اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

اسبوع الوحدة الإسلامية
المقال التالي الاحتلال يواصل عدوانه على غزة.. شهيدان ومصابون بينهم طفل

مقالات

🎧 إستمع للمقال
مقالات

"إسرائيل" والحرب الاقتصادية على إيران: بين القيد الأميركي والهامش العملياتي المضبوط  

110

قد يكون مفهوماً ألّا تحظى الحرب الاقتصادية الأميركية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمواكبة إعلامية إسرائيلية تتناسب مع خطورة هذا المستجد، ولا سيما أن الصراع دخل طوراً يغلب عليه الطابع الاقتصادي، في وقت تتزاحم على الأجندة الإسرائيلية والإقليمية أولويات أكثر حضوراً، من لبنان إلى غزة وسورية. غير أن محدودية الحضور الإعلامي لا تعني محدودية الاهتمام داخل دوائر التقدير وصنع القرار؛ فمجال ما تتابعه هذه الجهات أوسع بكثير مما يظهر في وسائل الإعلام، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإيران، بما تمثله من تهديد إستراتيجي لإسرائيل.

ومن هنا، لا يقتصر السؤال لدى الجهات المختصة على ما إذا كانت واشنطن ستتمكن من تنفيذ قراراتها الاقتصادية كما أُعلنت، بل يمتد إلى درجة فاعلية التنفيذ، وحجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالبنية الاقتصادية والاجتماعية الإيرانية، ومدى قدرة هذا الضغط على التأثير في الحسابات والقرارات الإستراتيجية للنظام الإيراني. فالمسألة ليست مقدار الضرر في ذاته، وإنما ما إذا كان سيبقى في حدود الاستنزاف القابل للاحتواء والتكيف، أم سيتحول إلى ضغط يمس حسابات الأمن القومي الإيراني وخيارات القيادة الإستراتيجية.

ويكتسب هذا السؤال أهمية مضاعفة إذا كانت طهران تنظر إلى الإجراءات الأميركية باعتبارها تهديداً يتجاوز الضغط الاقتصادي إلى ما يمس قدرتها على الصمود وأمن النظام ومكانة الدولة الإقليمية. فكلما اقترب إدراك التهديد من المستوى الوجودي، ازدادت أهمية كيفية ترجمة هذا الإدراك إلى سلوك سياسي وأمني وعسكري.

وعند هذه النقطة ينتقل مركز التقدير من فاعلية الضغط إلى طبيعة الاستجابة: هل ستسعى إيران إلى امتصاص الضغوط أو الالتفاف عليها وكسرها، أم تنتقل تدريجياً إلى خيارات هجومية تصعيدية؟ وإذا اتجهت إلى التصعيد، فما السقف الذي يمكن أن تبلغه؟ وما الأدوات والساحات التي قد تستخدمها؟ وما الذي يمكن أن يدفعها إلى توسيع المواجهة أو ضبطها؟

ولا يمكن تحليل السلوك الإيراني بمعزل عن رد الفعل الأميركي المحتمل؛ إذ إن كل خطوة إيرانية ستدخل في حسابات واشنطن المتعلقة بكلفة التصعيد، وفاعلية الردع، وحماية القوات والمصالح والحلفاء، ومدى قدرتها على مواصلة الضغط الاقتصادي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع. وبذلك لا تعود الحرب الاقتصادية مساراً أحادي الاتجاه، بل تصبح عملية تفاعلية يعيد فيها كل رد تشكيل حسابات الطرف الآخر وخياراته اللاحقة.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال الإسرائيلي. فإسرائيل لا تراقب الحرب الاقتصادية من زاوية آثارها في الاقتصاد الإيراني فحسب، وإنما من زاوية مآلات التفاعل الأميركي ـ الإيراني كله: هل يؤدي الضغط إلى إضعاف إيران وتقييد قدرتها على المبادرة، أم يدفعها إلى استخدام أوراق القوة المتاحة لديها؟ وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتصرف إذا تحولت الحرب الاقتصادية من أداة لإضعاف إيران إلى محفز لتوسيع المواجهة؟

وعليه، فإن التقدير الجدي لا ينبغي أن ينطلق من سؤال أحادي عن نجاح الحرب الاقتصادية أو فشلها، بل من تحليل مسار تفاعلي تتقاطع فيه أربعة مستويات مترابطة: قدرة الولايات المتحدة على فرض الضغط الاقتصادي فعلياً؛ قدرة إيران على التكيف معه أو الرد عليه؛ طبيعة الرد الأميركي على السلوك الإيراني؛ ثم الطريقة التي ستقرأ بها إسرائيل هذا المسار وتحوّله إلى خيارات سياسية وأمنية وعملياتية.

أما المتغير الحاسم الذي يضبط انتقال الأطراف بين هذه الخيارات، فهو شبكة القيود والحوافز: ما الذي يمنع كل طرف من الذهاب أبعد؟ وما الذي يدفعه إلى التصعيد؟ وما الكلفة التي يخشاها؟ وما المكسب الذي يعتقد أنه يستطيع انتزاعه؟ وما العتبة التي يصبح عندها عدم الرد أكثر كلفة من الرد؟ فمن خلال هذه العناصر يمكن الانتقال من توصيف الحرب الاقتصادية إلى تقدير مساراتها المحتملة وفهم منطق القرارات التي قد تنتج عنها.

وفي ضوء ذلك، يبقى الاحتمال الأرجح، حتى الآن، أن تتعامل إسرائيل مع مسار الحرب الاقتصادية الأميركية ـ الإيرانية من موقع المراقب المنخرط في التقدير والتنسيق، لا من موقع الطرف الذي يمتلك حرية مستقلة في تحديد اتجاه التصعيد. ومن المتوقع أن تواصل تبادل التقديرات مع واشنطن ومراجعة السيناريوهات وتنسيق الخيارات بما لا يربك المقاربة الأميركية أو يفرض على الولايات المتحدة مساراً لم تختره.

فإسرائيل، على الرغم من امتلاكها أدوات عسكرية وأمنية واسعة، لا تملك هامشاً إستراتيجياً مفتوحاً تجاه إيران بمعزل عن الموقف الأميركي، وخصوصاً ما دامت واشنطن تدير هذه المرحلة من المواجهة عبر الضغط الاقتصادي بوصفه الأداة المركزية. وينسحب هذا القيد أيضاً على الساحتين اللبنانية والسورية، إذ ينبغي أن يبقى الهامش العملياتي الإسرائيلي فيهما مضبوطاً بما لا يخلق ديناميات تصعيدية تقوض أهداف واشنطن أو تدفع طهران إلى توسيع نطاق الرد.

وهذا لا يعني تجميد الحركة الإسرائيلية، بل يعني أنها ستظل، على الأرجح، ضمن هامش متحرك تحت سقف إستراتيجي: يمكن لإسرائيل أن توسع أو تضيق عملياتها تبعاً للظروف، لكنها ستبقى حذرة من تجاوز العتبة التي قد تنقل المواجهة من إدارة الضغط والتصعيد المحدود إلى انفجار إقليمي أوسع.

ومن هنا تتحدد المفاهيم المفتاحية لفهم المرحلة المقبلة: القيد الإستراتيجي، والهامش العملياتي، وعتبة التصعيد، والتفاعل بين الساحات، وإدارة التصعيد. وبذلك، فإن السؤال المركزي بالنسبة إلى إسرائيل لا يقتصر على: ماذا تريد أن تفعل؟ بل يمتد إلى سؤالين أكثر أهمية: ما الذي تستطيع أن تفعله ضمن السقف الأميركي القائم؟ وما المتغيرات التي يمكن أن تدفع هذا السقف نفسه إلى الارتفاع أو الانخفاض؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة