اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عوفر فينتر يضع نتنياهو أمام مأزق ويدفع وزراء الليكود إلى الخلف

مقالات

‎الكيان الصهيوني في مواجهة أزماته الوجودية
🎧 إستمع للمقال
مقالات

‎الكيان الصهيوني في مواجهة أزماته الوجودية

110

شكلت أحداث السابع من أكتوبر نقطة تحول مفصلية لم تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية والأمنية الفورية، بل امتدت لتهز العمق البنيوي والاجتماعي داخل الكيان الصهيوني، مفجرة استقطابات كانت كامنة ومسقطة لافتراضات أمنية وإستراتيجية أطرت المفهوم السائد عن الردع لفترة طويلة. فقد أدى الإخفاق الاستخباري والعسكري في ذلك اليوم إلى انهيار ما يُعرف في الأوساط الصهيونية بالمفهوم الذي قام على أولوية الخيار العسكري التكنولوجي واحتواء المقاومة، مما نتج عنه انكسار حاد في ثقة الشارع بمؤسستي الجيش والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع أزمة ثقة أعمق بالقيادة السياسية والائتلافات الحاكمة التي اتُهمت بتسخير الحدث لأغراض أيديولوجية. وفي هذا السياق، تعيش البنية الاجتماعية والعسكرية تصدعات عميقة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى أزمات وجودية تطول تماسك المجتمع والمؤسسة العسكرية التي طالما عُدّت الجدار الأخير للحفاظ على الكيان.

في هذا الإطار، يُجمل المؤرخ المناهض للصهيونية إيلان بابيه أحدث آرائه الصادرة في خطاب رسمي ألقاه في 15 تموز/يوليو 2026 ونشرته صحيفة فلسطين كرونيكل (The Palestine Chronicle)، في أن الصهيونية دخلت فصلها النهائي والأكثر شراسة، مؤكداً أن التوسع العسكري المفرط واختراق الرؤى الخلاصية للمؤسسات أدى إلى إنهاك الجيش وتآكل الشرعية الدولية للإيدولوجية الحاكمة، ويرى بابيه أن هذا العنف المتصاعد ليس دليلاً على القوة بل هو عرض من أعراض احتضار المشروع وإعادة تشكله كأنقاض تعجل بانهياره الهيكلي. وتتطابق هذه الرؤية مع ما صرح به المؤرخ البارز آفي شلايم بوضوح في مقابلته مع منصة نوارا ميديا (Novara Media) بتاريخ 21 آذار/مارس 2025 ومقابلته مع شبكة تي آر تي ورلد (TRT World) بتاريخ 8 ايلول/سبتمبر 2025، حيث قال نصاً: "إن الصهيونية اليوم في طور تدمير نفسها ذاتياً، وما نشهده ليس إلا الأنفاس الأخيرة والعنيفة للغاية للمشروع الصهيوني". وأضاف شلايم في المقابلة ذاتها وفي إسهامته التوثيقية الصادرة ضمن كتاب "الإبادة الجماعية في غزة" (Deluge): "لقد تحولت إسرائيل إلى دولة مارقة وآلة قتل بلا كوابح ولا أفق سياسي، وهي عبر اعتمادها المطلق على القوة الغاشمة تقضي على عقدها الاجتماعي الداخلي وتفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية، مما يجعل استمرارها بصيغتها الراهنة أمراً مستحيلاً وغير قابل للاستدامة"، وهو ما يتكامل أيضاً مع ما يطرحه المؤرخ شلومو زاند في مؤلفاته النقدية من أن افتقار المجتمع الإسرائيلي للهوية الوطنية المتجانسة يحول الدولة إلى كيان يسهل تفككه من الداخل.

وعلى الجانب المحافظ والإستراتيجي، يقدم المحلل السياسي والإستراتيجي المحافظ إفرايم عنبر، رئيس مركز القدس للإستراتيجية والأمن (JISS)، قراءة تشخيصية تحذر من المدى الذي يهدد فيه الانقسام الداخلي قدرات إسرائيل الردعية؛ حيث أشار عنبر في دراسة وتحليل نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" (The Jerusalem Post) ونشرة مركز (JISS) بتاريخ 14 تشرين اول/نوفمبر 2025، إلى أن "الإنهاك التراكمي في صفوف القوات الاحتياطية والاستقطاب السياسي الحاد يؤديان إلى تآكل خطير في الجاهزية العسكرية وفي ثقة المواطنين بالمؤسسة الأمنية"، محذراً من أن "تسييس الخدمة العسكرية واستمرار الصراع حول التجنيد يمثلان ثغرة إستراتيجية قد تمنح الأعداء فرصة لاستغلال ضعف الجبهة الداخلية الإسرائيلية".

ومع امتداد المواجهة وتراكم التداعيات، تنعكس أثر الحروب الأخيرة الممتدة والمتعددة الجبهات كعامل تسريع مباشر لتفكك المجتمع، حيث أسهم الاستنزاف العسكري المتواصل في تدمير ركائز التضامن المجتمعي وتأكيد عجز الدولة عن تحصيل الأمن أو فرض حسم ناجز. أوجدت هذه الحروب واقعاً ديمغرافياً واقتصادياً مشلولاً بسبب موجات النزوح الداخلي الطويلة من مناطق الشمال والجنوب، والتي كرست شعوراً عاماً بالانكشاف والتخلي لدى المستوطنين والسكان المحليين تجاه الحكومة المركزية. علاوة على ذلك، أدى الإنهاك النفسي التراكمي، وارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية وتراجع الإنتاجية، إلى تقويض أركان الطبقة الوسطى التي تشكل عماد الاقتصاد والخدمة العسكرية، مما أطلق موجة غير مسبوقة من الهجرة العكسية لأصحاب الكفاءات والعقول ورؤوس الأموال للبحث عن استقرار بديل خارج البلاد.

