى شخص بعينه، بل إلى نموذج يرتبط في ذهن المشاهد ببيئة اجتماعية وسياسية محددة، متناسيًا كاتب النص أن لا حياد بين القاتل والضحية، كما لا حياد بين الشر والخير. 

ربط البيئة الشيعية بالعنف

في "اسكتش" آخر، يظهر شاب يشكو من تعرضه للضرب باستمرار، فيُقال له: "علي فرحات عم ياكل قتلة بوجود علي المولى"، قبل أن يتبين أن من يعتدي عليه شخص يرتدي قبعة خضراء وينتمي تنظيميًا إلى حركة أمل، كما يعبّر الممثل.

المشهد لا يقدّم حادثة فردية، بل يوظف رموزًا سياسية معروفة ليبني صورة ذهنية تربط البيئة الشيعية بالعنف الداخلي، بحيث يصبح الانتماء التنظيمي جزءًا من النكتة، وليس مجرد خلفية للمشهد.

 الطفل الشيعي وصورة السلاح

أما في فقرة مخصّصة للأطفال، فتظهر المفارقة بصورة أوضح. يُطرح على طفل من الأشرفية يدعى جورج سؤال عن شخصية "ميكي ماوس"، ويُسأل طفل آخر من الدكوانة يدعى إيلي عن السمك وأفلام الكرتون، وهي أسئلة تتناسب مع عمرَيهما.

لكن عندما يحين دور طفل يُدعى حسين، يبلغ من العمر تسع سنوات ومن منطقة حارة حريك، يتغير نوع الأسئلة بالكامل، إذ يُسأل: "قدّيش بتاخد معك وقت لتفك وتجمع الكلاشنكوف يا كبير؟"، فيجيب: "دقيقتين ونص".

هنا لا تقوم النكتة على اختلاف الشخصيات، بل على ربط طفل ينتمي إلى منطقة ذات غالبية شيعية بالسلاح بصورة تلقائية، في مقابل أطفال آخرين ارتبطت أسئلتهم بعالم الطفولة والهوايات. وبهذا ينتقل البرنامج من السخرية من سلوك فردي إلى إنتاج صورة نمطية تُسقط على فئة اجتماعية كاملة.

إناء "الإم تي في" ينضح بما فيه

في الخلاصة، تشير نتائج تحليل المضمون إلى أنّ البرنامج يوظف القالب الكوميدي بطريقة تتجاوز الوظيفة الترفيهية إلى بناء "اسكتشات" تتعارض مع المبادئ المهنية التي تؤكدها نظريات الإعلام، وفي مقدمتها المسؤولية الاجتماعية واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي. فينضح إناء "الإم تي في" بما فيه، من جهل وعنف ورجعية وحقد، وبما تتمناه هذه القناة فعلًا للنموذج الشيعي، وتطمح إليه في سياق حربها المدفوعة والمموّلة لتشويه صورة البيئة الشيعية الشريفة والمقاومة والمتعلّمة. وهنا من المفيد للقيّمين على البرنامج التدقيق في نتائج الامتحانات الرسمية جيدًا خلال السنوات الماضية، ليعلموا -وهم يعلمون ضمنًا- من يحتل المراتب الأولى في لبنان، وأين تكمن النسبة الأعلى لحملة شهادات الدراسات العليا، مع احترامنا لكافة الطوائف الأخرى. 

في الختام، ستخيب هذه القناة كما خابت في السابق، ولن تفلح في مهمتها الخبيثة، بل سيبقى علي وحسين وخليل وغيرهم مدعاة للشرف في لبنان.

الكلمات المفتاحية
مشاركة