اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كلمة الأمين العام لحزب الله بمناسبة المولد النبوي الشريف

مقالات

مهزلة المقايضة الميدانية في الجنوب سخرية أمريكية تتبنّاها سلطة التفاوض
🎧 إستمع للمقال
مقالات

مهزلة المقايضة الميدانية في الجنوب سخرية أمريكية تتبنّاها سلطة التفاوض

92

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

تطنب أقلام التبعية في لبنان في ترويج قراءات سياسية مبنية على تمنيات ورغبات، بينما تبدو في ظاهرها تحليلاً واقعياً، هي في جوهرها انعكاس لرهانات خطأ تُسقط موازين القوى الحقيقية لصالح حسابات الورق والحلول الدبلوماسية الموهومة. 

وتركز هذه القراءات على طرح سيناريوهات ميدانية لا تنطلق من مصالح وأولويات وطنية بقدر ما تنطوي على اتجاهات تتبنّى السردية الأمريكية - الإسرائيلية، وآخرها الحديث عن معادلة يسوّقها فريق التفاوض مع العدو تقضي "بتسليم المقاومة التلال الإستراتيجية في الجنوب للجيش اللبناني أو إيداعها بعهدة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يمهّد لمفاوضات تنتهي بانسحاب إسرائيلي مبرمج"!! 

هذه المقولات المبتدعة وأمثالها لا تمثّل وجهة نظر سياسية عابرة، بل تكشف عن بنية فكرية مأزومة لدى الفريق التفاوضي والتعويل المفرط على الإدارة الأميركية، حيث تعتمد هذه المقاربة السياسية على خطأ منهجي قاتل وفق أسلوب "الاقتطاع والتجزئة"، فهي تتعامل مع ما أسمتها "التلال الإستراتيجية" كأنها مجرد أوراق تفاوضية في لعبة شطرنج سياسية، بدلاً من كونها خط الدفاع الأول عن السيادة والوجود اللبناني. 

في موازاة ذلك، تثبت القراءة الواقعية للميدان والتاريخ القريب والبعيد أن التسليم بهذه المعادلة يُمثّل سذاجة سياسية وخديعة إستراتيجية، تُفكك المسوّغات التي يسوقها دعاة "الواقعية التفاوضية" مسوغاً تلو الآخر، وتكشف حجم الانفصام عن الواقع الميداني والإقليمي.

وهم الضغوط الأميركية
المسوّغ الأول والأبرز الذي يبني عليه الفريق التفاوضي مقولته هو أن إخلاء التلال وتسليمها للشرعية أو إيداعها في عهدة الرئيس بري "سيوفّر لواشنطن أوراق ضغط على إسرائيل لتسهيل تطبيق اتفاق الإطار"!! وهذا الطرح ينمّ عن جهل عميق ومستغرب بطبيعة العلاقة العضوية والتكاملية بين واشنطن وتل أبيب، وبأسلوب عمل رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو تحديداً، فالتاريخ اللبناني والعربي حافل بالتجارب المأساوية التي أثبتت أن واشنطن لم تكن يوماً "وسيطاً نزيهًا"، بل شريكاً كاملاً وطرفاً مُوجّهاً للمخططات الإسرائيلية وكذلك مشرفاً على التطبيق، وعليه فإن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة - التي تمنح غطاءً سياسياً مطلقاً ودعماً عسكرياً ومالياً بلا حدود للكيان الصهيوني- ستتحول فجأة إلى ضاغط ناعم لإجبار تل أبيب على الانسحاب لمجرد أن اللبنانيين أبدوا حسن نية بالتراجع والإخلاء، هو محض وهم وتشويه للحقائق.

