خاص العهد
بعد سنوات من النضال، استشهد فارس جنين البطل الفلسطيني فتحي زيدان خازم، المعروف بـ"أبي رعد"، والد الشهيد رعد خازم، إثر استهدافه من قوات الاحتلال "الإسرائيلي" في منزله، بعد سنوات من الملاحقة والمواجهة. ويعيد استشهاده إلى الواجهة سيرة رجل لم تبدأ علاقته بالمواجهة مع الاحتلال باستشهاد نجله، بل سبقتها عقود من العمل الوطني الفلسطيني، قبل أن يتحول بعد رحيل رعد إلى أحد أبرز الأصوات التي عبّرت عن الصمود والتمسك بالأرض والقضية.
وتكتسب قصة "أبي رعد" اليوم دلالة خاصة في ضوء مقابلة أجراها معه موقع العهد الإخباري في 8 نيسان/أبريل 2022، عقب استشهاد نجله رعد. يومها واجه الأب أصعب لحظات حياته بثبات لافت، وتحدث عن الصبر والإيمان والقدس وحق العودة، قبل أن يلتحق بابنه بعد أكثر من أربعة أعوام شهيدًا.
وبين حديث الأب آنذاك ورواية نضاله التي رواها المتحدث باسم حركة فتح في رام الله وعضو المجلس الثوري للحركة عبد الفتاح دولة لموقعنا، تتضح ملامح شخصية فلسطينية تركت أثرًا يتجاوز حدود بلاده المحتلة.
مسيرة وطنية بدأت مبكرًا
يستحضر "دولة" مسيرة فتحي خازم، ويصفه بأنه مناضل لم يعرف الاستسلام منذ شبابه، وكان نموذجًا في العمل الوطني الفلسطيني وقياديًا في حركة فتح.
وخلال مرحلة السلطة الفلسطينية، عمل خازم ضابطًا في أجهزة الأمن الفلسطينية، قبل أن تفرض الانتفاضات الفلسطينية، ولا سيما انتفاضة الأقصى، مرحلة جديدة في حياته.
ويرى دولة أن "أبا رعد" لم يكن حاضرًا في المشهد الوطني بصفته مناضلًا فقط، بل كان أيضًا شخصية اجتماعية وإنسانية قريبة من أبناء شعبه، واحتضن عائلات الشهداء وأبناءهم، قبل أن يعيش بنفسه تجربة فقد أحد أبنائه.
استشهاد رعد.. نقطة التحول
في 8 نيسان/أبريل 2022، استشهد رعد خازم عقب تنفيذه عملية نوعية في "تل أبيب"، ليجد والده نفسه أمام واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها الإنسان.
في حديثه لموقع العهد يومها، لم يخفِ فتحي خازم حجم الفاجعة، مؤكدًا أن فقد الابن مصاب قاسٍ على قلب الأب والأم، لكنه رأى في الإيمان مصدرًا للصبر والقدرة على تقبل المصاب.
وكانت عبارته الشهيرة التي قالها لموقعنا في ذلك اليوم، "هم السابقون ونحن اللاحقون"، تختصر نظرته إلى الموت والشهادة، وتكشف عن قناعة راسخة بأن رحيل الشهداء لا يعني نهاية الطريق.
رفض الاستسلام بعد استشهاد نجله
بعد استشهاد رعد، لم يتوقف الاحتلال عن ملاحقة والده، ووفق عبد الفتاح دولة، طلبت سلطات الاحتلال من فتحي خازم تسليم نفسه.
لكن خازم اختار المواجهة، بحسب دولة، وحوّل الموقف إلى حالة من الحشد الشعبي والتعبئة في مواجهة الاحتلال.
ويستعيد دولة هذا المشهد اليوم باعتباره محطة أساسية في شخصية "أبي رعد"، مشيرًا إلى أن الرجل لم يقبل أن يتحول استشهاد ابنه إلى لحظة استسلام، بل حافظ على حضوره ودوره وتأثيره بين أبناء شعبه.
ويرجح دولة أن الاحتلال حاول أيضًا دفعه إلى الاستسلام في اللحظات التي سبقت استشهاده، مع التأكيد على عدم توافر معلومات دقيقة حول تفاصيل تلك اللحظات، لكنه يشدد على أن خازم رفض الاستسلام واستشهد واقفًا.
أبٌ حمل قضية ابنه
بعد استشهاد رعد، لم يكتف فتحي خازم بالحديث عن نجله، بل واصل التعبير عن قناعاته تجاه القضية الفلسطينية.
