مقالات مختارة
عيسى بعد برّاك: التفاوض مع حزب الله ممكن
جولة روما معلّقة.. وكرم يكرّر رغبته بالانسحاب
صحيفة "الأخبار":
يواجه الرئيس جوزيف عون وفريقه المفاوض معضلة تتداخل فيها عوامل عدة، وسط مؤشرات إلى أن الجميع، بمن فيهم الوسيط الأميركي، باتوا على قناعة بأن أي تقدّم فعلي لن يتحقق قبل الانتخابات المقبلة في كيان الاحتلال. وفيما تبدو المحادثات الجانبية الجارية عاجزة عن انتزاع أي خطوة جديدة من إسرائيل، تسعى واشنطن إلى نقل المسؤولية إلى الجانب اللبناني، عبر اتهام الدولة بعدم إلزام الجيش بتنفيذ مهمة نزع السلاح. يأتي ذلك في وقت تقود فيه إسرائيل، منذ ثلاثة أيام، أوسع موجة غارات على الجنوب، مركّزة على المناطق المحاذية لمناطق الاحتلال، بالتوازي مع استمرار الحملة الدعائية حول معركة مرتقبة في تلال علي الطاهر.
وفيما دأب السفير الأميركي ميشال عيسى على إشاعة أجواء توحي بأن المفاوضات مقبلة على تقدّم كبير، أقرّ أخيراً بعدم التوصل إلى اتفاق على تحديد موعد للجولة المقبلة التي كانت مقررة في روما مطلع الشهر المقبل. إلا أن اللافت في حديث عيسى كان ما أدلى به بشأن التفاوض مع حزب الله، إذ أعاد فتح النقاش حول إمكان التواصل المباشر معه، بعد موقف المبعوث الأميركي توم برّاك الذي قال فيه إن الحزب لا يمكن أن يكون خارج أي تسوية، وإنه لا يمكن الطلب إلى «جيش متعب وفقير أن يقتل أبناء عمومته». وتزامن ذلك مع معلومات عن وصول رسائل أميركية إلى حزب الله، من دون أن يصدر عن الأخير حتى الآن موقف معلن يوضح حقيقة هذه الاتصالات أو طبيعة الردود التي تلقاها.
وفي هذا السياق، قال عيسى، بعد زيارته دار الفتوى أمس: «ولا مرة قلنا إننا سنتفاوض مع الحزب. (لكن) إذا كان الحزب مستعداً للتفاوض معنا، أو إذا كان عنده شيء ما يقدمه لنا فممكن، أما أن يكون التفاوض عبارة عن زيارات، روح وتعا، ونشرب قهوة، ما زابطة».
وتشي عبارة عيسى بأن يكون لدى حزب الله «شيء يقدمه» أن المقصود بالتفاوض، وفق التصور الأميركي، ليس البحث في تسوية متكاملة تبدأ بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، بل التفاوض على سلاح الحزب وقدراته العسكرية. وهذا تحديداً ما يصطدم بالموقف الذي يتمسك به الحزب حتى الآن، لجهة رفض وضع سلاحه في مقابل وقف الحرب أو إنهاء الاحتلال.
وإلى جانب صمت حزب الله عن كل ما يجري تداوله بشأن التفاوض مع الأميركيين، فإن انتقال الخطاب الأميركي من استبعاد الحزب عن أي تسوية، إلى الإقرار بإمكان التفاوض معه، ثم وضع شروط مسبقة لهذا التفاوض، يوحي بأن واشنطن نفسها لا تزال تبحث عن صيغة تجمع بين إشراك الحزب في التسوية وانتزاع تنازل أساسي منه قبل الوصول إليها.
المشكلة أنّ هذا المسار السياسي لا يجري بالتوازي مع أي تهدئة ميدانية، إذ تواصل إسرائيل عملياتها العدائية في الجنوب، من توغلات وتثبيت للمواقع وإنشاء للسواتر، إلى مزيد من أعمال الهدم والتجريف، بما يفرض وقائع جديدة على الأرض تسبق الخرائط التي يفترض أن تكون موضع بحث في المفاوضات. وبالتالي، فإن كل تقدّم إسرائيلي ميداني قد يتحول لاحقاً إلى ورقة تفاوضية، سواء عبر المطالبة بتثبيت مواقع مستحدثة أو بفرض نطاق أمني أوسع حولها.
من جهتها، تبدو السلطة اللبنانية مضطرة إلى الدفع في اتجاه التفاوض باعتباره الخيار الأقل كلفة، كما يدعي الرئيس جوزيف عون، فيما ترفض إسرائيل العودة إلى طاولة المفاوضات، بدليل ما أشار إليه عيسى عن عدم تحديد موعد للجولة المقبلة حتى الآن. وقد انعكس ذلك بلبلة داخل فريق التفاوض الرسمي، مع تجدد الحديث عن رغبة رئيس الوفد، السفير سيمون كرم، في الانسحاب، انطلاقاً من اعتباره أن «المرحلة المقبلة تتطلب تفاوضاً تقنياً وتنفيذياً فقط».