اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "المحور" يسيطر على نقطتين تتحكمان بدم الاقتصاد العالمي.. ماذا ستفعل واشنطن؟

إيران

تداعيات الحرب وتراجع الهيمنة الأميركية محطّ اهتمام الصحف الإيرانية 
🎧 إستمع للمقال
إيران

تداعيات الحرب وتراجع الهيمنة الأميركية محطّ اهتمام الصحف الإيرانية 

54

 اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد (20 أيلول/سبتمبر 2026)، بتحليل الوضع الإقليمي والعالمي الذي تركته الحرب الإيرانية الأميركية، فمع تزايد التماسك الإيراني الداخلي وانضمام الأصوات المؤثرة دوليًا لإيران، يظهر بشكل واضح التراجع الداخلي الأميركي مضافًا الى هشاشة نظام الهيمنة الخارجي.

رسائل بصوت واحد

بداية، كتبت صحيفة رسالت: "في يوم الخميس الموافق 17 سبتمبر/أيلول 2026، شهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حدثًا يُعتقد أن تداعياته تتجاوز بكثير مجرد تصويت دبلوماسي عادي. ففي هذا الاجتماع الحاد، واجه قرارٌ اقترحته الولايات المتحدة الأمريكية، كان يهدف إلى تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بتنفيذ العقوبات المفروضة على إيران، معارضةً شديدة من روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية. وقد حدث هذا المأزق الدبلوماسي في وقتٍ كان فيه القرار قد حظي بتأييد 11 صوتًا، إلا أنه في نهاية المطاف، وبصوتين معارضين من موسكو وبكين، وامتناعين عن التصويت من الصومال وباكستان، تم عرقلة إقراره، مما وضع حدًا فعليًا للآلية المستقلة والمثيرة للجدل لمراقبة العقوبات المفروضة على إيران.
ولإدراك الأهمية الجوهرية لهذا الحدث، لا ينبغي حصره في مجرد إخفاق قانوني لواشنطن، بل يجب النظر إلى الذاكرة التاريخية لإيران وموقعها الجيوسياسي. لطالما كانت بلادنا، على امتداد جزء كبير من تاريخها المعاصر، في قلب الصراعات ومفترق مصالح القوى العظمى، نظرًا لموقعها عند أحد أكثر مفترقات الطرق حساسيةً واستراتيجيةً في العالم. وفي الوقت نفسه، نادرًا ما حظيت إيران بدعم شريك قوي ومستقر يُسهم في تحقيق التوازن في مواجهة الضغوط المتزايدة. ولعلّ أبرز مثال على هذا العزلة التاريخية يكمن في العصر القاجاري، حين حوّل التنافس المحموم بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية إيران إلى ساحة عاجزة في "اللعبة الكبرى".
في ذلك الوقت، لم يقتصر تأثير وتدخل هاتين القوتين على تشويه استقلال البلاد السياسي فحسب، بل طال أيضًا سيادتها الوطنية وقيد استقلالها بشدة.
إلا أن الصورة التي تُبثّ للعالم اليوم من قاعة مجلس الأمن تُشير إلى نهاية ذلك الخمول التاريخي وولادة توازن خارجي جديد. لقد برز واقع جديد في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُظهر أنه بغض النظر عن اتفاق موسكو وبكين مع طهران في جميع القضايا، أو ما إذا كان من الممكن اعتبار سياستهما "تحالفًا" بالمعنى الكلاسيكي والدقيق للكلمة، فإن التحالفات البراغماتية والمتينة تُرسخ في المؤسسات. ويُعدّ إبرام اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة بين إيران وروسيا، تتضمن نطاقًا واسعًا من التعاون المترابط في مجالات الأمن والدفاع والطاقة والاقتصاد، رمزًا واضحًا لهذا التطور. ففي مجلس الأمن، وهو محطة حاسمة، تمكنت هاتان القوتان غير الغربيتان الرئيسيتان، باستخدام حق النقض (الفيتو)، من حماية نفسيهما عمليًا من الضغط المشترك والمنسق للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لتحييد معادلات العقوبات الغربية المفروضة على طهران.
ويُمثل هذا الحدث نقطة تحول حاسمة تُنهي الصورة التشاؤمية السائدة. فعلى مدى السنوات الماضية، سعت بعض التيارات الفكرية والسياسية ذات الميول الغربية إلى تصوير إيران على أنها "عاجزة" وعزلة حتمية في النظام الدولي، وتصوير تقاربها مع الشرق على أنه سياسة غير مجدية. ومع ذلك، أظهر الفيتو الأخير أن استراتيجية طهران الحالية لا تعني الاعتماد المطلق والأحادي على كتلة معينة، ولا تفترض أن موسكو وبكين حليفتان غير مشروطتين؛ بل تشير إلى دبلوماسية شبكية وواقعية تحول المصالح المشتركة إلى رافعة قوة.
اليوم، ولأول مرة منذ فترة تاريخية طويلة، تمكنت إيران من إشراك قوتين عالميتين كبيرتين تتمتعان بحق النقض في بيئتها الجيوسياسية، وجمعهما على نحو يجعلهما على استعداد لتحمل التكلفة السياسية والدبلوماسية لمواجهة الهيمنة الغربية دفاعًا عن شريك استراتيجي. يحمل هذا التحول الكبير دلالات جيوسياسية هامة لدولة عانت طويلًا من العزلة الاستراتيجية، ويُظهر أن طهران انتقلت من كونها مراقبًا سلبيًا في خضم صراع القوى إلى فاعل قادر على تغيير موازين القوى العالمية لصالح أمنها القومي".

