اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كاريكاتور العهد

مقالات مختارة

بدء العدّ العكسي لنهاية الـ60 يومًا| إيران تطلق معركة الخسائر البيئية: التعويضات حقنا
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

بدء العدّ العكسي لنهاية الـ60 يومًا| إيران تطلق معركة الخسائر البيئية: التعويضات حقنا

48

محمد خواجوئي – صحيفة الأخبار
تتحوّل معركة مضيق هرمز إلى مواجهة مركّبة تتجاوز البعد العسكري، وسط حرب سرديات بين واشنطن وطهران، واستثمار إيراني متزايد للملف البيئي والانسداد الدبلوماسي لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض رؤيتها لنظام ملاحي جديد.

لا تقتصر معركة مضيق هرمز على الميدان العسكري فحسب، بل تمتدّ لتتجلّى في صورة حرب سرديات محتدمة؛ فبينما يحاول الرئیس الأمیرکي، دونالد ترامب، فرض واقع افتراضي يدّعي فيه «السيطرة الكاملة» على الممرّ المائي، تشنّ إيران هجوماً مضادّاً مستمرّاً على تلك الرواية، واصفةً إياها بأنها نتاج «معلومات مضلّلة» تعكس ارتباك الإدارة الأميركية.
وفي هذا السياق، جاء ردّ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عبر منصّة «إكس»، على المزاعم الأميركية، التي أرجعها إلى «ضعف استخباري» مزمن يؤدّي إلى «سوء تقدير استراتيجي» متكرّر. وحذّر عراقجي القادة الأميركيين من أن «ما هو أسوأ من الأخبار المزيّفة هو المعلومات المزيفة. احذروا»، في إشارة إلى أن واشنطن تبني سياستها على أوهام استخباراتية، تماماً كما فعلت في تقديراتها قبيل الحرب الأخيرة.

ولم يكن الخطاب العسكري أقلّ حدة؛ إذ وصف المتحدّث باسم «مقرّ خاتم الأنبياء المركزي»، إبراهيم ذو الفقاري، مزاعم ترامب بشأن حركة الملاحة في المضيق بأنها «كذبة مفضوحة»، لا تعدو كونها تعبيراً عن «حال الاستعصاء والعجز» التي يعيشها الجيش الأميركي. وأكد ذو الفقاري أن السيادة في «هرمز» هي أمرٌ واقع لا جدال فيه، مشيرًا إلى أن الجمهورية الإسلامية تدير حركة الملاحة هناك بالكامل، ولا يمكن لأيّ ناقلة نفط أو سفينة تجارية العبور من دون «التصريح والإشراف المباشر» من «الحرس الثوري الإيراني». في الاتجاه نفسه، وبما يعزّز الموقف المتناغم بين رأس الدبلوماسية والقيادة العسكرية، أكد رئيس منظمة «الباسيج» الجديد، حسين طائب، أن المضيق يخضع لإدارة طهران الكاملة، وأن البلاد تمضي في مسارها الأمني والسيادي بعيداً عن ضجيج «الحروب النفسية» الأميركية.
في هذا الوقت، بدا أن واشنطن تواجه أيضاً مشاكل لوجستية تُضاف إلى ما كُشف سابقاً عن نقص الذخائر؛ إذ أفادت تقارير صحافية أميركية بأن ظروف المعيشة على حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» التي ترابط قبالة إيران، تثير مخاوف في شأت وضع القوات على متنها. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين القول إن واشنطن سترسل حاملة الطائرات «جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط لتحلّ محل «لينكولن». لكن المسؤولين أضافوا أنه «تمّ التخطيط لعملية التبديل قبل إثارة المخاوف بشأن ظروف المعيشة على لينكولن». ومع ذلك، قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، إن «واشنطن ستواصل الحصار على إيران طالما تطلّب الأمر». وادّعى «أننا قادرون على مواصلة الحصار على إيران».

