مقالات
لا تزال حادثة محاولة السيطرة على الطائرة الإماراتية المتجهة من دبي إلى "تل أبيب" في مرحلة مبكرة لا تسمح ببناء استنتاج نهائي حول طبيعتها أو دوافع منفذها أو وجود جهة تقف خلفه. لكن أهمية الحادثة لا تنبع فقط مما جرى داخل قمرة القيادة، بل من السياق السياسي والأمني الذي وقعت فيه، ومن توقيتها ومكانها ووجهة الرحلة، ومن السرعة التي بدأت بها الحادثة تدخل المجال السياسي "الإسرائيلي" والإقليمي.
ومن هنا، تبدو مجموعة من الملاحظات الأولية جديرة بالتوقف عندها، من دون تحويلها إلى أحكام نهائية حتى الآن.
أولًا: طبيعة الحادثة لا تزال السؤال المركزي
السؤال الأول ليس: من يقف خلف العملية؟ بل: ما طبيعة ما حدث أصلًا؟
حتى الآن، ينبغي التمييز بين ثلاثة احتمالات مختلفة: محاولة انتحار فردية، ومحاولة للاستيلاء على الطائرة لأسباب غير معروفة، وعمل ذي طبيعة انتقامية ضد "إسرائيل" كانت الطائرة نفسها أداة لتنفيذه.
هذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن الانتقال مباشرة من هوية مساعد الطيار أو جنسيته إلى افتراض الدافع السياسي يقفز فوق الحلقة الأساسية في التحليل: إثبات طبيعة الفعل نفسه.
وفي هذا السياق، يبرز عنصر أولي يستحق التحقيق هو توقيت محاولة السيطرة على قمرة القيادة. فبحسب المعطيات المتداولة، وقع الحادث بعد نحو ساعتين ونصف من مغادرة دبي، أي قبل نحو نصف ساعة من الوصول إلى "تل أبيب". وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإن السؤال يصبح: لماذا وقع التحرك في هذه المرحلة تحديدًا من الرحلة؟
التوقيت لا يثبت وجود مخطط لاستهداف هدف داخل "إسرائيل"، لكنه يجعل موقع الطائرة ومسارها في لحظة الحادث جزءًا أساسيًا من التحقيق.
ثانيًا: الدافع أهم من هوية المنفذ
كون مساعد الطيار عُمانيًا لا يكفي لتفسير الحادثة. الجنسية قد تكون معلومة ذات صلة بالتحقيق، لكنها ليست تفسيرًا سياسيًا بحد ذاتها.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين عملية موجهة وعملية مستلهَمة. فحتى إذا ثبت لاحقًا وجود دافع سياسي أو انتقامي، لا يعني ذلك تلقائيًا أن جهة خارجية أصدرت أمرًا بتنفيذ العملية. فقد يكون الفاعل تحرك بصورة فردية متأثرًا بالحرب أو بمناخ سياسي أوسع.
وهذا الفارق سيكون حاسمًا في تحديد المسؤولية السياسية عن الحادثة.
ثالثًا: الوجهة "الإسرائيلية" عنصر مهم. فوجود عدد كبير من "الإسرائيليين" على متن رحلة متجهة إلى "تل أبيب" يمنح الحادثة بعدًا" إسرائيليًا" واضحًا، لكن يصبح هذا العامل ذا قيمة تحليلية أكبر فقط إذا اجتمع مع أدلة أخرى: توقيت السيطرة على الطائرة، وخطة طيران محتملة بعد السيطرة عليها، ورسائل أو تعليمات سابقة، أو إفادات المنفذ، أو أدلة رقمية تشير إلى اختيار الرحلة تحديدًا بسبب وجهتها.
وبالتالي، فإن تراكم المؤشرات، لا أي مؤشر منفرد، هو الذي يمكن أن ينقل التقدير من الاحتمال إلى الترجيح.
رابعًا: ثغرة أمن الطيران سؤال مستقل
بغض النظر عن الدافع، تثير الحادثة سؤالًا أمنيًا مباشرًا: كيف وصل السكين إلى قمرة القيادة؟
إذا تأكد أن مساعد الطيار أدخل سكين جيب إلى الطائرة، فإن القضية تتجاوز شخصه إلى منظومة أمن الطيران: إجراءات تفتيش الطواقم، والمواد المسموح بحملها، والرقابة الداخلية، وآليات حماية قمرة القيادة عندما يكون مصدر التهديد أحد أفراد الطاقم نفسه.
وهذه مسألة ينبغي فصلها عن الجدل السياسي. فقد تفشل فرضية العملية الانتقامية في النهاية، بينما تبقى الثغرة الأمنية قائمة.
خامسًا: الحادثة دخلت السياسة قبل اتضاح الحقائق.
أحد أهم أبعاد الواقعة هو سرعة دخولها المجال السياسي الإسرائيلي.
كان بنيامين نتنياهو قد تحدث قبل الحادثة عن مخاطر هجمات تستهدف "إسرائيل" أو "إسرائيليين" في الخارج، ثم ربط بعد وقوعها البيئة الأمنية بإيران ووكلائها، من دون أن يشكل ذلك بحد ذاته دليلًا على المسؤولية الإيرانية.
هنا تبدأ المسافة بين التحقيق الأمني والاستخدام السياسي للحادثة.
فالتحقيق يسأل: ماذا حدث؟ لماذا؟ ومن المسؤول؟
أما السياسة فتسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا يعني ما حدث بالنسبة إلى الرواية التي يقدمها كل طرف إلى جمهوره؟
وقد تبدأ الرواية السياسية بالتشكل قبل أن يستطيع التحقيق الإجابة عن أسئلته الأساسية.
سادسًا: العامل الانتخابي "الإسرائيلي" لا يمكن تجاهله
تزداد حساسية الحادثة إذا جاءت في بيئة انتخابية "إسرائيلية" شديدة الاستقطاب وبعد سنوات من الصدمة الأمنية والحرب.
في مثل هذه البيئات تظهر «ديناميكية المزايدة التصاعدية»: عندما يكون الجمهور شديد الحساسية تجاه التهديدات الأمنية، قد يجد السياسيون أنفسهم في منافسة على إظهار موقف أكثر تشددًا، لأن الاعتدال قد يسمح لمنافس آخر باتهامهم بالضعف.
وبذلك قد لا يكون التسييس مجرد محاولة من القيادة لتوجيه الجمهور؛ فقد يعمل الضغط في الاتجاه المعاكس أيضًا، بحيث يدفع المزاج الاجتماعي القادة إلى مواقف أشد.
هذه النقطة مهمة لأنها تجعل تفسير الخطاب "الإسرائيلي" اللاحق للحادثة مرتبطًا ليس فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضًا بحسابات الداخل والانتخابات.
سابعًا: الخطر الأكبر قد يكون فيما يحدث بعد الحادثة
قد لا تكون الأهمية الاستراتيجية للحادثة كامنة في العملية نفسها بقدر ما ستكون في سلسلة الأفعال التي تطلقها.
فإذا صُنفت العملية سريعًا على أنها عمل مرتبط بإيران، ثم استُخدمت لتبرير رد "إسرائيلي"، ثم ردت إيران على الرد "الإسرائيلي"، فإن حادثة محدودة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لدورة تصعيد أوسع بكثير من حجمها الأصلي.
فالأحداث التكتيكية لا تبقى دائمًا ضمن حدودها؛ فقد تدخل في بيئة سياسية وعسكرية مشحونة، ثم تنتج ردًا، والرد ينتج ردًا مضادًا، بينما يصبح التراجع أكثر كلفة سياسيًا لكل طرف.
وعندئذ يصبح السؤال ليس فقط: من بدأ الحادثة؟ بل: من يستطيع منع حادثة محدودة من التحول إلى أزمة استراتيجية؟
ثامنًا: ما الذي ينبغي مراقبته الآن؟
في المرحلة المقبلة، ستكون هناك مجموعة من المؤشرات أكثر أهمية من التصريحات السياسية المبكرة: ما سيقوله مساعد الطيار في التحقيق، نتائج فحص أجهزته واتصالاته، كيفية حصوله على السكين وإدخاله، ما إذا كان اختيار الرحلة مقصودًا، سبب توقيت التحرك قرب الوصول إلى "تل أبيب"، ما إذا كانت لديه خطة لما بعد السيطرة على قمرة القيادة، وجود رسالة أو وصية أو تعليمات أو أثر رقمي يدل على الدافع، وأخيرًا ما إذا كانت السلطات ستقدم أدلة قابلة للفحص عند ربط الحادثة بأي دولة أو تنظيم.
خلاصة أولية
حادثة الطائرة الإماراتية مهمة، لكن المعلومة الأهم عنها حتى الآن هي مقدار ما لا نعرفه.
هناك مؤشرات تستحق الاستيضاح، وعلى رأسها توقيت محاولة السيطرة على الطائرة وقربها من وجهتها "الإسرائيلية". وهناك سياق سياسي يجعل الحادثة قابلة بسرعة للتسييس والربط بالصراع مع إيران. وفي الوقت نفسه، لا تزال المسافة كبيرة بين الاشتباه وبين إثبات الدافع، وأكبر منها بين إثبات الدافع وإثبات وجود جهة خارجية تقف خلفه.
لذلك ينبغي التعامل مع الحادثة على مستويين متوازيين: مسار جنائي (انتحار فردي)-استخباراتي يبحث عمّا حدث بالفعل، ومسار سياسي يراقب كيف سيُستخدم ما حدث.
وقد يكون المسار الثاني أسرع كثيرًا من الأول.
وهنا تكمن الخطورة: ليس فقط في طبيعة الحادثة نفسها، بل في أن تتحول الرواية حول الحادثة إلى فعل سياسي وعسكري قبل أن يكتمل التحقيق في الحادثة نفسها.