مقالات
كاتب من مصر
رغم الجهود المضنية التي يبذلها العدو "الإسرائيلي" للإيحاء للخارج والداخل بأنه منتصر وأنه يقود الكيان إلى مستقبل باهر وآمن، عبر التخلص من أعدائه وتشكيل معادلات رادعة بيد طولى وفرض مشروع "إسرائيل" الكبرى ترغيبًا وترهيبًا، إلا أن واقع الجبهة الداخلية الصهيونية يفضح زيف هذه الصورة ويكشف حجم الاهتراء والقلق وانعدام الثقة.
ولا شك أن تقارير الأمن القومي تعكس الوضع الاستراتيجي لكل بلد، فهناك فارق بين تقارير المنتصر الذي يسعى لتثبيت انتصاراته والحفاظ على مكاسبه الاستراتيجية، وبين تقارير القلِق الذي يناقش مؤشرات التهديد وينتقد عدم علاج الأخطاء الكارثية ويحذر من انهيار الجيش، وغيرها من مفردات القلق الصهيوني التي حفلت بها تقارير الأمن القومي ومؤتمراته.
وقبل مناقشة ما جاء في هذه التقارير وما تعكسه من حقيقة الوضع الصهيوني المهترئ، يمكن الإشارة إلى واقعتين حديثتين قد تصلحان كمدخل كاشف لهذا الوضع:
الأولى تتمثل في ما شهدته قاعدة "سدي تيمان" العسكرية "الإسرائيلية" والتي وصفت بأنها واقعة غير مسبوقة، وتمثلت في تمرد نحو 100 جندي من لواء غفعاتي، بينهم مقاتلون وقادة في كتيبة "تسابار"، حيث تركوا القاعدة العسكرية وتركوا أسلحتهم عقب خلاف مع قائد الكتيبة، وهو ما أدى إلى إخراج الكتيبة من الجاهزية العملياتية، رغم أنها كانت تستعد للانضمام إلى العمليات العسكرية في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة.
والثانية تتمثل في ما شهده مطار اللد "بن غوريون"، من حالة من الفوضى بعد توقّف شبه كامل لحركة الطيران إثر إضراب مفاجئ للعاملين، ما أدّى إلى تعليق عمليات الهبوط خلال ذروة موسم السفر الصيفي.
وأشارت التقارير إلى أنّ الإضراب جاء على خلفية نقص حادّ في أعداد الموظفين وعدم قدرة الطواقم على تحمّل الضغط التشغيلي، والأمر اللافت هو أن دائرة النقل التابعة للاتحاد العام للعمال في "إسرائيل" (الهستدروت) نفت إصدار أيّ توجيه بالإضراب، وهو ما يعني تمردًا فئويًا فرديًا.
وإن كان لنا أن نستخلص شيئًا من هاتين الواقعتين، فقد نستخلص أن هناك فشلًا مزدوجًا في الجيش والحكومة، سواء في الإدارة أو في التعاطي مع ردود الأفعال، والأهم أن هناك تحركات فردية بما يعد تمردًا، وهو أمر جديد يعكس تململًا وتراكمات أكثر مما يعكس كونه أزمة عابرة.
الجبهة الداخلية والقلق المركب:
هناك قلق داخلي صهيوني مركب، حذّر منه تقرير صادر عن مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS، أعدّه العقيد غابي سيبوني، حيث حذّر من تصاعد التهديدات الداخلية في "إسرائيل"، وأن التهديد لم يعد محصورًا في المواجهات الإقليمية، بل يشمل اضطرابات داخل المدن المختلطة، وتصاعد الجريمة المنظمة، واحتمال تسلل هجمات إلى العمق المدني.
قلق من عجز الحكومة عن حماية الجبهة الداخلية:
وقد أصدر مراقب الدولة "الإسرائيلي" متنياهو إنغلمان، تقريرًا لاذعًا كشف فيه حجم العجز الحكومي في إدارة الجبهة الداخلية منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من حرب متعددة الجبهات.
واتهم التقرير الحكومات المتعاقبة بتجاهل التوصيات بضرورة تعزيز الجاهزية المدنية، وخصوصًا حكومة نتنياهو الممتدة عبر معظم العقدين الماضيين، واتهمها بأنها فشلت في بناء منظومة مدنية متماسكة لإدارة الطوارئ خلال الحرب أو الكوارث الطبيعية.
وأشار إلى أن البنية التحتية الحكومية بدت "هشّة وضعيفة" أمام احتياجات الجمهور خلال الحرب، ما عزز الشعور السائد بين "الإسرائيليين" بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الخطر.
وهنا يمكننا استخلاص انعدام الثقة والانتماء، وهو ما يفسر محاولات الهجرة المتصاعدة.
تحذيرات استراتيجية كبرى:
وقد عكست دراسة شاملة لمعهد دراسات الأمن القومي مواطن الخطر الاستراتيجي على الكيان، وقد كشفت الدراسة عن منظومة مترابطة من التهديدات، يغذي بعضها بعضًا ويزيد من حدته، وتصدرت القائمة أربعة تهديدات رئيسية:
1- اندلاع مواجهات عنيفة بين فئات المجتمع "الإسرائيلي" (39 في المئة).
2- امتلاك إيران للسلاح النووي (39 في المئة).
3- هجوم صاروخي واسع النطاق على الجبهة الداخلية (35 في المئة).
4- تقويض الطابع الديمقراطي للدولة (31 في المئة).
واللافت هنا أن قضية البرنامج النووي الإيراني التي يتاجر بها نتنياهو تتساوى في خطورتها عند الجمهور والخبراء مع الخوف من المواجهات بين فئات الجبهة الداخلية، كما تقترب نسبتها مع المخاوف من غياب الديمقراطية لما تحمله الممارسات الديكتاتورية اليمينية من نذر حقيقية تقود إلى هذا الاشتباك.
تحذيرات من انهيار الجيش
ولعل أخطر التحذيرات هو ما تعلق بالتحذير من انهيار جيش الحرب الصهيوني، ولا سيما وأنها جاءت على لسان رئيس أركانه إيال زامير، والتي حذّر فيها من خطر "انهيار داخلي" إذا استمرت الأوضاع الحالية دون معالجة جذرية.
فقد أبلغ زامير الحكومة خلال اجتماع مغلق بأن الجيش "قد ينهار على نفسه"، محذرًا من مؤشرات خطيرة تتزايد يومًا بعد يوم، واللافت أن الحكومة لم تتفاعل مع هذه التحذيرات، ولم تقدم أي حلول عملية لمعالجة الأزمة.
وهنا يجب تأمل أسباب تحذيرات زامير لأنها تشير إلى أزمات أخرى مترابطة يعمق بعضها بعضًا، فقد أوضح زامير أن الأزمة تتلخص في عدة عوامل متداخلة، أبرزها:
ضغط عملياتي غير مسبوق على القوات.
نقص حاد في عدد الجنود.
تآكل قوات الاحتياط نتيجة طول فترات الخدمة.
اتساع رقعة العمليات العسكرية على أكثر من جبهة.
وهذه التحذيرات تنسف ادعاءات نتنياهو بقدرة الكيان على إدارة حرب طويلة، أو قدرته على السيطرة على الخطوط الصفراء المزعومة، أو القدرة على خوض معارك برية.
وقد بدأ بالفعل الحديث داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" نفسها عن اقتراب لحظة قد لا يكون فيها الجيش قادرًا على الاستمرار بنفس الكفاءة، وهو ما يفسر وصف "الانهيار" الذي استخدمه زامير.
مؤتمر هرتسليا يكشف المستور
في المؤتمر السنوي الثاني والعشرين الذي نظمه معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة "رايخمان"، أطلق الرئيس "الإسرائيلي" إسحاق هرتسوغ تحذيرًا استثنائيًا وصف فيه مسار المجتمع "الإسرائيلي" بأنه تفكك متدرج: يبدأ بتآكل القواعد المشتركة، ثم التساهل مع مخالفة القانون داخل كل معسكر، ثم خطاب تحريض وتهديد وعنف، وينتهي بالنظر إلى الخصم السياسي باعتباره عدوًا. وهو توصيف يرسم ملامح دولة تتهاوى من الداخل قبل أن تنهي حروبها من الخارج، ليخلص هرتسوغ إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تقويض أسس الدولة ذاتها، داعيًا إلى إعادة بناء ما أسماه "العقد الإسرائيلي" على أسس جديدة.
والشاهد هنا أن عنوان المؤتمر كان كاشفًا للحظة "الإسرائيلية"، حيث حمل المؤتمر عنوان "بين الأمن القومي والحصانة القومية"، وخلال يومين من المداخلات، بدت النخبة السياسية والأمنية والأكاديمية في "إسرائيل" كأنها تتحاور حول سؤال واحد: كيف يمكن لدولة تمتلك قوة عسكرية واسعة أن تبدو قلقة إلى هذا الحد من تماسكها الداخلي ومن قدرتها على تحويل الضربات العسكرية إلى نتائج سياسية؟
والخلاصة أننا أمام مجتمع مهترئ وجبهة قلقة ورؤية استراتيجية قاصرة اعتمدت على المكاسب التكتيكية بالإبادة والقتل بسلاح الجو والاغتيالات والسيطرة النارية، فيما فشلت في ترجمة ذلك لأي مكسب استراتيجي، بل وفي وسط انشغالها بالجرائم، نسيت جبهتها الداخلية وعانت من خسائر استراتيجية وازنة، أهمها مجتمع متماسك وجيش قوي وسردية تبرر بها الاحتلال بل والبقاء.