مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
بناءً على ما قالت إنّها معلومات استخبارية، تشير إلى تموضع تركي في مطار أبو الظهور في محافظة إدلب السورية، ومساعٍ تركية لإنشاء رادارات ومنظومات دفاع جوي، قامت "إسرائيل"، بعد ضوء أخضر أميركي حسب تصريحات قادتها، بقصف المطار وتدمير مدارجه، عبر ثماني غاراتٍ ليلية، رغم بعد المطار عن حدود فلسطين المحتلة، ما يناهز 300 كم.
وفي نفس الوقت تقوم باستهداف مربعات سكنية في قطاع غزة، تحت ذريعة الطائرات الورقية، وفي عُرف نتنياهو لا فرق بين منظومة دفاع جوي وبين طائرة ورقية، حيث اعتبر مع وزير حربه أنّ الطائرة الورقية عمل حربي كامل، وأنّها ستُجابه من قِبل "الجيش "الإسرائيلي"" بالقصف والتدمير والتهجير والاغتيال.
رغم أنّ هذه الطائرات الورقية، هي لعبة موسمية في قطاع غزة، تبدأ مع بداية فصل الصيف وتنتهي مع نهايته، ويمارسها الأطفال والمراهقون على أقصى تقدير، وهي لعبة قديمة جدًا، وفي قطاع غزة المحروم من كل وسائل اللعب والترفيه للأطفال، يلجأون لهذه اللعبة باعتبارها رحلة على شواطئ المالديف، وتعيد لهم الأمل بأنّ الحياة قد تمنحهم فسحةً من سعادة، وراحةً ولو مؤقتة من جحيم الخيام.
هذا الطفل الذي يقضي يومه راكضًا بين تكيّات الطعام و"تنكات" المياه، حسب قانون المدانين بجرائم حرب وجريمة الإبادة الجماعية، عليه ألّا يمارس طفولته، وأن تبقى طفولته حبيسة عقله، لأنّ مجتمعًا من القراصنة الساديين، قرر أنّ اللعب جريمة، وأنّ الطفولة خطرٌ أمني، وأنّ الطائرة الورقية تعادل"F35" في خطورتها وفعاليتها الحربية.
ينطلق بعض المحللين من قاعدة أنّ نتنياهو يختلق ذريعةً واهية، حتى يتمكن من تحقيق أهدافٍ انتخابية، والحقيقة أنّ نتنياهو لا يختلق هذه الذريعة، كما أنّها ليست واهية، هو فقط يستغل سيكولوجية اللصوص، التي تميّز تجمعات المستوطنين، هؤلاء اللصوص يحسبون كل صيحةٍ عليهم، والخوف أشدّ رسوخًا في نفوسهم من العقيدة، بل أشدّ ثباتًا من ثبات قناعتهم بأحقيتهم في هذا المكان.
كذلك فإنّ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كسر في نفوسهم جدار الأمن الزجاجي، وعلى مدار ثلاث سنوات من العدوان وتوسيع دائرة الحرب، والقتل والتدمير وارتكاب أعتى الجرائم وأكثرها بشاعة، لم يكن كل ذلك فعالًا أو مفيدًا في إصلاح ما انكسر، وظلّ الخوف مسيطرًا، وظلّت الأمراض النفسية في حالة تفاقم، مع حالة من الرعب المزمن لدى العدو الذي يعتقد جازمًا أنّ العلاج الوحيد، هو إفراغ فلسطين ولبنان وسورية والأردن والعراق ومصر من أهاليها.
فهذا اللص الذي سرق الأرض والبيوت والمزارع والمدارس والمياه، وكل ما طالته يداه، ويعيش حياته الطبيعية من البيت إلى العمل إلى السفر والسياحة، ويتوفر لديه كل ما يحتاجه من مأكلٍ ومشربٍ ومسكن، وأُغدقت عليه التعويضات والتأمينات، ويعيش تحت حماية أقوى إمبراطورية في التاريخ، بكل ما أوتيت من عتادٍ وجيوشٍ ونفوذٍ وهيمنة، هذا اللّص ترعبه طائرة ورقية طيَّرها طفلٌ يسكن خيمةً متهالكة، لا يعرف من الحياة سواها، فانقطعت خيوطها، وسقطت في الفناءات المسروقة، فرآها اللّص فساورته هواجس الطوفان وكوابيس أكتوبر، واختلط في نفسه الرعب والحقد، وامتزج في قلبه الخوف والصلف، وهذا ما يحاول نتنياهو استغلاله، ليعيد ترتيب أوراقه الانتخابية، باعتباره رجل الأمن.
كذلك فإنّ المهلة التي أعلنها نتنياهو، وهي ثلاثة أيام، هي أولى الإشارات لمخططه الانتخابي نحو غزة، فهو سيُعيد الحديث عن التهجير إلى بازاره الانتخابي، ليرمم خوف اللصوص ويرضي صلفهم، وكما جعل من غزة مكانًا غير صالحٍ للعيش، سيجعل منها مكانًا غير صالحٍ للعب، ستكون بمثابة السجن الفعلي لا المجازي، فقد يستيقظ الغزيون يومًا على مهلةٍ لثلاثة أيام، لإقفال كل المقاهي على شاطئ البحر مثلًا، ومهلٍ قد تتكرر لأتفه الأشياء وأبسطها.
إنّ نتنياهو يدرك أنّه يحكم قطعانًا من لصوصٍ نفعيين، ويدرك أنّ الخوف هو أصل تركيبتهم، وهو أكثر من يعرف كيفية العبث بهذه التركيبة، حيث سيختار الساحة الأقل كلفة، أو التي يعتبرها بلا كلفةٍ أصلًا، ليعيد تثبيت صورته كرجل الأمن الوحيد، ومن ضمن هذه الساحات غزة وسورية، ورغم خطورة إيران، إلا أنّه قد يجازف بأيامٍ قتالية بضوءٍ أميركيٍ أخضر، ليثبت للناخبين أنّه الوحيد القادر على معاندة أميركا، بل والتحكم في قرار البيت الأبيض.