اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدو يُصعّد اعتداءاته في جنوب لبنان.. قصف مدفعي وفوسفوري وتفجيرات وتمشيط

مقالات

الإمام موسى الصدر... الرجل الذي أصبح غيابه حضورًا
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الإمام موسى الصدر... الرجل الذي أصبح غيابه حضورًا

236

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

في كل عام، حين تحلُّ ذكرى اختفاء الإمام السيد موسى الصدر، لا تعود القضية مجرد ملف قضائي قديم، ولا مجرد ذكرى لرجل دين وسياسة غاب في ظروف غامضة. تعود قضية وطن بأكمله يسأل منذ ثمانية وأربعين عامًا: أين موسى الصدر؟ وماذا جرى له ولرفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين؟ ومن قرر أن يطوي الحقيقة خلف جدران الصمت؟

فالسيد موسى الصدر لم يكن رجل دين تقليديًا. كان شخصية استثنائية جمعت بين العمامة والفكر، وبين الدين والعمل الاجتماعي، وبين الدفاع عن الطائفة والانفتاح على بقية مكونات الوطن.

كان يرى أن الطوائف اللبنانية لا ينبغي أن تكون جزرًا معزولة، بل مكوِّنات متكاملة لوطن واحد. ولذلك لم يحصر خطابه في الشيعة، رغم أنه حمل بقوة قضية الحرمان التي كانت تعانيها البيئة الشيعية اللبنانية في تلك الحقبة، بل حاول أن يجعل من رفع الظلم عن المحرومين قضية وطنية. ومن هنا جاءت قوته الحقيقية.

لقد امتلك السيد موسى الصدر كاريزما نادرة، وقدرة استثنائية على مخاطبة الناس بلغة يفهمونها، وعلى تحويل رجل الدين من متلقٍّ للأحداث إلى فاعل فيها. أسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأطلق مشروع (حركة المحرومين)، وكان له دور أساسي في تأسيس حركة (أمل)، لكن أهم من المؤسسات التي تركها هو الفكرة التي حملها: أن الإنسان اللبناني يجب ألا يكون محرومًا من الدولة والكرامة والعدالة بسبب طائفته أو منطقته أو طبقته الاجتماعية.

كان أيضًا صاحب موقف سياسي واضح من الاحتلال "الإسرائيلي" ومن القضية الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه كان يحاول أن يحمي لبنان من التحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات العربية والإقليمية. وهنا ربما يكمن أحد مفاتيح فهم الرجل.

لماذا كان السيد موسى الصدر شخصية مختلفة؟ لأن تأثيره لم يكن محصورًا في المنبر. كان قادرًا على التواصل مع رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات والزعماء العرب، وفي الوقت نفسه كان يستطيع النزول إلى القرى والبلدات والجلوس مع الفلاح والعامل والفقير، وكانت لديه قدرة على بناء الجسور بين المتخاصمين.

في زمن الحرب الأهلية، حين كان لبنان يتجه نحو التفكك الطائفي، كان السيد الصدر يتحدث عن لبنان الواحد، وحين كانت الطائفية تتضخم، كان يرفع شعار العيش المشترك، وحين كان الحرمان الاجتماعي يتحول إلى وقود للانفجار، كان يطالب بالإنماء والعدالة. لهذا لم يكن نفوذه دينيًا فقط، بل كان أيضًا اجتماعيًا وسياسيًا وشعبيًا.

وربما كان أخطر ما في شخصيته، بالنسبة إلى خصومه، أنه كان يستطيع أن يحوِّل هذا النفوذ إلى قوة سياسية عابرة للحدود.

ماذا حدث في ليبيا؟

في ٢٥ آب ١٩٧٨ وصل الإمام موسى الصدر إلى ليبيا في زيارة رسمية، برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وفي ٣١ آب انقطعت أخبار الثلاثة.

كان التفسير الليبي الرسمي آنذاك أنهم غادروا ليبيا متوجهين إلى إيطاليا، لكن التحقيقات الإيطالية التي أجريت في حينه خلصت إلى نتيجة بالغة الأهمية: الإمام ورفيقاه لم يدخلوا إيطاليا ولم يكونوا على متن رحلة (أليطاليا) التي قيل إنهم غادروها، بل إن القضاء الإيطالي عاد وأكد هذه النتيجة في قراره النهائي عام ١٩٨٢. كما خلصت التحقيقات اللبنانية إلى أن رواية مغادرتهم ليبيا لم تكن متطابقة مع الأدلة المتوافرة. وهكذا سقطت الرواية الأساسية التي حاولت نقل مكان الاختفاء من ليبيا إلى إيطاليا. لكن سقوط الرواية لم يؤدِّ إلى ظهور الحقيقة. وهنا يبدأ اللغز الحقيقي.

لماذا أُخفي موسى الصدر؟

لا توجد حتى اليوم رواية قضائية نهائية تكشف بصورة قاطعة الدافع التفصيلي وراء اختفائه، لكن من الصعب فصل اختفاء الصدر عن طبيعة علاقته المتوترة مع نظام معمر القذافي. فالصدر لم يكن شخصية هامشية ذهبت إلى ليبيا ثم اختفت صدفة. كان رجلًا يتمتع بنفوذ كبير في لبنان والعالم العربي، وكانت مواقفه السياسية والدينية والاجتماعية لا تنسجم مع كثير من خيارات النظام الليبي آنذاك.
وقد ذهب التحقيق اللبناني إلى أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن الإمام ورفيقيه أُخفوا داخل الأراضي الليبية، وأصدر القضاء اللبناني لاحقًا مذكرات بحق عدد من المسؤولين الليبيين في القضية. كما أن القذافي نفسه، في خطاب له عام ٢٠٠٢، أقر بأن السيد الصدر اختفى في ليبيا، بعد سنوات من الرواية التي تحدثت عن مغادرته البلاد. وهذا الاعتراف، وإن لم يكن وحده دليلًا قضائيًا على كل تفاصيل الجريمة، يكتسب أهمية سياسية وتاريخية كبيرة.

لماذا لم تُكشف الحقيقة حتى اليوم؟

لأن اختفاء الصدر لم يكن اختفاء شخص عادي. كان اختفاء رجل دخل إلى دولة في زيارة رسمية، والتقى مسؤولين فيها، ثم اختفى هو ورفيقاه دون أن يتركوا وراءهم مسارًا واضحًا. والأخطر أن الدولة التي وقعت الحادثة على أراضيها كانت في ذلك الوقت دولة أمنية مغلقة، تتركز فيها المعلومات الحساسة في أيدي دائرة ضيقة من السلطة.

ثم جاء مقتل القذافي وسقوط نظامه عام ٢٠١١، لتتحول ليبيا من دولة مركزية قادرة على إخفاء المعلومات إلى دولة مجزأة تتوزع فيها الوثائق والأجهزة والأسرار بين مؤسسات وقوى متعددة. وبالتالي، فإن سقوط النظام الذي كان يُعتقد أنه يحمل مفتاح القضية لم يؤدِّ تلقائيًا إلى كشف الحقيقة، بل أدى في جانب منه إلى تبعثر الأدلة والشهود والوثائق. وهذا أحد أهم أسباب استمرار اللغز.

من لم يتعاون لكشف الحقيقة؟

إذا أردنا أن نكون دقيقين، فإن المسؤولية التاريخية الأكبر تقع على نظام معمر القذافي وأجهزته، بسبب رفض السلطات الليبية آنذاك التعاون الكامل مع التحقيقات، وبسبب الرواية التي قالت إن الصدر غادر إلى إيطاليا، وهي الرواية التي اصطدمت بالتحقيقات الإيطالية.

واللافت أن بعثة لبنانية أُرسلت بعد الاختفاء إلى ليبيا وإيطاليا عام ١٩٧٨، لكن السلطات الليبية لم تسمح لها بدخول الأراضي الليبية، فيما تمكنت البعثة من متابعة عملها في روما بالتعاون مع السلطات الإيطالية.

لكن من الخطأ القول إن ليبيا الحالية لا تتعاون إطلاقًا. ففي تشرين الثاني ٢٠٢٥ سلَّمت الحكومة الليبية وفدًا لبنانيًا ملفًا يتعلق بالقضية، إلا أن لجنة المتابعة اللبنانية أوضحت لاحقًا أن ما سُلّم كان محدودًا، ويتعلق أساسًا بتحقيقات أجريت عام ٢٠١٢، وأن جزءًا مهمًا منه تناول جثة ثبت بالحمض النووي أنها تعود إلى المعارض الليبي منصور الكيخيا، وليس إلى الإمام الصدر.

وهذا يعني أن المشكلة اليوم ليست فقط في (رفض التعاون)، بل في غياب القدرة أو الإرادة على تقديم الحقيقة الكاملة، بكل وثائقها وشهودها وأماكن الاحتجاز المحتملة ومصير الجثامين إن كان الثلاثة قد قُتلوا.

وماذا عن إيطاليا؟

إيطاليا لعبت دورًا مزدوجًا في هذه القضية. فالقضاء الإيطالي أجرى تحقيقات واسعة في نهاية السبعينيات، ووصل إلى نتيجة واضحة أن الإمام ورفيقيه لم يدخلوا إيطاليا. لكن الملف أُعيد فتحه لاحقًا، قبل أن يعود القضاء الإيطالي ويؤكد في عام ٢٠١٥ النتيجة الأساسية أنهم لم يغادروا ليبيا ولم يدخلوا إيطاليا.

وهذا يجعل السؤال أكثر إحراجًا: إذا لم يصلوا إلى إيطاليا، وإذا كانت التحقيقات اللبنانية والإيطالية قد خلصت إلى أنهم لم يغادروا ليبيا، فأين انتهى بهم الأمر؟ هنا تحديدًا تقع الحلقة المفقودة.

هل كان الصدر حيًا بعد اختفائه؟

هذه هي أكثر نقاط القضية غموضًا. هناك روايات متعددة ظهرت على مدى العقود، بعضها تحدث عن احتجازه في سجن ليبي، وبعضها تحدث عن قتله بعد اختفائه، وبعضها قدَّم ادعاءات عن جثامين أو أماكن دفن. لكن لا يوجد حتى الآن دليل جنائي علني وحاسم يتيح إعلان مصيره بصورة قاطعة. وفي عام ٢٠١١ ظهرت قضية جثة قيل إنها قد تكون للإمام الصدر، ثم ظهرت لاحقًا نتائج DNA الليبية التي نسبت الجثة إلى المعارض الليبي منصور الكيخيا. كما تناول تحقيق لهيئة BBC هذه القضية، وأشار إلى أن فريقًا صحافيًا حاول متابعة خيط المشرحة في طرابلس تعرض للاعتقال من أجهزة أمنية ليبية خلال عمله هناك.

وهكذا بقي السؤال بلا جواب: هل قُتل موسى الصدر؟ أم بقي حيًا فترة طويلة في الأسر؟ وإذا قُتل، أين جثمانه؟

القضية التي لا تسقط بالتقادم

قد يعتقد البعض أن مرور ٤٨ عامًا يجعل القضية من الماضي. لكن الجرائم التي تقوم على الإخفاء القسري لا تنتهي بمجرد مرور الزمن. فالإنسان الذي يختفي لا يترك وراءه فقط عائلة تنتظر، بل يترك دولة بأكملها أمام مسؤولية البحث عن الحقيقة. ولهذا بقيت عائلات الإمام ورفيقيه تطالب بالحقيقة، وبقي القضاء اللبناني يحتفظ بالملف، وبقيت القضية حاضرة في الذاكرة اللبنانية.
إنها ليست قضية طائفة واحدة.

الإمام موسى الصدر، مهما اختلف اللبنانيون في تقييم مواقفه السياسية، كان جزءًا أساسيًا من تاريخ لبنان الحديث، واختفاؤه حدث ترك أثرًا عميقًا في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

موسى الصدر... الرجل الذي أصبح غيابه حضورًا

ربما كان النظام الذي أراد إسكاته يعتقد أن إخفاء الرجل سيُنهي تأثيره. لكن التاريخ فعل العكس، فكلما مرَّ عام، عاد اسمه، وكلما أُغلقت ورقة، فُتحت أخرى، وكلما قيل إن القضية انتهت، عاد السؤال نفسه: أين موسى الصدر؟

لقد غاب الرجل، لكن مشروعه بقي، وغاب صوته، لكن كلماته بقيت، واختفى جسده، لكن صورته بقيت في ذاكرة أجيال من اللبنانيين. ولهذا فإن ذكرى اختفائه هي جرح مفتوح.

ولذلك فإن العدالة في قضية الإمام السيد موسى الصدر لا تعني فقط معرفة من خطفه أو من أصدر الأمر أو من نفّذ الجريمة. العدالة تعني قبل كل شيء أن تعرف عائلته، ولبنان، وأتباعه، وكل من آمن بحقه في الحياة والحرية: ماذا حدث لموسى الصدر؟ وأين هو؟ ومنذ ٣١ آب ١٩٧٨، لم يعد هذا السؤال سؤال عائلة فقط، ولا سؤال طائفة فقط، بل أصبح سؤالًا في وجه التاريخ: من يستطيع أن يخفي رجلًا عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفي الحقيقة إلى الأبد؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة