اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حاتمي: إمكانات صناعتنا الدفاعية غيّرت حسابات العدو وأرغمته على قبول الحل السياسي

مقالات

المقاومة أمام عدوين في
🎧 إستمع للمقال
مقالات

المقاومة أمام عدوين في "معركة علي الطاهر"

124

إن ما تشهده أرض جبل عامل اليوم ينضوي تحت استراتيجية الأرض المحروقة التي تسعى إلى تقطيع أواصر الانتماء بين الأرض وأهلها، حيث يعمد العدو إلى تجريف القرى ومحو الشواهد التاريخية والمقابر لإزالة الذاكرة الجمعية وتغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية بالكامل. ويمتد هذا التدمير الممنهج ليتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة نحو فرض واقع جديد يمنع العودة ويحرم المنطقة من مقومات الحياة الأساسية، وهو ما يعيد إلى الأذهان النماذج القائمة على التفكيك الشامل للبنى التحتية والتاريخية كما حدث ويحدث في قطاع غزة. ويبقى الصمت الرسمي والتقصير الإداري عاملًا يحمل القائمين على السلطة مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتصل بالعجز عن حماية المكونات الأساسية للوطن وسيادته، في وقت تتطلب فيه هذه التحولات الجذرية موقفًا حازمًا يراعي صمود المواطنين ويثبت حقهم في أرضهم وتاريخهم.

تتقاطع القرارات والإجراءات السياسية للجهات الرسمية مع الاشتراطات والضغوط الخارجية لتشكل مشهدًا معقدًا يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، حيث يرى الكثيرون أن الغطاء الدبلوماسي أو التقرير السياسي يضعف الموقف الوطني الداخلي في مواجهة التهديدات والمخططات المباشرة. ويفرض هذا التوازي الميداني والسياسي معطيات جغرافية وسياسية جديدة تجعل الاستهداف مزدوجًا بين الضغط العسكري المباشر على الأرض والتضييق المؤسساتي والمعيشي في الداخل، ما يعيق قدرة المجتمع على الصمود واستعادة عافيته وتثبيت معالمه التاريخية والديموغرافية. وتبقى القراءة التاريخية لهذه المرحلة مرهونة بمدى قدرة القوى الشعبية والمجتمعية على تجاوز الانقسامات الحادة، وفرض معادلة جديدة توازن بين حماية المقومات الوطنية والتصدي لكافة المشاريع التي تستهدف وجود الأرض والشعب.

وتشكل تلة علي الطاهر نقطة مفصلية تتجاوز في أبعادها حدود الموقع الجغرافي المشرف على إقليم التفاح والجوار الملاصق، إذ تعمد الآلة الإعلامية والسياسية للعدو إلى تسليط الضوء عليها وتحويلها إلى رمزية استراتيجية تسعى من خلالها إلى تقديم صورة نصر تكتيكي تعوض به عن خسائرها وتغطي على تعثر أهدافها الكبرى، ويتجاوز التجييش الإعلامي حول هذه النقطة الميدانية المجردة ليعكس رغبة حثيثة في استثمار البعد المعنوي والسياسي للتلة، وحشد التأثير النفسي للضغط على بيئة المقاومة وإعادة رسم معالم التفوق في الوعي العام، وهو ما يدخل ضمن مسار التضخيم الممنهج للتغطية على مأزق الميدان وتوظيف المكتسبات الجزئية في الصراع السياسي الدائر. وتبقى الرهانات القائمة على هذه المواجهة متوقفة على مدى إدراك خلفيات هذا التوظيف الإعلام. وحقيقة أن تحويل المواقع الجغرافية إلى معارك رمزية لا يغير من المعادلات الميدانية الشاملة، بل يبرز حجم الحاجة لدى "إسرائيل" لتحقيق إنجاز شكلي يرمم معنويات جبهتها الداخلية أمام صمود الأرض وأهلها.

وتكتسب معركة تلة علي الطاهر أهمية استثنائية، فالسيطرة عليها تطال جغرافيا إقليم التفاح بما تضم من تضاريس معقدة وأودية سحيقة وتلال حاكمة تمتد في عمقها الاستراتيجي من مرتفعات التلة وصولًا إلى البقاع الغربي والتخوم المتاخمة لجبل الشيخ. وتتجاوز الحسابات الميدانية في هذه البقعة حدود الإنجاز الجغرافي المباشر لتلامس البيئة الشعبية والاجتماعية للحاضنة، حيث يسعى العدو عبر تركيزه الميداني والإعلامي إلى صياغة واقع جديد يضغط على خياراتها ويهدد امتدادها الحيوي، ما يحول الدفاع عن هذه المرتفعات إلى نقطة ارتكاز نارية وسياسية تمنع إحداث أي خلل في التوازن العسكري القائم. ويبقى الرهان على ثبات المعطيات الاستراتيجية متصلًا بمدى القدرة على إحباط محاولات العدو لتفكيك هذه الجغرافيا المتماسكة، وحماية الممرات والتلال الحاكمة التي شكلت تاريخيًا درعًا أمنيًا وعسكريًا يحمي القرى والبلدات، ويجهض المخططات التي تستهدف نسيج المنطقة ومستقبل حضورها الوطني.

وتتداخل القراءات التحليلية التي تربط بين المواقع الميدانية في جبل عامل، وعلى رأسها تلة علي الطاهر، وبين التطورات الإقليمية المحتدمة في مضيق هرمز، حيث تسعى بعض الجهات الرسمية إلى الترويج لفصل المسارات الميدانية عن العمق الإقليمي، حتى وإن أدى ذلك إلى التسليم الضمني بشرعنة أدوات السيطرة أو تقاطع المصالح مع التوجهات "الإسرائيلية" في المنطقة، إلا أن حسابات الميدان تختلف جذريًا عن التقديرات السياسية والإعلامية، فالمقاومة أعدت كافة الخطط والوسائل الكفيلة بالتصدي لأي تحرك ميداني يستهدف المقومات الاستراتيجية لهذه المرتفعات، ما يجعل أي مغامرة عسكرية ذات أبعاد مصيرية على المستوى التكتيكي، وتكبد الطرفين المراهنين على تغيير المعادلة أثمانًا باهظة في الميدان والسياسة. ويبقى الرهان الميداني معقودًا على إفشال مساعي المحو والتجريد الجغرافي، حيث تحول الجاهزية الدفاعية دون تحقيق الخروقات المطلوبة، وتثبت أن محاولات فرض واقع جديد على القرى والبلدات الجنوبية تصطدم بقدرة عالية على استيعاب الضغوط وتدفيع العدو وحلفائه كلفة غير محسوبة تعيد تعزيز موقع الحاضنة الشعبية وصمودها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة