مقالات
المولد النبوي الشريف في الوجدان المغاربي
احتفالات المولد النبوي ودلالات أسبوع الوحدة الإسلامية
يحتلّ الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف مكانة مركزية وعميقة في الوجدان الشعبي والديني لكل من تونس والمغرب وليبيا والجزائر والشعوب المغاربية والعربية والاسلامية ككل، حيث تتشابه المظاهر الاحتفالية وتتكامل الروحانيات في تجسيد حب النبي المصطفى(ص).
في المغرب، ترتبط الذكرى بالمديح والسماع، ومجالس القرآن، وتقاليد عريقة تعزز الارتباط بالمؤسسة العلمية والروحية، بينما تتزيّن البيوت في تونس الخضراء بصنع طبق "العصيدة" وإعداد مجالس الذكر والابتهالات في المساجد والزوايا لا سيما في القيروان العاصمة الروحية للتونسيين والتي يمثل الاحتفاء بها لمولد الرسول خصوصية كبيرة . هذا الاحتفاء المجتمعي المغاربي المشترك هو رافد أساسي من روافد الهوية الحضارية والروحية للمنطقة المغربية.
أسبوع الوحدة الإسلامية: فرصة تاريخية لتجاوز الخلافات
يأتي أسبوع الوحدة الإسلامية ليطرح أفقا فكريًا وحضاريًا رفيعًا. وهي مبادرة أطلقها الإمام الخميني عام 1981 وتهدف إلى تحويل نقاط الاختلاف التاريخي حول تحديد تاريخ المولد النبوي إلى محطة للالتقاء والتآلف. فبدلًا من أن يكون التاريخ مبعثًا للفرقة والشتات، تحول بفضل وعي المصلحين إلى جسر للتواصل الإنساني والروحي بين مختلف مكونات الأمة الإسلامية.
دلالات الوحدة في زمن التحديات
تكتسب دعوة الوحدة الإسلامية اليوم أهمية مضاعفة، لا سيما في ظل الهزات السياسية والصراعات المذهبية التي تحاول قوى الهيمنة الاستعمارية والصهيونية تغذيتها لتمزيق صف الأمة. الحاجة إلى وحدة الصف أصبحت ضرورة وجودية لا رفاهية فكرية، شريطة أن تُبنى على أساس وحدة الموقف والوعي والمصالح الكبرى، لا مجرد شعارات استعراضية عابرة.
وتتجلّى رمزية هذه المناسبات العطرة بوضوح في عمق الحواضر المغربية، فمن حواضر العلم والمعرفة في سوس العالمة أكادير تتوالى الفعاليات المجتمعية الحية، كجلسات المحبة في فضاء أدرار بمناسبة ذكرى ربيع الأنوار تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. ولا ينفصل الاحتفاء بالمولد النبوي في الوجدان المغربي عن قضايا الأمة الكبرى، حيث تتلخص روح التضامن والوفاء في شعارات واضحة تعكس نبض الشارع: "الربيع النبوي محبة واقتداء.. فلسطين أمانة والتطبيع خيانة.. والمغرب وفلسطين شعب واحد مش شعبين"، مؤكدة بذلك أن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم ترتبط ارتباطا وثيقا بنصرة المظلومين والوقوف إلى جانب الأشقاء في فلسطين الحبيبة.
الواقع والرهانات
من جانبه، يطرح المحلل والباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي لـ" العهد" الإخباري زوايا تحليلية عميقة عند مقاربة قضايا الفكر الديني، التنوع المذهبي، ورهانات الوحدة في المنطقة المغاربية والعالم الإسلامي.
وتنطلق رؤية الحاجي من قناعة راسخة بأن التنوع داخل الأمة الإسلامية يجب أن يُنظر إليه كغنى وتكامل، وليس كمصدر للصراع والصدام، ويؤكد ضرورة تحصين المجتمعات العربية والإسلامية ضد خطابات التكفير والكراهية والتطرف التي تحاول طمس الهوية الجامعة لصالح مشاريع التفتيت. ويرى أن الاحتفالات الدينية الكبرى - كالمولد النبوي الشريف - ومناسبات التقريب كأسبوع الوحدة الإسلامية، يجب أن تستثمر لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة، وتفعيل آليات الحوار المشترك بين المذاهب الإسلامية، وجعل القضايا المركزية للأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومظلومية غزة والقدس بوصلة حقيقية توحّد الجهود وتجمع الكلمة ولا تفرقها.
يقدم التناغم بين الروح الاحتفالية العميقة للمولد النبوي الشريف في تونس والمغرب والجزائر وباقي الدول العربية والاسلامية، وبين الأفق الإستراتيجي لأسبوع الوحدة الإسلامية،نموذجا حيا لإمكانية تجاوز التشرذم.
وحين تلتقي نخب الفكر والتحليل على ضرورة تغليب منطق الحوار والمصالح الكبرى للأمة، فإننا نخطو خطوة ثابتة نحو تحويل التنوع الإسلامي إلى قوة اقتدار حضاري وإنساني قادر على مواجهة كل أشكال الهيمنة والتفتيت.