اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تهديد إيراني أم فخ "إسرائيلي"؟ قصة الهروب السري لترامب

مقالات

من فلسطين إلى لبنان: محاولة استنساخ نموذج إدارة الاحتلال
🎧 إستمع للمقال
مقالات

من فلسطين إلى لبنان: محاولة استنساخ نموذج إدارة الاحتلال

96

يستحضر الخطاب الأميركي الحالي تجاه لبنان والاحتلال "الإسرائيلي" لمناطق في الجنوب، في بعض جوانبه، نمطًا سبق أن ظهر طويلًا في مقاربة واشنطن للقضية الفلسطينية. فعلى مدى عقود، حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة، قبل التحولات التي رافقت وصول دونالد ترامب، على إبقاء فكرة «التسوية» و«الأفق السياسي» حاضرة في خطابها. وحتى عندما كانت الوقائع الميدانية تسير في اتجاه مغاير لهذا الخطاب، كانت واشنطن تؤكد رفضها للوقائع التي يفرضها الاحتلال. وفي هذا الإطار، جاء رفضها الدائم لضم الضفة الغربية، كما امتنعت طويلًا عن نقل سفارتها إلى القدس، بما أبقى على الانطباع بأن الاحتلال القائم منذ عام 1967 هو وضع مؤقت يُفترض أن ينتهي ضمن تسوية سياسية لاحقة.

لكن المشكلة لم تكن في الخطاب الأميركي وحده، بل في الوظيفة السياسية التي أدّاها هذا الخطاب. فالإبقاء على أفق تفاوضي نظري سمح، عمليًا، بإدارة الاحتلال بدل إنهائه. وبينما كانت التسوية تُقدَّم بوصفها المسار الواقعي الوحيد، كانت الوقائع على الأرض تتراكم بصورة تدريجية، فتتغير الجغرافيا والديمغرافيا وموازين القوة، إلى أن أصبح ما كان يُفترض أنه «مرحلة انتقالية» واقعًا أكثر رسوخًا وتعقيدًا.

هنا تكمن إحدى أهم العبر بالنسبة إلى لبنان. فأنصار اتفاق أوسلو دافعوا، في حينه، عن خياراتهم بالاستناد إلى مبرر موازين القوى، وبالقول إن البديل عن التسوية غير موجود، وإن الممكن أفضل من المستحيل. غير أن هذا المنطق تحوّل، مع مرور الوقت، من حجة مرحلية إلى بنية سياسية كاملة: كل تنازل جديد يُبرَّر بضعف موازين القوى، وكل تأخير في إنهاء الاحتلال يُقدَّم بوصفه ثمنًا لا بد منه للحفاظ على «العملية السياسية»، فيما كانت عناصر القوة الفلسطينية تتآكل تدريجيًا، وتتقلص مساحة الخيارات المتاحة.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب من المقاربة الأميركية للبنان اليوم. فالخطاب الأميركي يؤكد عدم قبوله باحتلال "إسرائيلي" دائم للأرض اللبنانية، لكنه يربط الانسحاب "الإسرائيلي" بمسار تدريجي، وبإجراءات لبنانية تتصل بالأمن، ودور الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم الوضع الحدودي. وهذه الصيغة تبدو، في ظاهرها، متوازنة: انسحاب "إسرائيلي" في مقابل ترتيبات أمنية وسيادية لبنانية. إلا أن جوهرها يتمثل في تجريد لبنان من المقاومة، وجعله مكشوفًا أمام الأخطار الاستراتيجية والوجودية، فضلًا عن غياب أي ضمانات فعلية لانسحاب "إسرائيلي"، بعدما ربطت قيادة العدو وجود قواتها في سورية ولبنان وغزة بتحولات جذرية في العقيدة الأمنية "الإسرائيلية".

ويبدأ الخطر عندما يتحول الاحتلال من مشكلة يُفترض إنهاؤها بذاتها إلى ورقة تفاوضية تُستخدم لإعادة تشكيل الوضع الداخلي اللبناني. عندها يصبح الانسحاب "الإسرائيلي" مشروطًا بتحولات سياسية وأمنية داخلية، بدل أن يكون نتيجة مباشرة لعدم شرعية الاحتلال. وهكذا يدخل الوجود العسكري "الإسرائيلي" في صلب المعادلة اللبنانية الداخلية، لا بوصفه اعتداءً خارجيًا ينبغي إنهاؤه، بل كعامل ضغط يُستفاد منه لدفع لبنان نحو ترتيبات يراها الخارج أكثر ملاءمة لأمن "إسرائيل".

وهنا تظهر أوجه الشبه الأعمق مع التجربة الفلسطينية. ففي الحالتين، لا يُقال إن الاحتلال دائم، بل يُقدَّم بوصفه وضعًا مؤقتًا مرتبطًا بعملية سياسية. ولا يُلغى مبدأ السيادة أو الدولة، بل يُؤجَّل تحقيقه الكامل إلى حين استيفاء مجموعة من الشروط الأمنية والسياسية. وخلال هذه المرحلة الانتقالية، يصبح الطرف الواقع تحت الاحتلال مطالبًا بإثبات أهليته للسيادة، فيما يحتفظ الطرف المحتل بقدر واسع من حرية الحركة والقوة والضغط.

لكن أخطر ما في استنساخ هذه التجربة ليس التشابه في اللغة، بل في منطقها السياسي. فالتجربة الفلسطينية أظهرت أن «المؤقت» قد يتحول إلى دائم إذا لم تقترن العملية السياسية بآليات ملزمة، وجداول زمنية واضحة، وضمانات فعلية تمنع الطرف الأقوى من تحويل الوقت إلى عنصر قوة إضافي. كما أظهرت أن اختلال ميزان القوة يجعل المفاوضات، إذا لم تُحط بقيود حقيقية، أداة لإدارة النزاع أكثر من كونها أداة لإنهائه.

لذلك، فإن السؤال اللبناني لا ينبغي أن يُختزل في القبول أو الرفض المجرد لأي تسوية، بل في طبيعة التسوية نفسها: هل تضع الاحتلال في خانة المشكلة التي يجب إنهاؤها، أم تحوّله إلى أداة لإعادة هندسة الداخل اللبناني؟ هل تجعل الانسحاب حقًا غير مشروط، أم مكافأة مؤجلة مرتبطة بسلوك الأطراف اللبنانية؟ وهل تقود إلى استعادة السيادة، أم إلى إعادة تعريف السيادة بما ينسجم، أولًا، مع متطلبات الأمن "الإسرائيلي"؟

من هنا، يمكن القول إن ما يجري ليس مجرد تكرار لعبارات أميركية قديمة، بل محاولة لاستنساخ منطق سياسي سبق اختباره في الحالة الفلسطينية: إبقاء وعد التسوية حاضرًا، ورفض الاحتلال الدائم نظريًا، مع تحويل الزمن والاشتراطات الأمنية وموازين القوة إلى أدوات لإدارة الاحتلال وإعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة به. وبالتالي، فإن الدرس الفلسطيني الأهم بالنسبة إلى لبنان هو أن الخطر لا يكمن فقط في الاحتلال المباشر، بل أيضًا في تحويله إلى جزء من «عملية» طويلة تسمح له بإنتاج وقائع سياسية جديدة من دون ضمانات لانتهائه. ووفق الإطار الثلاثي القائم، فإنه لن ينتهي. لذلك، فإن الخيار الذي انتهجته السلطة عقيم في ذاته، فضلًا عن كونه خطيرًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة