اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كاريكاتور العهد

مقالات مختارة

تدمير معتقل الخيام:
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

تدمير معتقل الخيام: "إسرائيل" تغتال الذاكرة أيضًا

55

غادة حداد - صحيفة "الأخبار"

دمر الاحتلال أخيراً معتقل الخيام بشكل كامل، هذا الموقع الذي ارتبط بالاعتقال والتعذيب خلال احتلال الجنوب. بعد التحرير، تحوّل المعتقل إلى موقع للذاكرة، يحفظ شهادات الأسرى وآثار التجربة التي عاشوها. لكن هدمه يزيل شاهداً مادياً على الذاكرة، ويجعل توثيقها أكثر اعتماداً على الشهادات والصور والوثائق، ويفرض هيمنة جديدة في تحديد ما يبقى من التاريخ، وما الذي يختفي منه.

أظهرت صور التقطتها الأقمار الاصطناعية التي نشرت في بداية الشهر الحالي، تدمير الاحتلال "الإسرائيلي" الكامل لمعتقل الخيام في جنوب لبنان. هذا المبنى الذي شهد سنوات من التعذيب والتعدي على الجنوبيين من قبل القوات "الإسرائيلية" وعملائها في لبنان، خصوصاً «جيش لبنان الجنوبي» المعروف بـ «جيش لحد».

من ثكنة فرنسية إلى التدمير

كان المعتقل في الأصل ثكنةً عسكرية بُنيت خلال الانتداب الفرنسي، وتحول عام 1985 إلى مركز الاعتقال والتعذيب والاستجواب الرئيسي في المنطقة، بإدارة «جيش لبنان الجنوبي». هنا، مارس الاحتلال أشكالاً عدة من التعذيب، من الصدمات الكهربائية، والضرب بالكابلات والأسلاك، والتعليق من اليدين أو من السقف، والحرمان من النوم والطعام والماء، والحبس الانفرادي لفترات طويلة، والتهديد بإيذاء أفراد العائلة، والتعرية والإذلال، واستخدام الماء أثناء التعذيب، والحبس في زنزانات ضيقة ومظلمة، والحرمان من العلاج الطبي.

أغلب مَن مرّوا على هذا السجن كانوا من اللبنانيين، وكانوا مقاومين أو تعاونوا مع المقاومة. كما اعتُقل داخله ما لا يقل عن 130 امرأة وطفلاً، من دون محاكمة، ومُنعوا من التواصل مع محامين. وبشكلٍ عام، تتضارب الأرقام حول عدد الأسرى الذين مروا على المعتقل، وهي تراوح بين 2000 و5000 أسير. كما لم يُسمح للصليب الأحمر الدولي بزيارة الأسرى قبل تشرين الأول (أكتوبر) عام 1995، بعد ضغوط دولية.

عند تحرير الجنوب، هبّ الجنوبيون إلى المعتقل لتحرير الأسرى من زنازينهم. خلعوا الأبواب وحطّموا بعضها، ولم يفكّروا في البحث عن مفاتيحها. كان المعتقل كابوساً ثقيلاً في ذاكرة الجنوبيين، واقتحامهم له كان انفجاراً لغضبٍ متراكم، بحجم ما اختزنه المكان من قهر وتعذيب وإذلال.

بعد التحرير، تحول المعتقل إلى موقع للذاكرة وموقع يوثّق تجربة المعتقلين والتعذيب والاحتلال. وهذا ما يحاول الاحتلال جاهداً منع توثيقه، فهو يقدم نفسه «الدولة» الديمقراطية والحضارية الوحيدة في الشرق، وتعمل ماكينته الدعائية على نفي أو تبرير الجرائم التي يرتكبها. لهذا، لجأ خلال حرب تموز (يوليو) 2006 إلى قصف المعتقل وتدمير جزء منه، قبل أن يمحي أثر المبنى في هذه الحرب. بقي الموقع شاهداً على مرحلة الاحتلال، وجاء تدميره الكامل اليوم ليزيل ما تبقى من البناء.

القيمة التاريخية

لا تتمثل قيمة هذا المبنى بالبناء، أو بفكرة أنّ سجناً قد دُمّر. هو يختزن تاريخاً من الاحتلال وممارساته في الجنوب، وبقاؤه يعني الحفاظ على توثيق لحقبة امتدت لخمسة عشر عاماً في الخيام.

كان لمعتقل الخيام، وغيره من معتقلات الاحتلال، قيمة تاريخية بما اختزنته من الذين مرّوا فيها، وما تعرضوا له في داخلها، وما مثّله وجودهم فيها من علاقة قوة ومقاومة. فالسجون تُعرَف بمن اعتُقل فيها، لا بالسجّان، فهو قد يتغيّر، والنظام السياسي قد يسقط، والاحتلال قد ينسحب، لكن هوية المكان التاريخية تبقى مرتبطة بمن احتُجز فيه، وبسبب احتجازه، وبما تعرّض له.

تأتي قيمة معتقل الخيام من الأسرى، من قصصهم وآلامهم، ومن كونه أداة في منظومة الاحتلال والسيطرة على الجنوب. بعد انتهاء الحروب وسقوط الأنظمة، بقيت معتقلات ومراكز التعذيب لارتباطها بتاريخ المعتقلين والضحايا.