ففي مقابلته مع العهد، دعا الفلسطينيين إلى التمسك بقضيتهم وثوابتهم، والحفاظ على القدس والمسجد الأقصى، والتمسك بحق العودة وتقرير المصير والاستقلال.
وكان خطابه يتجاوز حدود الضفة الغربية، إذ تحدث عن الفلسطينيين في الشتات، داعيًا إياهم إلى الحفاظ على حقوقهم وعدم التخلي عن حق العودة مهما كانت الظروف.
ووجّه رسالة خاصة إلى لبنان، معبرًا عن تقديره للشعب اللبناني، ومشيرًا إلى التاريخ المشترك من المعاناة والدم، لكنه أكد أن الفلسطينيين يريدون العودة إلى وطنهم.
كذلك، دعا خازم الشعوب العربية والإسلامية إلى عدم السماح للأزمات الداخلية بأن تهمّش القضية الفلسطينية.
وفي حديثه آنذاك، استحضر الأزمة الاقتصادية التي كان لبنان يعيشها، مؤكدًا أن الفلسطينيين يشعرون بآلام الشعوب العربية، لكن الأزمات الداخلية لا ينبغي أن تؤدي إلى نسيان فلسطين.
وكان يرى أن القدس والأقصى والقضية الفلسطينية يجب أن تبقى حاضرة في الوعي العربي والإسلامي، مهما تعددت الأزمات.
الاحتلال يواجه نموذجًا لا شخصًا
بالنسبة إلى عبد الفتاح دولة، فإن أهمية فتحي خازم لا تتوقف عند شخصه أو عند كونه والد رعد، بل ترتبط بالنموذج الذي مثله.
ويقول: إن "الشهيد خازم كان محبوبًا بين الفلسطينيين، وإن أخلاقه وتمسكه بأرضه وقربه من أبناء شعبه جعلته شخصية مؤثرة"، موضحًا أن المقاتل الفلسطيني لا تُقاس قيمته بما يحمله من سلاح فقط، وإنما بأخلاقه وانتمائه وعلاقته بشعبه.
ويرى دولة أن هذا التأثير هو ما يزعج الاحتلال، لأنه لا يواجه فردًا معزولًا، بل نموذجًا يمكن أن يلهم أجيالًا جديدة.
رسالة إلى الجيل الجديد
ويشير دولة إلى أن الفارس البطل الشهيد فتحي خازم كان في الفترة الأخيرة يوجه رسائل إلى الجيل الجديد، مؤكدًا أن هذا الجيل هو الذي سيحمل الراية.
وبحسب دولة، كان أبو رعد يحثّ الشباب على حمل هذه الراية بإيمان وانتماء، وعدم رفع الراية البيضاء أمام الاحتلال.
ويرى أن هذه الرسائل تكشف أن خازم كان يدرك أن مسيرته ستترك أثرًا بعده، وأن القضية بالنسبة إليه لم تكن مرتبطة بشخص واحد، بل بأجيال متعاقبة.
أبو رعد صورة عن الشعب الفلسطيني
يضع دولة شخصية فتحي خازم في إطار أوسع، مؤكدًا أنه جسّد صورة الفلسطيني المتمسك بأرضه رغم العدوان والضغوط.
ويقول: إن "الشعب الفلسطيني، رغم ما تعرض له من اعتداءات وتدمير وتهجير، يواصل التمسك بأرضه وحقوقه، وأن أبا رعد كان نموذجًا واضحًا لهذه الإرادة".
ومن هذا المنطلق، يرى دولة أن استشهاد خازم يحمل رسالتين؛ الأولى للفلسطينيين، ومضمونها عدم الخضوع للاحتلال، والثانية للاحتلال، ومفادها أن الشعب الفلسطيني لن يكون سهل الإخضاع.
من والد شهيد إلى شهيد
بعد أكثر من أربعة أعوام على استشهاد رعد، يعود اسم فتحي خازم اليوم إلى الواجهة، لكن هذه المرة بوصفه شهيدًا.
فالأب الذي وقف في 2022 أمام جثمان ابنه، وتحدث عن الصبر والإيمان والتمسك بفلسطين، رحل هو الآخر في مواجهة الاحتلال.
بين مقابلة موقع العهد مع فتحي خازم عام 2022، وشهادة عبد الفتاح دولة عنه اليوم، تكتمل صورة أبي رعد: مناضلٌ في شبابه، أبٌ لشهيد، صوتٌ متمسكٌ بالقدس وحق العودة، ثم شهيدٌ رفض أن يركع أو يستسلم.