من جهة ثانية، لا يتحرك نتنياهو وفق "جدول زمني للانسحاب" كما يتخيل أصحاب هذا الطرح التفاوضي، بل يتبع عقيدة يمينية ثابتة قوامها "فرض وقائع جديدة على الأرض"، كما أن سياسة "قضم التلال والمواقع" ليست خطة مؤقتة في انتظار حسم الصراع بين واشنطن وطهران، بل هي إستراتيجية أمنية واستيطانية ذات بعد تكتيكي وثابت لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وبذلك يصبح تجريد المقاومة من نقاط القوة الميدانية لا يُشجع تل أبيب على الانسحاب إطلاقاً، بل يقدم لها هدية إستراتيجية مجانية ويُغريها بالتوغل والتمدّد أكثر، طالما أن الميدان أضحى مكشوفاً وخالياً من أي قوة ردع حقيقية قادرة على إيلام العدو.

الاستقواء بالخارج وإحراج الخصوم
تسوق أقلام التبعية مسوغاً آخر مفاده أن هذه الخطوة ستسمح للدولة والشرعية اللبنانية بـ"الالتفاف على المناوئين في الداخل" والاستقواء بدعم الإدارة الأميركية الموعود لإنقاذ لبنان من أزماته المتشابكة.

وهنا تبرز المغالطة السياسية الكبرى: كيف يمكن لمنطق سويّ أن يرى في إضعاف ورقة القوة الوطنية الوحيدة بوجه العدو خطةً لـ"الاستقواء" أو حماية السيادة؟ إن التجربة التاريخية في لبنان، منذ ما قبل العام ١٩٤٨ مروراً باتفاقية ١٧ أيار المشؤومة وصولاً إلى اليوم، تؤكد أن القوة السياسية والدبلوماسية للبنان في المحافل الدولية لم تُبنَ يوماً على خطابات الاستجداء المجردة من القوة، بل كانت دائماً حصيلة تكامل وثبات ميداني يُلزم المجتمع الدولي باحترام الموقف اللبناني.

كذلك، فإن التخلي عن التلال للجيش اللبناني في ظل موازين قوى وسياسات دولية لا تسمح للمؤسسة العسكرية حالياً بالدخول في مواجهة عسكرية كبرى ومفتوحة مع "إسرائيل" يعني عملياً وضع الجيش أمام خيارين كِليهما كارثي: إما التصادم المباشر مع العدو دون سلاح أو تكافؤ، أو التحوّل إلى حارس لحدود الاحتلال وضامن لأمنه، وهو ما يُسقط الهوية الوطنية للجيش ويُدخله في أتون الصراعات والضغوط الداخلية، وهنا بيت قصيد فريق الفتنة والتقسيم في لبنان.

قراءة مقلوبة لموازين القوى
إن الحديث عن "اختلال ميزان القوى بين حزب الله وإسرائيل" كمسوّغ إضافي لإخلاء التلال والاستسلام للتفاوض يشكّل إمعاناً في قلب الحقائق وتشويه الوقائع، فمنطق المقاومة لا ولم يستند في يوم من الأيام إلى تكافؤ القوى التقليدي مع العدو؛ فلو كان هذا هو المعيار والمقياس الحاكم للصراع، لما تحرر الجنوب عام ٢٠٠٠، ولما صمد لبنان أمام الآلة العسكرية الصهيونية في حرب تموز ٢٠٠٦، كذلك، فإن النفوذ والسيطرة الميدانية في الحروب غير المتناظرة لا تُقاس بالقواعد العسكرية التقليدية، فالسيطرة على التلال ليست مجرد تموضع جغرافيا صلبة، بل هي جدار ردع ونقطة كشف تمنع العدو من استباحة القرى والمدن الخلفية، ويقودنا ذلك للقول: إن التسليم الطوعي لهذه النقاط الإستراتيجية تحت شعار "إعادة التموضع الدبلوماسي" هو بمنزلة انتحار عسكري وسياسي متكامل الأركان، فالعدو "الإسرائيلي" لا يفهم لغة "حسن النوايا" ولا يحترم التنازلات الطوعية، بل يرى فيها دائماً مؤشراً صارخاً على الانكسار والضعف، مما يدفعه حتماً لرفع سقف شروطه وتوسيع دائرة أهدافه الأمنية والسياسية.

 الرهان على الصراع الإقليمي
إن اختزال الموقف الميداني في الجنوب بكونه مجرد "رهان على تجدّد الحرب بين طهران وواشنطن" لا يعدو كونه قراءة تسطيحية لطبيعة الصراع تُسقط الأبعاد الوطنية المباشرة لمعركة الجنوب والحدود اللبنانية.

فإن الصمود على التلال وفي الحواف الأمامية لا علاقة له بتنفيذ أجندات إقليمية وليس انتظاراً لتفاهمات بين واشنطن وطهران، بل هو دفاع عن أرض لبنانية وسيادة وموارد يُراد استباحتها وتجريد لبنان منها. والفرق الجوهري بين الفريق الداعي للتفاوض وفريق المقاومة يكمن في كيفية النظر إلى الدور الأميركي، فالأول يرى فيها "مخلّصاً قادراً على لجم "إسرائيل" عبر الاتفاقات الدبلوماسية والعقوبات، بينما يراها الثاني خصماً إستراتيجياً يُدير الحرب الاقتصادية والعسكرية على لبنان لخدمة المصالح الإسرائيلية حصراً، وتأمين التفوق الدائم لتل أبيب على حساب السيادة الوطنية.

البديل الوطني.. مقاومة
إن مواجهة الأزمة الراهنة تفترض وضع الخيارات الوطنية في نصابها الصحيح، بدلاً من تسويق فوضى السيناريوهات الفاشلة وإثارة الغبار في الداخل بلا طائل، والخيار الوحيد هو "الثبات والتكامل"، وفي هذا السياق لا بد من التأكيد أن الرئيس نبيه بري لم يكن يوماً في موقع "المستسلم التفاوضي" الذي يحمل أوراق التنازل ليقدمها مجاناً للطرف الأميركي، بل كان دائماً يخوض المفاوضات السياسيّة والدبلوماسية الشرسة متسلّحاً بصلابة الميدان وبأوراق قوة المقاومة، والتاريخ يشهد على ذلك في محطات كثيرة منذ العام ١٩٨٢ وحتى اليوم.

في المقابل يكرّر الفريق السياسي الموهوم بإمكانية الحصول على انسحاب إسرائيلي عبر الوعود الأميركية البراقة أخطاء التاريخ الكارثية، فالولايات المتحدة لم تفِ بوعودها للبنان في أي مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر. والتجارب الممتدة من "ضمانات فيليب حبيب عام ١٩٨٢" إلى "تعهدات ريغان"، مروراً بديمقراطية بوش وسلام أوباما وصولاً إلى الوعود الراهنة، تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن واشنطن تبيع الوهم وتشتري الجغرافيا والسيادة الوطنية لصالح الكيان الصهيوني.

إن التلال والمواقع الإستراتيجية في جنوب لبنان ليست عقاراً للبيع أو المقايضة، وليست بطاقة رخيصة يُلعب بها على طاولة المفاوضات الدولية لإرضاء هذه الإدارة الأميركية أو تلك. إنها خط الردع الأخير لمنع تحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة نفوذ أمنية ومستباحة للاحتلال الإسرائيلي. والرد الصحيح والمباشر على دعاة "التسليم والإخلاء" هو التأكيد على أن الحماية الوطنية لا تُستجدى من واشنطن، وأن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون وليد "اتفاقات إطار" مفرغة من القوة والتأثير، بل وليد الكلفة العالية والردع المباشر الذي يفرضه الصمود الميداني. وإن أشد ما يحتاج إليه لبنان اليوم ليس تقديم التنازلات المجانية لنتنياهو وحكومته الفاشية، بل الوعي السياسي الصلب الذي يفرق تماماً بين "الواقعية السياسية" الحقيقية وبين "السذاجة الإستراتيجية" التي تُفرّغ الوطن من عناصر قوته وتتركه مكشوفاً وأعزلَ أمام أطماع العدو.

الكلمات المفتاحية
مشاركة