وبالتوازي مع السجال الإيراني ـ الأميركي حول مضيق هرمز، أضافت قضية التلوّث النفطي على السواحل الإيرانية والعُمانية بعداً جديداً إلى الأزمة المفتوحة في المنطقة. فمنذ يومَين، رُصدت بقع نفطية سوداء على السواحل الجنوبية لجزيرة قشم، عند مدخل المضيق، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى أن مصدر هذا التلوّث هو سفينة شحن سائب ترفع العلم الليبيري، كانت تعرّضت للاستهداف في الثالث من آب الجاري، قبالة «هرمز»، فيما لا تزال أعمال التنظيف والمعالجة البيئية للآثار الناجمة عن استهدافها متواصلة. وذكرت وكالة «إيسنا» أن مساحة التلوّث المرصودة على السواحل الجنوبية للجزيرة تُقدّر بنحو 32 ألف متر مربع. وبالتزامن مع ذلك، امتدّ تسرّب نفطي آخر من ناقلة تابعة لـ«أسطول الظلّ» الروسي، كانت قد جنحت منذ 30 حزيران الماضي قرب الجزر العُمانية، إلى سواحل السلطنة جنوب المضيق. وتحمل الناقلة نحو 130 ألف طنّ من النفط الخام، فيما توسّعت البقعة النفطية الناتجة من جنوحها، حتى الآن، إلى أكثر من 600 كيلومتر مربع.

التلوّث النفطي في المضيق يمنح طهران مسوغًا حقوقيًا لتقاضي رسوم عبور


ويبدو أن طهران قرّرت تحويل ظهور البقع النفطية تلك، إلى وثائق إدانة قانونية وسياسية. فبالنسبة لإيران، يمثّل هذا التلوّث نموذجاً من آثار عقود من الاستنزاف الذي تسبّبت به السفن والناقلات الأجنبية، ممّا يمنح طهران مسوّغاً حقوقياً للمطالبة بـ«رسوم ترانزيت» وتعويضات بيئية. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لتربط مباشرة بين الوجود العسكري الأميركي وبين تفاقم التلوّث البحري في الخليج ومضيق هرمز. وعليه، طالب بقائي بإدراج «جبر الخسائر البيئية» من قِبل الدول المستفيدة من الممرّ المائي، ضمن أيّ ترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق.
وتزامن هذا التطوّر مع استمرار المفاوضات الإيرانية - العُمانية لبلورة آلية رقابة جديدة تتجاوز البُعد الأمني لتشمل حماية البيئة، والخدمات البحرية، ومكافحة الجرائم المنظّمة. ومن الواضح أن طهران، التي تربط إعادة فتح «هرمز» بإنهاء الحرب والحصار البحري الأميركي، وجدت في ملفّ التلوث النفطي ورقة ضغط إضافية؛ فهي من جهة تعزّز موقعها التفاوضي أمام «المجتمع الدولي»، ومن جهة أخرى، تؤسّس لشرعية «النظام الملاحي الجديد» الذي تطمح إلى فرضه تحت إشرافها المباشر، بعيداً عن الوصاية الأميركية التي باتت طهران تصفها بـ«العبء البيئي والأمني» على المنطقة.

وفي ظلّ العدّ العكسي الذي يسبق انتهاء مهلة الـ60 يوماً لمذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية، قبل نهاية الأسبوع الجاري، لا يزال الغموض يكتنف مصير «هدنة» بدت هشّة منذ لحظة ولادتها. ورغم التحرّكات المكثّفة التي تقودها الأطراف الوسيطة، لا سيما باكستان، في محاولة أخيرة لانتزاع تمديد إضافي لـ60 يوماً أخرى، إلا أن الصمت الرسمي ظلّ سيّد الموقف، ما يعكس استمرار استعصاء الحل. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، أمس، أن إسلام آباد تبذل جهوداً دبلوماسية دؤوبة في محاولة لخفض التصعيد، إلا أن هذه المساعي تصطدم بجدار من انعدام الثقة.
والواقع أن المذكرة التي وُقّعت في 18 حزيران الماضي، لم تعُد اليوم تتجاوز كونها «حبراً على ورق»؛ إذ تآكلت بنودها وتلاشت مفاعيلها، ما يجعل الحديث عن «انهیار» أمراً واقعاً لا يحتاج إلى تأكيد. وإذ كان مأمولاً من هذا الاتفاق أن يفتح مضيق هرمز، وينهي الحصار البحري، ويمنح طهران استثناءات لبيع نفطها، مع الإفراج عن أموالها المجمّدة، وصولاً إلى إطلاق مفاوضات شاملة حول الملف النووي، فإنه على أرض الواقع، لم يترجَم أيٌّ من هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية، مما يكرّس القناعة في طهران بأن واشنطن، كعادتها، لم تكن تبحث عن «تسوية» بقدر ما كانت تسعى إلى «شراء الوقت».
ويُسقط فشل المذكّرة في تحقيق أدنى التزاماتها، ورقة التوت عن التوجّهات الأميركية، ويضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، لا تبدو إيران، التي أعادت ترتيب بيتها العسكري الداخلي، في خضمّها، في وارد تقديم تنازلات إضافية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة