خاص العهد
صحافية لبنانية
تبذل الدول الراعية لمشروع مواجهة المقاومة في لبنان والمنطقة جهودًا استثنائية من أجل هدف واحد: نشر سردية فشل التصدي لآلة الحرب "الإسرائيلية"، والترويج لفكرة تبدّل موازين القوى لصالح المحور الأميركي. ميدان عمل هذه الدول هو الإعلام طبعًا وطبقة المحلّلين والشخصيات السياسية، أكثر الوُجهات استثمارًا عند أعداء خطّ الممانعة ومواجهة الاستكبار الأميركي والتوحّش "الإسرائيلي".
مهمّة الحرب الناعمة وضخّ مفردات انتهاء زمن المقاومة توكلها جهات خليجية وعربية وأخرى على علاقة بالأميركيين الى أصوات لبنانية. هؤلاء حاضرون طالما أن المعيار الأساسي في هذه "المأمورية" هو مهاجمة من يدافعون عن الأرض ومخططات الاحتلال العسكرية والسياسية على حدّ سواء.
بات واضحًا أن هناك فرقة تضمّ عشرات الأسماء والمنصّات، تتولّى هذا الدور على الساحة الداخلية. السمة الموحّدة بينهم بحسب العارفين هي تشتّت البرنامج والتصارع على الحصص والدعم الوارد إليها.
المساعي موزّعة
ولأنّ المطلوب هو إنتاج خطاب عنوانه الأساسي ورقة المقاومة أصبحت خاسرة ولا إمكانية للوقوف بوجه آلة الجرف الأميركية - "الإسرائيلية"، تتقدّم المنصّات الإعلامية على كلّ الأدوات التنفيذية، فالموقف يجب أن يُقابل بمجموعة مواقف تُغرق الشاشات وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأينما تابع اللبنانيون الوضع السياسي والأمني.
يمكن توزيع هذه المساعي على أكثر من مجموعة:
* منصّات وأسماء تتولّى الترويج للتطبيع مع العدو وتغوص في تطبيقه.
* منصّات وأسماء تعمل على مهاجمة حزب الله والثنائي الوطني ومشروع المقاومة عامةً.
* منصّات دورها استقطاب واستمالة الشيعة المُعارضين لخطّ المقاومة والمتمايزين عن مواقف الثنائي الوطني.
أكثر الميادين نشاطًا هي المنصّات التي لا شغل لها سوى مهاجمة حزب الله ومواقفه. تتقاسم المهمة كلٌّ من:
# صحيفة نداء الوطن
# قناة MTV
# The Spech
# Beirut Time
# منصة كلام إيناس
# الكلمة أونلاين
# موقع الدولة
# Beirut Politics
# موقع جنوبية
# Megaphone
# موقع درج - ميديا
# موقع أساس ميديا
# موقع السياسة
# راديو صوت بيروت
# Im lebanon
# Ici Beyrouth
# This is beirut
# هنا لبنان
# Lebanon On
# Pen Media
# Trend Beirut
# قناة المشهد
الدعم الإماراتي يسبق الأموال الخليجية الأخرى
في المعلومات المتوافرة، تحضر الأموال الإماراتية بكثافة في هذه المشاريع الإعلامية، إذ تعدّ الإمارات رائدة دعم المنصّات التي تتولّى مهاجمة فريق المقاومة ومن يمثّلها في السياسة. يتقدّم هذا البلد بصفته راعي الخطاب المعادي للمقاومة، ابتداءً من الإمارات نفسها، حيث تضمّ مدينة إعلامية ضخمة يُصدّر عبرها المال والتكليفات التي توكل بها منصّات لبنانية وعربية.
تقول المعلومات إن الدعم الخليجي الموازي، أي من جانب قطر والسعودية، تراجع قياسًا بالجهود والشحن الآتي من الإمارات. يظهر هذا في الحصص التي كانت تُخصّص للمنصّات كتمويل شامل، أو كمقالات مدفوعة، أي مبلغ منفصل، إذ جرى تخفيض قيمة المقال في كثير من المواقع، وفي بعض المنصات وصل الى 50 دولارًا للقطعة.
سورية على الخطّ..
اللافت في مشهد الأموال، ما يُحكى عن دعم جديد دخل الى الساحة الإعلامية اللبنانية، هذه المرة من الجانب السوري، إذ تشير المعطيات الى دعم سوري لمنصّة سياسية تفاعلية وشخصية سنية تدور في الفلك المناهض لحركات المقاومة، فيما تتحدّث معلومات أخرى عن زيارات دورية تقوم بها شخصيات إعلامية الى دمشق لاستدراج دعم مادي مباشر لها ولنشاطها السياسي.
حاشية الصحناوي التطبيعية
رجال الأعمال حاضرون أيضًا في المشهد. لكن المطبّع أنطوان الصحناوي يكاد يكون أبرزهم، إذ يوزّع دعمه الإعلامي على كلّ من Im lebanon ،Ici Beyrouth ، This is beirut، وهنا لبنان. وثمة معلومات إضافية تُفيد عن دعمه لـIm lebanon (طوني أبي نجم) وPen Media، فضلًا عن الدعم الثابت لـ MTV وصفحات رديفة أخرى وُلدت حديثًا يُعمل على رفدها تدريجيًا.
الذي يميّز منصّات الصحناوي وأداءها الإعلامي أنه يرفع شعار الدفاع عن عملاء لحد، ويحوّل ملفّهم الى ملفّ إنساني بحت، ينزع عنهم صفة العمالة والخيانة، يقابل أبناء الفارّين واللاجئين الى الكيان، ويتجاوز كلّ المواد القانونية التي تجرّم التطبيع مع العدو وفتح أيّ علاقة معه.
الشيعة "الآخرون" حاجة
الاستثمار في الشيعة البعيدين عن خطّ المقاومة سياسةٌ لا يمكن الاستغناء عنها، بل هي حاجة بالنسبة لرعاة هذا المشروع. لذلك، توزّع الأموال على أسماء يمكن وصفها بزُبدة محاربي حزب الله، أي من يقدّمون أنفسهم على أنهم صقور في هذا النهج. لكنّ هذه الصقور تتصارع فيما بينها على حصص تأتي من عواصم خليجية.
بحسب المعلومات، حاول أحد "الشيعة المستقلين" التغريد خارج سرب أحد المواقع المحسوبة على الدوائر الملكية في السعودية، فقصد تركيا وحتى باكستان من أجل الحصول على دعم لموقعه الإلكتروني، غير أن جهوده باءت بالفشل، وظلّ على دعم إماراتي بسيط مع تمتين علاقاته ببعض رجال الأعمال لـ"سيسرة" الأمور.
عملية الاستقطاب تنسحب الى شخصيات شيعية تقدّم نفسها اليوم على أنها متمايزة عن خطاب الثنائي الوطني. وللغاية، عملت جهات خليجية على عرض وظائف إعلامية على أسماء شيعية معروفة، وتعاقدت معهم، لكنّ هذه الأسماء لم تستطع الى الآن القفز عن عُقدة التطبيع مع "الإسرائيليين". وقيل إن أحدث مشروع إعلامي وُلد في عاصمة خليجية ضربته الخلافات والاستقالات.
الأموال الإماراتية تخدم المشاريع الأميركية
المفارقة أن الأموال الأميركية في كلّ هذه الخريطة تبدو خجولة أمام ما يأتي من دبي وأبو ظبي، ربّما على قاعدة أن الإماراتيين شركاء في المشروع السياسي وفي المنطقة، ويوفّرون على السفارة الأميركية دفع الأموال من خزنتها في لبنان. وخدمة العناوين الأميركية متوفرة من دون الحاجة الى مزيد من الأموال الخاصة.
تقاطعٌ ظرفي ومشروع متصدّع..
وعليه، يمكن القول إن ما يكشف هشاشة هذا المشروع، قبل أي شيء آخر، هو أنّه لا يقوم على بُنية واحدة أو رؤية متماسكة، بل على مجموعات متفرّقة تتقاطع في العنوان العام وتختلف في الحسابات والمصالح والأجندات. الأموال قد تجمع هذه المنصّات والأسماء مؤقتًا حول وظيفة واحدة، لكنها لا تصنع بينها مشروعًا متماسكًا، ولا تُلغي تنافسها على التمويل والنفوذ والحضور.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الأساسية: كلّما اتّسعت الخريطة، ازداد تشتّت أصحابها، وتقدّمت الحسابات الشخصية على المصلحة المشتركة للمشروع. فالأسماء التي يُفترض أن تؤدّي أدوارًا متكاملة سرعان ما تتحوّل إلى أطراف مُتنافسة، يبحث كلّ منها عن حصته من الدعم وعن موقعه الخاص في المشهد، بما يجعل أيّ خلاف على المال أو النفوذ أو الأولويات قادرًا على تعطيل المسار برمّته.
كثرة المنصّات لا تعني بالضرورة قوة المشروع، كما أنّ ارتفاع منسوب الضجيج الإعلامي لا يعني امتلاك قدرة حقيقية على التأثير. على العكس، قد تكون هذه الكثرة نفسها مصدر ضعف، لأنّها تخفي وراءها مشاريع صغيرة ومصالح متعارضة وشخصيات يصعب جمعها على أكثر من عنوان مؤقت. ومتى دخلت الحسابات الشخصية على خطّ التمويل والتوجيه، يُصبح المشروع عرضةً للتصدّع من داخله، وقد يكفي خلاف واحد، أو استقالة مجموعة من الأسماء، أو تبدّل جهة التمويل، لنسف جزء أساسي من البناء الذي جرى تقديمه بوصفه جبهة متماسكة.
في المحصّلة، تبدو هذه الخريطة أوسع من قدرتها على الاستمرار: منصّات كثيرة، عناوين متشابهة، جهات تمويل متعدّدة، ومصالح شخصية تتنافس تحت سقف مشروع واحد. وما يجمع هذه المكوّنات ليس بالضرورة اقتناعًا مشتركًا بقدر ما هو تقاطع ظرفي في مواجهة المقاومة. وحين يصبح المال هو الرابط الأساسي، والمصلحة الشخصية هي معيار الحركة، فإنّ المشروع يحمل عوامل تفكّكه في داخله، مهما بدا صاخبًا ومُزدحمًا على الشاشات والمنصّات.