معتقلات للذاكرة

في بولندا، تحوّل أوشفيتز، أحد أكبر مجمّعات معسكرات الاعتقال والإبادة النازية، إلى متحف يوثّق قتل أكثر من مليون شخص، معظمهم من اليهود. ويحافظ على أجزاء أساسية منه، من الثكنات، والأسلاك الشائكة، والأرصفة، وغرف الغاز، والمحارق وغيرها. وتؤكد اليونسكو أنّ بقاء هذه العناصر المادية هو الذي يمنح الموقع قدرته على تقديم دليل أصلي ومباشر على الجريمة، وتعتبره «مكاناً أساسياً للذاكرة البشرية» ونقل المعرفة إلى الأجيال المقبلة، وتحذّر من أخطار الأيديولوجيات المتطرفة وإنكار الجرائم ضد الإنسانية.

تأتي قيمة المعتقل من الأسرى، من قصصهم وآلامهم

وفي الأرجنتين، تحولت مدرسة الميكانيكا البحرية التابعة للأرجنتين (ESMA) إلى أحد أهم مراكز الاعتقال السري والتعذيب والقتل خلال الدكتاتورية العسكرية بين عامَي 1976 و1983. واعتُقل فيها أكثر من 5 آلاف شخص، وتعرض المعتقلون للتعذيب والاختفاء القسري، وارتُكبت فيها أيضاً جرائم مرتبطة بسرقة أطفال المعتقلين. وبعد سقوط النظام، حُفظ المبنى، وأصبح متحفاً وموقعاً للذاكرة، ودليلاً قضائياً، إذ كان محمياً منذ عام 1998 بسبب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت فيه، ومُنعت التغييرات التي يمكن أن تمحو آثاره.

وفي تشيلي، حُفظت فيلا غريمالدي، أحد أهم مراكز الاعتقال والتعذيب السرية التابعة لدكتاتورية أوغستو بينوشيه، وسُجن فيها نحو 4500 معتقل سياسي، واختفى 228 منهم بحسب المجلس الوطني للآثار في تشيلي.

العلاقة المادية مع السجون

ترتبط قيمة الجدران بقدرتها على الشهادة. فالسجون هي بناء مادي لعلاقة السلطة. في معتقل الخيام، لم تكن الجدران منفصلة عن منظومة الاحتلال التي أنشأته وأدارته، وكان التعذيب في صلب تلك المنظومة. كان المعتقل جزءاً من آلية السيطرة على الجنوب، ومن محاولة إخضاع من قاوم الاحتلال أو تعاون مع المقاومة، وانتزاع المعلومات منه وكسر إرادته وعزله عن محيطه.

لن يؤدي هدمه إلى محو ما حدث من الذاكرة، لكنه يغيّر طبيعة الأدلة التي يمكن الاستناد إليها، ليصبح ما حدث معتمداً أكثر على شهادات المعتقلين، وعلى الرواية الشفوية والوثائق والصور. وذلك ضمن آلية سيطرة جديدة، بفعل احتلالٍ جديد. الأول ينشئ معتقلاً، ويعذّب ويعتدي على الكرامة الإنسانية للجنوبيين، والاحتلال الثاني يسعى جاهدًا إلى محو أثر جرائمه، في محاولة لإعادة كتابة تاريخ الجنوب بشكلٍ عام.

يفرض تهديم المعتقل سؤالاً حول من يملك السلطة على الذاكرة نفسها. وفي حالة معتقل الخيام، تبدو المسألة أكثر وضوحاً. فقد درس الباحث أحمد بيضون المعتقل بوصفه موقعاً تتقاطع فيه الذاكرة مع السياسة، مشيراً إلى محاولات التلاعب بتاريخ المعتقل واحتكار كتابته، وإلى ضرورة الحفاظ على آثاره في مواجهة محاولات المحو وإعادة صياغة تاريخه. ويحدد بيضون ثلاثة مصادر أساسية يمكن من خلالها حفظ ذاكرة المعتقل، مقابلات مع المعتقلين السابقين، والأرشيفات، المكان المادي للمعتقل.

بدورها، تناولت الباحثة مادونا كالوسيان معتقل الخيام بوصفه موقعاً تتقاطع فيه الذاكرة مع التمثيل السياسي والبصري، وترى أن تاريخه خضع لعمليات من إعادة التشكيل والتأويل من جانب جهات سياسية مختلفة. وبذلك لا يتعلق الصراع حول الموقع ببقائه المادي فقط، بل أيضاً بمن يملك القدرة على تحديد معناه، وأي روايات وتجارب تصبح جزءاً من الذاكرة العامة وأيها تُهمَّش أو تُستبعد.

فالمجتمعات لا تتذكر كل شيء بالطريقة نفسها، ولا تُعرض كل روايات الماضي في المجال العام بالقدر نفسه. هناك دائماً اختيارات تتعلق بما يُحفظ، وما يُعرض، وما يتحول إلى نصب أو متحف، وما يُدرّس أو يُؤرشف، وما يبقى خارج الرواية العامة. وبقاء المكان لا يفرض بالضرورة رواية واحدة، بل يبقي أمام الأجيال مادة يمكن رؤيتها وقراءتها ومساءلتها ومقارنتها بالشهادات والوثائق.

الكلمات المفتاحية
مشاركة