مقالات
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
لقد حُسم الأمر؛ نجحت قوات أنصار الله في السيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وبذلك تمكّن محور المقاومة من إحكام قبضته على أهم ممرين بحريين تجاريين على الصعيد العالمي، وهما مضيقا باب المندب وهرمز. ويشكل هذان الممران نقطتين ضيقتين تتحكمان بدم الاقتصاد العالمي.
فمضيق هرمز هو أهم مضيق نفطي في العالم، يمر منه 20% من النفط العالمي يومياً، أي نحو 20 مليون برميل، ولا سيما القادم من الخليج في اتجاه آسيا وأوروبا. وهذا يعني أن هرمز هو شريان الطاقة.
أما مضيق باب المندب، فهو بوابة قناة السويس، يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. يمر عبره 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات العالمية، فكل التجارة بين أوروبا وآسيا (الصين والهند والخليج) التي تمر عبر قناة السويس تمر لزاماً من باب المندب. وعند إغلاقه، تضطر السفن إلى الالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، فتزيد مدة الرحلة من 10 إلى 15 يوماً، وترتفع كلفة الشحن بنسبة 300%، مما ينعكس سلباً على التجارة العالمية ويؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وبخاصة المحروقات.
وما يزيد من خطورة التحولات الجارية في هذه المنطقة، أن الصراع لم يعد محصوراً في الإطار اليمني أو الإقليمي، بل بات يتصل مباشرة بأمن التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة الدولية. فالدول الكبرى تدرك أن السيطرة الفعلية أو القدرة على التأثير في المضائق البحرية الإستراتيجية تمنح صاحبها أوراق ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتطول الاقتصاد العالمي بأسره. ولذلك تحوّل البحر الأحمر وباب المندب خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي مفتوح، تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والصينية والأوروبية والإقليمية، ما يجعل أي تغيير في موازين القوى هناك حدثاً تتجاوز تداعياته حدود المنطقة.
أمام هذا الواقع، وبخاصة بعد الإنجازات التي حققتها "أنصار الله" في الساحل الغربي للبحر الأحمر في الآونة الأخيرة، وانهيار المجموعات المسلحة اليمنية التابعة للمملكة السعودية، لم يعد بوسع الرياض الاتكال على تلك المجموعات وسواها.
وهو ما قد يدفع القوات السعودية إلى التدخل المباشر في الحرب، وسط تخلٍّ أمريكي عن تقديم أي دعم مباشر لها. وقد يكون ما عزز هذا التوجه لدى واشنطن هو فشل تحالف "حارس الازدهار" الذي أعلنته الولايات المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023 "لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين"، على حد تعبيرها. ولفتت أيضًا إلى أن "هذا التحالف كان دفاعياً، يقتصر دوره على مرافقة السفن ومحاولة إسقاط المسيّرات".
وبعد 11 شهراً من القصف الأمريكي - البريطاني لليمن، طور أنصار الله قدراتهم العسكرية، فاستخدموا صواريخ فرط صوتية وغواصات مسيّرة انتحارية ضد حاملات الطائرات الأمريكية، ما اضطرها إلى الانسحاب من المنطقة بعد هجمات متكررة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. واستمر أنصار الله في استهداف السفن المتجهة نحو الكيان الصهيوني حتى بداية عام 2025، رغم الغارات اليومية الأمريكية - البريطانية، وعجز حينها ثنائي العدوان عن حماية هذا الكيان.
وعندما وصلت الإدارة الأمريكية إلى حائط مسدود، عادت إلى انتهاج البراغماتية في سياستها حيال اليمن؛ ففي 6 أيار/ مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار مع أنصار الله بوساطة عمانية. وأشاد ترامب نفسه بـ "قدرة أنصار الله الكبيرة على تحمل الصعاب"، وحاول في الوقت نفسه تسويق هذا الاتفاق كانتصار أمريكي، غير أن صحيفة "ذا هيل" وصفته بأنه "تراجع مغلف بالتهويل السياسي".
فهل تحذو السعودية حذو الولايات المتحدة وتذهب إلى تسوية مقبولة مع أنصار الله لإنهاء الحرب في البحر الأحمر، أم يستمر هذا الصراع الذي لا أفق له؟