يتجلى هذا التفكك في الصراع المحتدم على الهوية بين التيار العلماني الليبرالي المستقر في المراكز الاقتصادية، والذي يرى في توجهات اليمين تهديداً لطبيعة الدولة، وبين التيار الديني القومي والمستوطنين الذين يسعون إلى فرض الشريعة وتوسيع المشروع الاستيطاني، إذ يستغل اليمين الصهيوني الديني الأزمة القائمة للدفع نحو الحسم بالضم والسيطرة الكاملة وإلغاء أي أفق سياسي، مقابل تيار يرى في هذا التوجه استنزافاً وجودياً يكرس العزلة الدولية، ويكشف عورة سلم الأولويات الذي منح للمستوطنات الأولوية الأمنية على حساب المناطق الحدودية الأخرى. يؤدي هذا الاستقطاب إلى تآكل العقد الاجتماعي وفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتصاعد الهجرة العكسية وهروب رؤوس الأموال، إضافة إلى الصراع التاريخي حول قانون التجنيد وأزمة تجنيد الحريديم، حيث تشتد المطالبة بفرض الخدمة الإجبارية مع تزايد الحاجة إلى العنصر البشري لتغطية الجبهات، مقابل رفض مطلق من قادتهم الدينيين، مما يوسع الفجوة بين الشارع العسكري والمجتمع الأرثوذكسي المتشدد ويضاعف الشعور بعدم العدالة في توزيع أعباء الحرب ويهدد باستمرار في تفكيك الائتلاف الحكومي.

وعلى صعيد الخيارات الإستراتيجية، ظهر شرخ مجتمعي كبير في تحديد الأولوية بين ملف الأسرى وأهداف الحرب، بين تيار عائلات الأسرى المدعوم من أوساط واسعة في الشارع والذي يطالب بإعطاء الأولوية القصوى لإبرام صفقة تبادل بأي ثمن سياسي، وبين التيار الحاكم والمجموعات المتطرفة التي تصر على إعطاء الأولوية للضغط العسكري حتى لو أدى ذلك لخسارة الأسرى. يتزامن ذلك مع أزمة تشكيل لجنة تحقيق حكومية رسمية تشكل ساحة صراع محتدمة، حيث تُصر المعارضة والمؤسسة العسكرية على ضرورة بدء التحقيق الفوري والمحاسبة، فيما تواصل القيادة السياسية تأجيل هذه الخطوة خشية الانعكاسات المباشرة على مستقبلها السياسي.
‎لم تكن المؤسسة العسكرية بمعزل عن هذه الأزمات، بل أصبحت في قلب التصدع بسبب طول فترة النزاع وتراكم الأعباء، وتجلى هذا التوتر في مواقف رئيس الأركان إيال زامير وتحذيراته الصريحة للقيادة السياسية، ولا سيما تحذيره العاجل الصادر أمام الكابينت الإسرائيلي بتاريخ 25 آذار/مارس 2026 والذي كشفت عنه القناة 13 الإسرائيلية ونشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل (The Times of Israel) في 27 آذار/مارس 2026، حيث رفع 10 خطوط حمراء محذراً من أن الجيش يواجه خطر الانهيار على نفسه نتيجة الإرهاق المستمر واستدعاء الجنود لفترات طويلة على جبهات متعددة، مؤكداً أن الاستمرار بهذا الشكل يفرض عبئاً غير متكافئ ولا يمكن تحمله، بالتوازي مع ظهور حالات تسرب وامتناع غير معلنة عن الاستجابة لأوامر الاستدعاء نتيجة الإنهاك النفسي والاقتصادي والشعور بعدم وجود رؤية سياسية واضحة.

تتفاقم الأزمة العسكرية مع تصاعد الخلافات بين زامير والحكومة بشأن مشاريع القوانين التي تمنح حصانة أو تجميداً لاعتقال المتهربين من الخدمة من المتدينين؛ إذ أكد رئيس الأركان في خطابه الرسمي الموجّه لرئيس الوزراء والمؤرخ في 13 تموز/يوليو 2026 معارضته لهذه التشريعات لكونها تضر بالكفاءة العملياتية وتستنزف القوى البشرية للجيش، فضلاً عن تحذيراته المستمرة من أن نقص التمويل والصراعات المالية بين وزارتي الدفاع والمالية يمس جاهزية الجيش واستمرارية تدريبه وتجهيزه في ظل ظروف قتالية معقدة، لتظهر هذه المؤشرات أن التحدي الأكبر لم يعد يقتصر على المواجهات الخارجية، بل بات يكمن في مدى قدرة الجبهة الداخلية والمؤسسة العسكرية على الصمود أمام هذا التآكل الهيكلي والإنهاك الداخلي المستمر.

الكلمات المفتاحية
مشاركة