مقالات
صحافية لبنانية
صور الحرب على المقاومة وبيئتها عديدة. بين شركاء العدوان الصهيوني الأمريكي المباشرين، والواقفين على التلّ دون أن يُطلقوا موقفًا واحدًا ضدّ جريمة الإبادة الحاصلة بحقّ اللبنانيين، هناك فئةٌ ثالثة تضيع أهدافها بين التواطؤ واستغلال الفرص وتحقيق المصالح الشخصية، وصولًا الى البناء على قناعة غير محسوبة تقود إلى تقديم نفسها على أنها بديل فريق المقاومة، في حال هُزم في المواجهة.
هذا الطرح حاضرٌ لدى مُعارضين لفريق المقاومة في الداخل، غير أن الرياح لا تجري دائمًا بما تشتهي السفن. الخلافات تُصيب "مجتمعهم" وتضرب "تآلفهم" وتُحبط "تكاتفهم" بوجه المقاومة وشعبها.
أحدثُ المشاهد المُسجّلة ما عبّر عنه الصحافي محمد بركات صراحة عبر حسابه على "إكس" حين قال حرفيًا: "هناك إدارة غبية لملف الشيعة المستقلّين ستجعل الشيعة الغاضبين يعودون إلى كنف حزب الله.. حاولوا تلزيم المعارضة الشيعية لمارك ضو وميشال حلو وسواهم من غير الشيعة، والنتيجة عجزوا عن جمع 20 معارضًا في قاعة، بعدما صرفوا ميزانية بمئات آلاف الدولارات".
مراقبون يرون في الاشتباك المُعلن خلافًا على محاصصة "الكيكة"، بمعنى أن تهميش بركات وأشباهه من الشيعة الكارهين لخطّ المقاومة يُخفي صراعًا على حيثية معنوية ومادية يبحث عنها هؤلاء للفوز بها، عبر مموّلين من الخارج ومن عواصم أوروبية. لم ينل هؤلاء رضا الجهة الداعمة لهذا المشروع الفاشل، فخرج هذا التقاتل على الحصص والأموال إلى العلن، نظرًا لاستثناء بركات وغيره من قائمة الدعم المالي المباشر.
أكثر من اسمٍ يستقطب اهتمام الخارج منذ أكثر من سنة في سياق هدف واحد؛ البحث عمّن يحلّ مكان حزب الله، إذ يُعمل على المشروع من خلال إنجاز دراسات عنوانها "البيئة الشيعية مُنقسمة" و"هناك حالة من المعارضين يجب أن يكونوا هم البديل عن حزب الله وحركة أمل"، وطبعًا بعناوين وأسماء تُصاغ للفت النظر؛ إمّا "أصوات من جبل عامل"، وإمّا "نداء لإنقاذ لبنان"، وإمّا "مبادرة دورنا نحكي"، وإمّا "المجلس الثقافي الجنوبي"، فيما هناك منهم من يرفض أن تُحصر حيثيته بالهوية الطائفية حتى لا يوضع في خانة المقارنة بين ما يمثّل، وما يمثّل الثنائي الوطني.
المفارقة في هذا المشروع الذي أغضب بركات، أنه لُزّم فعليًا لغير أبناء الطائفة الذي يقدّمون أنفسهم على الدوام بأنهم معارضون ومستقلّون؛ أي الاستثمار بغير الشيعة كما قال. التخبّط أودى بالمشروع إلى الاستعانة بالمسيحيين والدروز من أجل الترويج للهدف: العدالة، والتصالح مع الدولة، وحماية الوجود ورفض مصادرة الجنوب.
هؤلاء المدعومون من أطراف خارجية تعمل على إنتاج مستوى من الشيعة والمعارضين لخطّ المقاومة يطرحون فكرة "طريق نحو مستقبل أكثر عدلًا وحرية واستقرارًا"، لكن العدالة نفسها تغيب عندما تحضر الأموال والمساعدات.
