مقالات مختارة
خضر خروبي- صحيفة "الأخبار"
فتح الانسحاب الأميركي من العراق نقاشاً واسعاً داخل واشنطن حول كلفة عقدين من الوجود العسكري هناك. وفي وقت تتقدّم فيه إيران في حسابات ما بعد الانسحاب، ترى قراءات أميركية أن تقليص الحضور العسكري والدبلوماسي يعكس ابتعاداً عن المنطقة.
أثار إعلان انتهاء مهام «التحالف الدولي لمحاربة داعش» من العراق، وما رافقه من تأكيد خروج القوات الأميركية التي قدِمت إلى البلاد في إطار «عملية العزم الصلب»، والمُقدَّرة بنحو 2500 جندي، ردود فعل وقراءات متباينة داخل الولايات المتحدة. وبحسب ما ذهبت إليه صحيفة «واشنطن بوست»، فإن مشهد الانسحاب الأميركي من العراق «من شأنه أن يترك إيران، الواقعة تحت إنهاك (اقتصادي) منذ عقود، والتي يتزايد نفوذها باطّراد، في قلب (المعادلات التي تَحكم) مستقبل المنطقة». وإذ توقّفت الصحيفة، بالاستناد إلى أرقام صادرة عن مشروع «تكلفة الحرب» التابع لـ«جامعة براون»، عند الأكلاف البشرية لعقدَين من الوجود العسكري الأميركي في العراق، والتي تتجاوز الأربعة آلاف قتيل أميركي، وعشرات الآلاف من العراقيين، فضلاً عن التكاليف المادية المُقدَّرة بنحو ثلاثة تريليونات دولار، فهي أشارت إلى أن العراقيين المُثقلين بالذكريات المريرة عن حقبة الاحتلال الأميركي، ينظرون إلى مرحلة ما بعد انتهاء مهامّ «التحالف الدولي»، «بشيء من القلق والترقب»، وسط مخاوف الكثيرين من احتمال تجدّد الصراع الطائفي، وما قد يترتّب على ذلك من عودة نشاط التنظيمات الإرهابية.
وتحت عنوان: «الولايات المتحدة تسحب قواتها من العراق مع تحوّل ميزان القوى لصالح إيران»، أشارت «واشنطن بوست» إلى احتمال أن يؤدّي «انسحاب القوات الأميركية من البلاد إلى منح إيران جرأة أكبر»، معتبرةً أن قدرة رئيس الوزراء، علي الزيدي، على «تنفيذ تعهّداته بإخضاع الفصائل المسلّحة - المُقدّر عديد أفرادها بنحو 200 ألف - لسيطرة الدولة بحلول منتصف عام 2027، ليس مضمونة»، منبّهةً إلى أن ما سمّتها «المخاطر» الناجمة عن الإخفاق في تنفيذ تلك التعهّدات، تُعدّ «عالية»، خصوصاً أن الفصائل «برهنت أنها شريك قيّم لإيران» في المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن «التعامل مع الفصائل العراقية المسلّحة الحليفة لإيران سيصبح من الآن فصاعداً مسؤولية عراقية».
بدورها، وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» حصيلة سنوات من الاحتلال الأميركي للعراق بـ«الإرث المضطرب»، مشيرة إلى «المستقبل غير الواضح» الذي يفتح عليه الانسحاب الأحدث، مضيفةً أن «بعض العراقيين يحتفلون» بالحدث، فيما «يتخوّف آخرون ممّا تخبئه لهم مرحلة ما بعد الانسحاب»، تحديداً «على مستوى علاقات بلادهم العالقة بين نفوذَي واشنطن وطهران». وأشارت الصحيفة إلى تعهّد كل من الولايات المتحدة والعراق بالحفاظ على تعاون أمني وعسكري وثيق، مستدركةً بأن البلدَين لم يضعا بعد اللمسات الأخيرة على خطط تعاونهما للمرحلة المقبلة. ونقلت عن مسؤول عسكري في «القيادة المركزية الأميركية»، أنه «سوف يكون ممكناً للجيش الأميركي شنّ هجمات على أراضي العراق انطلاقاً من الأردن (حيث يقع المقرّ الرئيس للتحالف الدولي لمحاربة داعش)، وذلك في حال بروز تهديدات ضدّ مواطني» الولايات المتحدة ومصالحها، مع «التركيز على (حركة) المسلّحين في سوريا».
ولفتت الصحيفة إلى أن «عملية إعادة انتشار القوات الأميركية (في العراق) مرّت من دون ضجّة في واشنطن»، مُرجِعةً الأمر إلى ارتباط الذاكرة الأميركية بخسائر حرب العراق التي «ستمتدّ آثارها لأجيال». وإذ اعتبرت أن استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق على مدى الأعوام الماضية «منَح الفصائل المسلّحة المدعومة من إيران مبرّراً للوجود وحيازة الأسلحة»، فهي قدّرت أن التزام إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، باتفاق الانسحاب المُبرم بين حكومة بغداد وإدارة سلفه جو بايدن عام 2024، والذي ينصّ على إنهاء الوجود العسكري لبلاده على الأراضي العراقية بحلول 30 أيلول 2025، «يعكس عزماً أميركياً واسع النطاق على الانسحاب من المنطقة، رغم مناخات التصعيد مع إيران»، وذلك على وقع تململ الجمهور الأميركي في العقود الأخيرة من «الحروب الأبدية» في الشرق الأوسط.
وفي هذا الصدد، أيّد نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في «معهد كوينسي للبحوث»، آدم وايستين، قرار سحب القوات الأميركية، منتقداً توجّه الإدارات السابقة إلى إدامتها «خارج الوطن» تحت مبرّرات مضلّلة، في حين توقّف الباحث المختصّ في الشأن العراقي في «معهد تشاتام هاوس» في لندن، ريناد منصور، عند كون الانسحابات السابقة ترافقت مع الإبقاء على واحدة من أكبر سفارات الولايات المتحدة في العالم (في بغداد)، بينما الانسحاب الحالي يشمل «تقليص الوجود الدبلوماسي إلى أبعد الحدود، قياساً بما كان عليه الحال في السابق». ورأى منصور أن ذلك التحوّل يعكس «رغبة واشنطن في النأي بنفسها عن الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «وضعية الولايات المتحدة لم تعُد كما كانت في السابق، وأن أولوياتها لم تعُد كما كانت أيضاً».
وفي ما يتّصل بوضع حلفاء واشنطن العراقيين عقب الانسحاب، أشارت «نيويورك تايمز» إلى حالة من «القلق البالغ» و«استشعار الخطر» باتت تعتري قادة إقليم كردستان، ربطاً بالتجربة المريرة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي أُجبرت، مع سحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا، على الخضوع لسيطرة حكومة دمشق المركزية. وبحسب الصحيفة، فإن أكراد العراق - الذين بدأوا في ترسيخ سيادتهم على إقليمهم بفضل الدعم الجوي الأميركي منذ تسعينيات القرن الماضي - «يشعرون بأنهم الأكثر عرضة للمخاطر في ظلّ النظام الأمني الجديد»، سواء في العراق، أو في المنطقة ككلّ، ولا سيّما عقب تعرّض كردستان لهجمات متكرّرة هذا العام، نُسبت إلى إيران وفصائل عراقية متحالفة معها. وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن كفاح محمود، مستشار رئيس الإقليم مسعود بارزاني، أن الانسحاب الأميركي، بالتوازي مع استمرار الصراع الإقليمي، «يولّد شعوراً بالقلق وعدم اليقين»، محذّراً من أنه «لا يوجد نظام دفاع جوي، سواء في إقليم كردستان أو في العراق بأسره» للتعامل مع تحدّيات المرحلة.
في المقابل، تتعامل فصائل المقاومة العراقية مع الحدث بوصفه «إنجازا لهاً»، وهو ما يتقاطع مع النظرة الإيرانية التي عبّر عنها تعليق رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على الانسحاب الأميركي، بالقول: «إن محور المقاومة هو الطرف المنتصر الآن». مع ذلك، وعلى الرغم من أن إيران «قد تستفيد من الانسحاب الأميركي»، رأى مارك كانسيان، وهو مستشار أول في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، أن سلوك طهران الأخير خلال مواجهتها مع واشنطن وتل أبيب، بما فيه استهدافها للقواعد العسكرية الأميركية في الخليج، أدّى إلى «تشكيل تحالفات غير متوقَّعة ضدّها»، و«دفَع ببعض الدول، مثل السعودية، إلى التقارب مع إسرائيل، لأغراض دفاعية»، مختتماً بأن «هذا التحوّل يُعدّ عوناً كبيراً للولايات المتحدة، التي لطالما واجهت صعوبة في الموازنة بين العرب والإسرائيليين».