نقاط على الحروف
دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال
لا شيء يُعبّر عن الدرك الأسفل الذي وصلت إليه الصحافة في لبنان. بكل بساطة، باتت مؤسسات العدو ووسائل إعلامه مصدرًا لوسائل إعلام لبنانية. الأخيرة تتبنى ما يرد من جهة عاثت قتلًا وتدميرًا في لبنان دون أي مسؤولية اجتماعية ومهنية وأخلاقية. وتزداد هذه الإشكالية عندما تُقدَّم تلك المعلومات "الإسرائيلية" للقارئ باعتبارها حقائق مكتملة، من دون الإشارة إلى مصدرها الأصلي أو مناقشة خلفياته وأهدافه واحتمالات انحيازه. وهنا، تكشف مثل هذه المواد المنشورة عن تحول في الممارسة الصحفية، إذ لم يعد الإشكال مقتصرًا على نقل معلومات غير موثقة، بل امتد إلى إعادة إنتاج روايات صادرة عن مؤسسات "إسرائيلية"، ما يطرح إشكاليات تتعلق بالمصداقية والشفافية والاستقلالية التحريرية.
وفي هذا السياق، تُظهر قراءة مقارنة لمقال نشرته صحيفة نداء الوطن، بعنوان من فوق الأرض دولة... ومن تحتها دويلة: سنوات من الحفر فكيف بنى حزب الله جمهوريته السرية؟، وجود تقاطع لافت بين عدد من المعلومات والتفاصيل الواردة فيه وبين ما نشره مركز الأبحاث "الإسرائيلي" "ألما" Alma Research and Education Center بشأن شبكة أنفاق حزب الله. التقرير "الإسرائيلي" صدر في تموز 2026 تحت عنوان Hezbollah's Land of Tunnels: An Investment of Billions of Dollars، وتناول شبكة أنفاق حزب الله من زاوية هندسية وعسكرية واقتصادية. وبعد أقل من شهر، وتحديدًا في 3 آب 2026، نشرت صحيفة نداء الوطن المقال المذكور والذي تناول الموضوع نفسه، وسط تقاطع واضح في التسلسل الزمني، والوصف الهندسي للأنفاق، ومتطلباتها اللوجستية، وطريقة تناول كلفتها.
وقبل الدخول في عملية تحليل المضمون، لا بد من الإشارة إلى أنّ الإشكال لا يقتصر فقط على تقاطع المعلومات الواردة في المقال مع تقرير مركز "ألما" الاستخباراتي والذي يشرف على إعداد تقاريره ضباط سابقون في الاستخبارات العسكرية للجيش "الإسرائيلي"، بل يمتد إلى طريقة إسنادها، حيث لجأ الكاتب إلى عبارات عامة ومجهّلة من قبيل: "وفق تقارير عسكرية"، و"تكشف تقديرات عسكرية ودراسات متخصصة"، و"يعتبر مراقبون عسكريون"، من دون تحديد هوية هذه الجهات أو الإشارة إلى التقرير "الإسرائيلي" بوصفه مصدرًا لهذه المعلومات، الأمر الذي يفتح الباب أمام مناقشة خلفيات نشره.
وانطلاقًا من ذلك، تعتمد المقارنة على منهج تحليل المضمون، من خلال تفكيك النصين إلى وحدات تحليل تشمل المفاهيم الرئيسة، والمصطلحات، والبنية الوصفية، والتسلسل السردي، والتفاصيل التقنية، بما يتيح رصد أوجه التقاطع، فتقرير "ألما" على سبيل المثال، يشير إلى أنّ "أرض الأنفاق" لا تقتصر على ممرات تحت الأرض، بل تشمل أنظمة دفاعية مترابطة ومنشآت عسكرية متكاملة، تضم مراكز عمليات، ومرافق تخزين، وأماكن سكن، وبنى تحتية لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتظهر هذه الفكرة بصورة واضحة في مقال نداء الوطن الذي كتب: "ولم يقتصر المشروع على الممرات الضيقة، بل تطور إلى بنية تحتية متكاملة تحت الأرض، تضم مخازن للأسلحة والذخائر، وغرف قيادة، ومسارات تتيح انتقال المقاتلين والعتاد بعيدًا من الاستهداف المباشر". وهنا لا يقتصر التشابه على الفكرة العامة، بل يمتد إلى البنية الوصفية نفسها؛ إذ ينتقل المقال من نفي كون الأنفاق مجرد ممرات إلى وصفها كبنية عسكرية متكاملة، وهي الفكرة المركزية في تقرير "ألما".
فكرة إضافية تبين التقاطع، حيث يُفصّل تقرير "ألما" في الجوانب الهندسية للمشروع، موضحًا أن إنشاء الأنفاق في الصخور الجبلية يحتاج إلى معدات حفر ثقيلة، وأعمال تفجير، وأنظمة تدعيم بالحديد والخرسانة، إضافة إلى أنظمة تهوية وكهرباء واتصالات وتصريف مياه. وتتقاطع هذه التفاصيل مع ما ورد في المقال المذكور حيث ورد فيه: "يحتاج المشروع إلى آلات ثقيلة هيدروليكية، تشمل أعمال الحفر والتدعيم بالخرسانة والتهوية والكهرباء والاتصالات والتمويه". وهنا لم يكتفِ المقال بوصف الأنفاق عسكريًا، بل أورد مجموعة من التفاصيل التقنية والهندسية التي تشكل محورًا أساسيًا في تقرير "ألما".
كما يذكر تقرير "ألما" أنّ أحد التحديات الأساسية في مشروع الأنفاق تمثل في التخلص من كميات ضخمة من الصخور الناتجة عن عمليات الحفر، مع ضرورة نقلها بصورة سرية لتجنب كشف المشروع. وتظهر الفكرة نفسها في مقال نداء الوطن الذي يورد: "وقدرة على نقل كميات هائلة من الصخور والأتربة من دون إثارة الانتباه". ويُلاحظ هنا تقاطع في تفصيل تقني محدد ودقيق، ورد ضمن التحليل الهندسي للمشروع في تقرير "ألما".
الكلفة والتمويل: تقاطع في البناء السردي
يذهب تقرير مركز "ألما" إلى أن مشروع الأنفاق "تم تطويره على مدى عقدين على الأقل بمساعدة كورية شمالية وإيرانية"، قبل أن يفرد مساحة واسعة لتقدير كلفته المالية، لافتًا إلى أن إجمالي الاستثمارات في البنية التحتية تحت الأرض لحزب الله خلال العقدين الماضيين بلغ بين مليار وثلاثة مليارات دولار على الأقل، مستندًا إلى تقديرات مرتبطة بتكاليف الحفر والتدعيم والأنظمة الهندسية. ويتقاطع مقال نداء الوطن مع هذا الطرح، إذ يربط مباشرة بين المشروع والتمويل الإيراني، سائلًا: "كم صرفت إيران على أنفاق حزب الله؟"، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الكلفة المالية للشبكة، والتي أعطاها صياغة أكثر عمومية، لافتًا إلى أن إنشاء مثل هذه الشبكات يحتاج إلى استثمارات كبيرة كلفتها الإجمالية تتراوح بين مئات الملايين ومليارات من الدولارات. وعلى الرغم من أن المقال لا يكرر نص تقرير "ألما" حرفيًا، فإنه يحافظ على البناء السردي نفسه، القائم على الربط بين تطوير شبكة الأنفاق والدعم الإيراني ثم الانتقال إلى تقدير حجم الإنفاق عليها.
التقاطع الإعلامي وحدود المهنية
في الختام، تجدر الإشارة إلى أن التقاطع في المواد الصحفية أمر وارد جدًا في عالم الإعلام، ولا يعني وجود تقاطع بين مادتين صحفيتين بالضرورة أن إحداهما استندت إلى الأخرى؛ فمن الطبيعي أن تتناول وسائل الإعلام ومؤسسات أخرى الموضوعات ذاتها، وأن تتشابه في بعض المعلومات العامة. غير أن ما تكشفه هذه المقارنة يتجاوز حدود التشابه العفوي، إذ لا يقتصر الأمر على تلاقي الأفكار الرئيسة، بل يمتد إلى تقاطع في البنية السردية، والتسلسل في عرض المعلومات، والتفاصيل التقنية والهندسية، فضلًا عن طريقة تناول الكلفة والتمويل.
كما أنّ غياب الإحالة الصريحة إلى تقرير مركز "ألما"، كما فعلت وسائل إعلامية تناولت التقرير بشكل خبري، وأرفقت المعلومات بعبارات التشكيك من قبيل "زعمت" و"ادعت"، والاستعاضة عن هذه الإحالة بإسناد المعلومات إلى عبارات عامة، يثير تساؤلات مهنية حول معايير الشفافية، وحق القارئ في معرفة الجهة التي أنتجت هذه الرواية، ولا سيما عندما تكون صادرة عن مركز أبحاث تابع لجهة شنّت كافة أنواع الإجرام بحق الشعب اللبناني. فالإفصاح عن المصدر يظل أحد المبادئ الأساسية للممارسة الصحفية المهنية، لأنه يتيح للقارئ تقييم المعلومات في ضوء مصدرها وخلفيته وسياقه، بصرف النظر عن مدى صحتها أو دقتها.