المشكلة أن توحيد هذا الخطاب بات مهمّة مستحيلة. فهذه الحالة عبارة عن مجموعة معارضات. بين من هو محسوب على فريق رئيس الحكومة نواف سلام، وبين من يطرح نفسه معارضًا "مُعتدلًا"، وبين من يُدار مباشرة من السفارة الأمريكية وسفارات عربية أخرى، وبين من لم يجد إلى الآن تصنيفه، فبقي ضائعًا بين هذا وذاك تحت شعار رفض حالة المقاومة.
في سجّل الاشتباكات أيضًا، يتقدّم اسم النائب مارك ضو مجدّدًا. هذه المرة مع القواتي طوني أبي نجم بسبب ما اعتبره الأخير تدخل ضو في ملف إخلاء عقار في بيروت وقرارات النائب العام الاستئنافي القاضي رجا حاموش.
أبي نجم هاجم عبر موقع صحافي له ضو بشراسة، قائلًا إن الأخير هاجم حاموش لتراجعه عن إخلاء مبنى مهجور في بيروت مالكه درزي، وإن المبنى تشغله حاليًا عائلات شيعية نازحة من الجنوب تريّث القضاء في إجلائها لأسباب إنسانية. ضو ردّ بأن العقار لا يعود لمالك درزي بل للمواطن المسيحي طوني عجرم وتسكنه عائلات بإيجارات قديمة من سكان العاصمة وليسوا نازحين. ليُعيد أبي نجم هجومه واصفًا مواقف ضو بـ"الشعبوية الفارغة"، ومُؤكدًا أن وصوله إلى المجلس النيابي هو "الفضيحة".
صحيحٌ أن هذا الاشتباك ليس على خلفية المقاومة، غير أنه مرآة لما هو عليه فريق مهاجمة حزب الله وسلاحه. كلٌّ يمشي على أجندة شخصية تتحّكم بها مصالح فردية، ولم يعد حبّ "اسرائيل" والسكوت عن جرائمها يوحّد هذا الجمْع. أصبح هؤلاء تحديدًا يحتاجون إلى جبهة إنقاذ تُعيد ماء وجههم في ظلّ تضاربهم وتنافسهم.
لذلك، فإن مشهد الخلافات الأخيرة لا يبدو تفصيلًا عابرًا في "معسكر" معارضي المقاومة، بل يكشف أزمة أعمق: أزمة مشروع يبحث عن جمهور قبل أن يمتلك مشروعًا، وعن تمويل قبل أن يُثبت حيثيته، وعن دور قبل أن يحدد موقعه. وحين تتقدم هذه الحسابات على السياسة، يصبح طبيعيًا أن ينقلب التآلف إلى تنافس، والاستقلال إلى اصطفافات، والمعارضة إلى معارضات متنازعة.
ولعلّ أكثر التوصيفات دقّة في كلام بركات كان "الإدارة الغبية لملف الشيعة المستقلّين". فعلًا، لقد أصاب في توصيف النتيجة، وإن كان يمكن إضافة ما هو أبعد من ذلك: الغباء ليس فقط في إدارة هذا الملف، بل في الاعتقاد أصلًا بأن بيئة المقاومة يمكن اختزالها في مجموعة أسماء يجري جمعها وتمويلها وتسويقها على أنها البديل الجاهز.
المشكلة ليست في أن هناك شيعة يعارضون حزب الله. المشكلة في محاولة توظيف هؤلاء سياسيًا، وإعادة تركيبهم وفق حاجات الخارج وحساباته، ثم تقديمهم إلى جمهورهم بوصفهم مشروعًا متكاملًا. عندها تحديدًا تبدأ التناقضات بالظهور، ويصبح السؤال الذي يطارد هذا المشروع أبسط من كل الشعارات: إذا كنتم عاجزين عن الاتفاق في ما بينكم، فكيف تريدون إقناع الناس بأنكم البديل؟