القضية أعمق من كون إيران لم تنهزم

بدورها، كتبت صحيفة وطن أمروز: "هل فشلت أمريكا ببساطة في تحقيق أهدافها، أم أن إيران أحدثت تغييرًا جذريًا في النظام الأمني العسكري العالمي؟ هذه مسألة بالغة الأهمية، لأن بعض المحللين في هذه الأيام يختزلون هزيمة أمريكا إلى مجرد فشلها في تحقيق أهدافها ضد إيران، وبالتالي يصفون لها حلولًا خاطئة. 
[...] لقد فشل الأمريكيون، إلى جانب الصهاينة وبعض حلفائهم الآخرين، فشلاً ذريعاً في الحرب العسكرية الشاملة ضد إيران، ولم يحققوا أهدافهم. مع ذلك، لا ينبغي اختزال فشل أمريكا في مجرد "عدم تحقيق الأهداف"، فهذا جانب واحد فقط من القصة.
ما حدث في هذه الحرب كان أعمق وأكثر حسمًا من منظور استراتيجي من مجرد فشل أمريكا في تحقيق بعض الأهداف العسكرية أو السياسية. لم تفشل أمريكا في فرض إرادتها على إيران فحسب، بل خسرت أيضًا أهم مزاياها ومصداقيتها ومراكز قوتها خلال هذه المواجهة، ويواجه العالم الآن بلا شك تغييرًا في النظام الأمني العسكري العالمي.
بعبارة أخرى، لم تفشل أمريكا في تحقيق هدفها فحسب، بل إن آلية إنتاج قوتها قد تعرضت للتحدي أيضًا في هذه الحرب.
ينبغي النظر إلى هذه القضية من عدة جوانب:
[...] كان مضيق هرمز أول تطور رئيسي. أثبتت إيران خلال أشهر الحرب أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها لأكبر أسطول بحري في العالم وعقود من الوجود العسكري في الخليج العربي، عاجزة عن فرض إرادتها على أهم ممر مائي للطاقة في العالم.
وبالطبع، لا تقتصر أهمية هذه القضية على السيطرة على ممر مائي فحسب، بل تكمن في أن أحد أسس الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وهيمنتها على العالم، لعقود، كان الادعاء بأن واشنطن "ضامنة لأمن تدفقات الطاقة وحرية الملاحة". إلا أن الحرب أظهرت أنه في حال انتهاك أمن إيران، فإن أمن العالم بأسره مُهدد، وأن الولايات المتحدة عاجزة عن شن حرب ضد إيران دون تكبد خسائر فادحة. هذا تحول جوهري في المعادلة.
فقد برهنت إيران أن أمن الخليج ومضيق هرمز، وبالتالي أمن العالم، لا يمكن تحديده بمعزل عن إيران أو بدونها. لذا، فإن قضية هرمز ليست مجرد نجاح بحري أو عسكري، بل هي تحدٍّ لأحد أهم الركائز التاريخية للقوة الأمريكية في المنطقة والعالم.
[...] أما التطور الرئيسي الثاني فيتعلق بشبكة القواعد الأمريكية في المنطقة. فعلى مدى العقود الماضية، أنفقت الولايات المتحدة عشرات، إن لم يكن مئات، التريليونات من الدولارات لبناء سلسلة من القواعد ومراكز القيادة ومرافق الدعم اللوجستي والمطارات ومراكز الاستخبارات والبنية التحتية العسكرية، تمتد من الخليج العربي إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
كانت هذه الشبكة إحدى أهم أدوات الولايات المتحدة لممارسة هيمنتها وقوتها، لكن الحرب كشفت عن تناقض جوهري: فكل قاعدة كانت أداةً للولايات المتحدة لممارسة قوتها أصبحت نقطة ضعف رئيسية ومصدر إحراج تاريخي لها في الحرب ضد إيران.
أظهرت إيران أن وجود الولايات المتحدة لا يُنتج "قوة" فحسب، بل يُولّد "هشاشة" كبيرة أيضًا، لأنه عندما تقع قاعدة أمريكية أو مركز لوجستي أو نظام رادار أو مستودع ذخيرة أو بنية تحتية عملياتية ضمن مدى الأسلحة الإيرانية وتتعرض لهجوم صواريخنا، تُجبر واشنطن على إنفاق جزء كبير من قوتها ليس على الهجوم، بل على حماية الشبكة نفسها التي كان من المفترض أن تكون أداة تفوقها، وبالطبع فشلت في هذه الحماية، لدرجة أن القواعد الأمريكية في المنطقة تحولت إلى رماد بسبب قوة إيران وعظمتها.
[...] القضية الثالثة هي مجال الاستخبارات. لسنوات، ساد اعتقاد بأن التفوق المعلوماتي والتكنولوجي الأمريكي سيجعل شبكات استخباراتها ومراكزها الحساسة وبنيتها التحتية السرية عصية على منافسيها، لكن خلال الحرب، أظهرت إيران أن الأمر لا يقتصر على امتلاك الصواريخ أو الطائرات المسيّرة؛ فالشرط الأساسي لأي هجوم دقيق هو اكتشاف وتحديد وإنتاج معلومات الهدف.
وقد حملت التقارير الموثوقة التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية حول استهداف المراكز الحساسة ومنشآت الاستخبارات الأمريكية في المنطقة - وبالطبع، يبقى جزء كبير من الحقيقة طي الكتمان - رسالة بالغة الأهمية، بغض النظر عن الاعتراف بالخسائر التي لحقت بمراكز منظمة التجسس الإرهابية التابعة لوكالة المخابرات المركزية في المنطقة والتي بلغت عشرات المليارات من الدولارات: الآن حتى أكثر شبكات الاستخبارات الأمريكية سرية تتعرض لهجوم من إيران.
وهذا أمر بالغ الأهمية لدولة تدّعي أنها قوة عالمية، لأن مصداقية أي منظمة استخباراتية أو مركز قيادة لا تعتمد فقط على قدرتها على جمع المعلومات، بل أيضاً على الاعتقاد بأن البنية نفسها محصنة ضد وصول العدو. عندما ينهار هذا التصور، لا سيما فيما يتعلق بوكالة المخابرات المركزية، تتضاعف التكلفة الأمنية للوجود الأمريكي بشكل كبير.
[...] من النتائج المهمة الأخرى للحرب تحدي فكرة استحالة بلوغ التكنولوجيا العسكرية الأمريكية. فجزء مهم من إمكانية الهيمنة الأمريكية وقوتها العسكرية لا يكمن ببساطة في عدد مقاتلاتها أو طائراتها المسيّرة أو سفنها أو أنظمة دفاعها؛ بل الأهم من ذلك هو مصداقية التكنولوجيا الأمريكية.
لعقود، رُسخت صورة مفادها أن الأنظمة الأمريكية الأكثر تطورًا تتمتع بتفوق تكنولوجي هائل لدرجة أن المنافسين عاجزون تمامًا عن منافستها أو مواجهتها بأي شكل من الأشكال؛ حتى منافسون مثل الصين أو روسيا!
لكن في هذه الحرب، تعرضت أنظمة أمريكا الجوية، وطائراتها المسيّرة، وبحرية، وأنظمة الدعم والاستخبارات، للتأثير، وسُجّلت حالات عديدة من الإصابات، والتلف، وفقدان المعدات المتطورة.
وبتدميرها لمكانة أمريكا العسكرية، سواء في مجال الطائرات المقاتلة (إف-35)، أو ناقلات الوقود، أو الطائرات المسيّرة، أو صواريخ الدفاع الجوي، أو منصات إطلاق الصواريخ، وغيرها، أظهرت إيران أنه "لا توجد تقنية عسكرية أمريكية بمنأى عن ذلك". هذا في حين أن إيران دولة خاضعة للعقوبات، وقد فعلت ذلك بقوتها الداخلية فقط.
[...] لعقود، كانت الولايات المتحدة من القوى القليلة القادرة على استخدام الاقتصاد العالمي كأداة للضغط على الدول الأخرى. شكلت العقوبات، والحصار المالي، والسيطرة على الشبكة المصرفية، والضغط على صادرات النفط، وتهديد الشركات، واستغلال الدولار، عناصر مهمة من القوة الأمريكية. إلا أن حدثًا جللًا وقع في هذه الحرب، تمثل في أنه ولأول مرة على هذا المستوى، تمكنت دولة خاضعة للعقوبات من استخدام موقعها الجيوسياسي، وقدراتها العسكرية، وقوتها السياسية والاجتماعية لنقل تكلفة الحرب إلى الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
أصبح مضيق هرمز، وسوق الطاقة، وتكاليف التأمين، والنقل البحري، وأسعار الوقود، والتضخم، والأسواق المالية، جميعها جزءًا من ساحة المعركة. كان هذا تطورًا هامًا في منطق الردع.
[...] ويكمن أحد أهم نجاحات إيران الاستراتيجية تحديدًا في هذه النقطة. اعتقدت الولايات المتحدة أنها قادرة على إبقاء ساحة المعركة جغرافيًا في إيران واقتصاديًا في المنطقة أو محصورة في الصين، لكن ارتفاع تكاليف الطاقة، واستهلاك احتياطيات الذخيرة، والضغط على أنظمة الدفاع، وتكلفة حماية القواعد، وتأثير الحرب على الأسواق، كل ذلك جعل جزءًا من الحرب يدخل مباشرةً في حسابات الولايات المتحدة الداخلية. لذا، لم يعد السؤال الآن هو حجم الضرر العسكري الذي ستلحقه إيران بالولايات المتحدة فحسب، بل ما هي التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية والانتخابية التي ستتكبدها واشنطن يوميًا جراء استمرار الحرب؟
[...] لذا، لتلخيص نتائج الحرب، يجب القول إن إيران لم تمنع فقط تحقيق الأهداف الأمريكية، بل قدّمت أيضًا أسس القوة التي استندت إليها واشنطن في تقديم نفسها كقوة مهيمنة في المنطقة، وهو التحدي الأكبر في تاريخ أمريكا. سيُغيّر هذا التحوّل البنية الأمنية والسياسية للمنطقة والعالم، وهذه نقطة تحوّل في النظام العالمي.
لذلك، لم تخسر أمريكا حربًا فحسب، بل خسرت نظامًا أيضًا، ولن يعود مضيق هرمز إلى ما كان عليه سابقًا، ولن يعود النظام العالمي إلى ما كان عليه قبل الحرب الثالثة المفروضة. لقد أُجبرت أمريكا على قبول "لحظة هرمز"؛ أرادت الفرار من "لحظة هرمز" التي ترمز إلى بداية زوال الإمبراطوريات، لكنها وصلت إلى لحظة باب المندب".
 
حرب السرديات في قلب واشنطن

من جهتها، كتبت صحيفة مردم سالاري: "عاد الرئيس ترامب إلى مهاجمة الإعلام الأمريكي. فقد أصدر رسميًا أمرًا بحظر دخول بعض وسائل الإعلام المنتقدة للبيت الأبيض.
إن قرار دونالد ترامب الصريح والغاضب بمنع الصحفيين والمذيعين من وسائل إعلام بارزة مثل CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض ليس مجرد "خطأ سياسي" أو عناد إعلامي بين الرئيس والصحافة. بل هو بمثابة ضربة مباشرة لأسس التعديل الأول للدستور الأمريكي، ويُعتبر نقطة تحول في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية و"السلطة الرابعة للديمقراطية". ترامب غاضب من الإعلام الأمريكي. تجدر الإشارة إلى أن هذه المواجهة تتجاوز التطورات الداخلية في واشنطن؛ فهي "تشكيل معركة" متزامن على جبهتين محلية ودولية، أدخلت هيكل الحكم الأمريكي في مرحلة من حجب الأخبار وقمعها في منعطف حرج. وقد أصدرت وسائل الإعلام الناقدة بيانات قاسية وغير مسبوقة، واصفةً هذه الخطوة بأنها "هجوم لا أساس له وغير شرعي على حرية الإعلام". رفض مسؤولو موقع بوليتيكو مزاعم ترامب بنشره أخبارًا كاذبة أو استفادته من إعانات خاصة، وأعلنوا عزمهم على استخدام كافة الوسائل القانونية لمقاومة هذا القرار.
في الوقت نفسه، أكد مجلس إدارة رابطة مراسلي البيت الأبيض، في بيان نادر، أن البيت الأبيض ليس ملكًا شخصيًا لأي رئيس، وأن منع وجود وسائل الإعلام المستقلة لأسباب سياسية يُعدّ هرطقة خطيرة لجميع الصحفيين في الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، اعتبرت منظمات مراقبة حرية التعبير، مثل مؤسسة حرية الصحافة ومعهد نايت للتعديل الأول، خطوة ترامب أكثر سلوك استبدادي من رئيس في التاريخ الأمريكي الحديث، ومهّدت الطريق لرفع دعاوى قضائية جماعية.
[...] من منظور الحقوق الدستورية للولايات المتحدة، يفتقر إجراء البيت الأبيض إلى أساس شرعي، وسيواجه تحديات جوهرية في المحاكم الفيدرالية في واشنطن. استنادًا إلى التعديل الأول للدستور الأمريكي، ووفقًا لقرارات عديدة صادرة عن المحكمة العليا الأمريكية، عندما تُتيح الحكومة مساحةً أو منصةً عامةً، كقاعة مؤتمرات البيت الأبيض، للصحافة، فليس لها الحق في منع الصحفيين من الوصول إليها بناءً على محتوى أو نوع التغطية أو التحيز السياسي لوسائل الإعلام. ويُعدّ وصف ترامب لهذه المنافذ الإعلامية بـ"الأخبار الكاذبة" مثالًا واضحًا على التمييز القائم على وجهة النظر، والذي يُعتبر أشدّ أشكال انتهاك حرية التعبير في النظام القانوني الأمريكي.
[...] ولكن لماذا أقدم ترامب على هذه المخاطرة القانونية والفضيحة السياسية؟ يكمن المفتاح الرئيسي لفهم هذا القرار في حالة الطوارئ العسكرية والتطورات في الشرق الأوسط، وخاصة الصراع مع إيران. ففي منطق الواقعية البنيوية، عندما تدخل حكومة ما مرحلة من التوتر العسكري ولعبة محصلتها صفر في الساحة الدولية، يصبح احتواء الرأي العام في الداخل "ضرورة للأمن القومي". لطالما امتلكت وسائل إعلام مثل CNN وPolitico مصادر قوية في البنتاغون ومجلس الأمن القومي ومجتمع الاستخبارات الأمريكي. في ظل انخراط واشنطن في أزمة عسكرية مع إيران، يخشى ترامب بشدة من كشف الخلافات الداخلية في مجلس الوزراء، أو نقاط الضعف اللوجستية، أو التكاليف الحقيقية للحرب. إن طرد هذه الوسائل الإعلامية محاولة لسد شرايين جماعات الضغط الإعلامية ومنع تسريب المعلومات السرية.
إن احتكار ترامب لسردية الحرب نقطة خلافية. ففي أي صراع عسكري، يحتاج البيت الأبيض إلى "صوت واحد" و"قومية متطرفة". إن التحليلات النقدية التي تنشرها بوليتيكو أو التقارير المباشرة على شبكة سي إن إن حول الأضرار المحتملة تقوض عقيدة الردع والدعاية التي يتبناها ترامب. إنه يريد منح منصة التغطية الإعلامية للحرب حصريًا لوسائل الإعلام اليمينية والمتحالفة معها (مثل فوكس نيوز، ونيوزماكس، وبريتبارت).
إن التهرب من المساءلة عن عواقب الحرب في الشرق الأوسط عشية انتخابات التجديد النصفي يُعد وضعًا استثنائيًا. فارتفاع أسعار الطاقة، والمخاطر الأمنية التي تواجه القوات الأمريكية، والمخاطر طويلة الأمد للتوتر مع إيران، كلها عوامل تطرح تساؤلات صعبة على طاولة البيت الأبيض. وبمحوه لجدول الأعمال وإقصائه للمساءلة المستقلة، يعرقل ترامب الطريق أمام المساءلة أمام الشعب الأمريكي.
[...] وقد أظهر الصحفيون المنتقدون لتصرفات ترامب مدى هشاشة المظاهر التقليدية للديمقراطية وحرية الصحافة مع تصاعد الأزمات الدولية وتداخلها مع الأمن القومي الأمريكي. ويتعرض ترامب لضغوط وهجمات لاذعة من وسائل الإعلام الأمريكية أكثر من أي وقت مضى. وقد أظهر ضعفه في حرب الروايات مع وسائل الإعلام الأمريكية أكثر من ضعفه في الحروب الخارجية.
حتى لو أمرت محكمة فيدرالية في واشنطن خلال الأيام القادمة بعودة مراسلي CNN وMS NOW وPolitico، فقد أوصل ترامب رسالته بالفعل: في أوقات الحرب والأزمات، لا توجد خطوط حمراء لدى البيت الأبيض لكبح جماح وسائل الإعلام المعارضة. هذه المعركة القانونية والسياسية تتجاوز مجرد بطاقات الصحافة الصادرة عن البيت الأبيض؛ ستكون اختبارًا حاسمًا لمدى صمود التعديل الأول للدستور في مواجهة السلطة المتنامية والاستبدادية للسلطة التنفيذية في واشنطن. الوقت ينفد أمام ترامب والجمهوريين الذين سيتلقون ضربات موجعة".
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة